[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله pdf


[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله
[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله

عنوان الكتاب : الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه 
المؤلف : محمد أمان الله علي الجامي 
الناشر : الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 
سنة النشر :1408هحري 
عدد المجلدات : 1
حجم الكتاب : 6.39 ميجا
حمل من هنا : PDF


محمد بن أمان الجامي[عدل]  محمد الجامي	  محمد الجامي.png معلومات شخصية الاسم الكامل	محمد أمان بن علي جامي علي مكان الميلاد	هرر، قرية طغا طاب، الحبشة الوفاة	يوم الأربعاء 26 شعبان 1416هـ المدينة المنورة الإقامة	الحجاز الديانة	سلفي المذهب	شافعي[1] الحياة العملية مؤلفاته	انظر قسم المؤلفات طلاب	ربيع المدخلي  تعديل قيمة خاصية طلاب (P802) في ويكي بيانات الاهتمامات	الجرح والتعديل سبب الشهرة	الدعوة السلفيَّة أثر في	 قائمة◄ المواقع الموقع	الجامي · موقع صوتيَّات الشيَّخ تعديل طالع توثيق القالب محمد أمان بن علي جامي (1349 هـ - 1416 هـ) ولد في إثيوبيا ثم خرج من إثيوبيا إلى الصومال ثم إلى اليمن ومن هناك إلى مكة. درس في إثيوبيا ودرس العربية على الشيخ محمد أمين الهرري ثم سافر إلى السعودية .  ومن أبرز طلاب العلامة محمد أمان بن علي جامي الشيخ ربيع المدخلي والشيخ زيد والشيخ علي فقيهي والشيخ صالح السحيمي والشيخ عبد القادر السندي والشيخ إبراهيم الرحيلي وغيرهم كثير.  محتويات  [أخف]  1	النشأة 1.1	اسمه ومولده 1.2	طلبه للعلم في الحبشة 1.3	طلبه للعلم في السعودية 2	مؤهلاته العلمية 2.1	المؤلفات 3	الإرث الثقافي 3.1	ثناء العلماء عليه 3.2	قالوا عنه 4	النقد 5	المصادر 6	وصلات خارجية النشأة[عدل] اسمه ومولده[عدل] هو محمد أمان بن علي جامي علي، يكنى بأبي أحمد. موطنه الحبشة من منطقة هرر في قرية طغا طاب. ولد كما هو مدوَّن في أوراقه الرسمية سنة 1349 هـ.  طلبه للعلم في الحبشة[عدل] نشأ محمد أمان في قرية طغا طاب وفيها تعلم القرآن الكريم وبعدما ختمه شرع في دراسة كتب الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ودرس العربية في قريته أيضاً على يد محمد أمين الهرري ثم ترك قريته على عادة أهل تلك الناحية إلى قرية أخرى، وفيها التقى مع زميل طلبه وهجرته إلى البلاد السعودية الشيخ عبد الكريم، فانعقدت بينهما الأخوة الإسلامية ثم ذهبا معاً إلى شيخ يسمى الشيخ موسى ودرسا عليه نظم الزبد لابن رسلان ثم درسا متن المنهاج على الشيخ أبادر وتعلما في هذه القرية عدة فنون.  ثم اشتاقا إلى السفر لمكة المكرمة للتعلم وأداء فريضة الحج. فخرجا من الحبشة إلى الصومال فركبا البحر متوجيهن إلى عدن - حيث واجهتهما مصاعب ومخاطر في البحر والبر - ثم سارا إلى الحُدَيدة سيراً على الأقدام فصاما شهر رمضان فيها ثم غادرا إلى السعودية فمرا بصامطة وأبي عريش حتى حصلا على إذن الدخول إلى مكة وكان هذا سيراً على الأقدام. وفي اليمن حذرهما بعض الشيوخ فيها من الدعوة السلفية التي يطلقون عليها الوهابية.  طلبه للعلم في السعودية[عدل] بعد أداء محمد أمان فريضة الحج عام 1369هـ بدأ طلبه للعلم بالمسجد الحرام في حلقات العلم المبثوثة في رحابه واستفاد من الشيخ عبد الرزاق حمزة والشيخ عبد الحق الهاشمي والشيخ محمد عبد الله الصومالي وغيرهم. وفي مكة تعرَّف على الشيخ عبد العزيز بن باز وصحبه في سفره إلى الرياض لما افتتح المعهد العلمي وكان ذلك في أوائل السبعينيات الهجرية. وممن زامله في دراسته الثانوية بالمعهد العلمي الشيخ عبد المحسن بن حمد العبَّاد والشيخ علي بن مهنا القاضي بالمحكمة الشرعية الكبرى بالمدينة سابقاً.  كما أنه لازم حِلَق العلم المنتشرة في الرياض. فقد استفاد وتأثر بالمفتي العلاَّمة الفقيه الأصولي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ . كما كان ملازماً الشيخ عبد الرحمن الأفريقي كما لازم الشيخ عبد العزيز بن باز فنهل من علمهِ الجم وخلُقهِ الكريم، كما أخذ العلم بالرياض على الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ العلاَّمة المحدِّث حماد الأنصاري وتأثر المترجم له بالشيخ عبد الرزاق عفيفي كثيراً حتى في أسلوب تدريسه. كما استفاد وتأثر بالشيخ العلاَمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي حيث كانت بينهما مراسلات. كما تعلم على الشيخ العلاَّمة محمد خليل هراس وكان متأثراً به أيضاً. كما استفاد من الشيخ عبد الله القرعاوي.  مؤهلاته العلمية[عدل] جزء من السلفية عن التيار الجامي Mosque02.svg رجال وعلماء◄ جماعات وتكتلات◄ أحداث ووقائع◄ الأدبيات والأصول◄ تيارات أخرى◄ IslamSymbol.svg بوابة الإسلام ع ن ت حصل على الثانوية من المعهد العلمي بالرياض. انتسب بكلية الشريعة وحصل على شهادتها سنة 1380هـ. معادلة الماجستير في الشريعة من جامعة البنجاب عام 1974م. الدكتوراه من دار العلوم بالقاهرة. المؤلفات[عدل] أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام مجموع رسائل الجامي في العقيدة والسنة المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية حقيقة الديموقراطية وأنها ليست من الإسلام حقيقة الشورى في الإسلام العقيدة الإسلامية وتاريخها شرح متن شروط الصلاة وأركانها وواجباتها قرة عين الموحِّدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين الصفات الإلهية في الكتاب والسنَّة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه،والكثير من مؤلفاته وشروحه. الإرث الثقافي[عدل] ثناء العلماء عليه[عدل] كان للمحمد أمان مكانته العلمية عند أهل العلم فقد ذكروه بالجميل وكان محل ثقتهم بل بلغت الثقة بعلمه وعقيدته أنه عندما كان طالباً في الرياض ورأى شيخه عبد العزيز بن باز نجابته وحرصه على العلم قدَّمه إلى محمد بن إبراهيم حيث تم التعاقد معه للتدريس بمعهد صامطة العلمي بمنطقة جازان. وأيضاً مما يدل على الثقة بعلمه وعقيدته ومكانته عند أهل العلم أنه عند افتتاح الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة انتدب للتدريس فيها بعد وقوع اختيار عبد العزيز بن باز عليه، ومعلوم أن الجامعة الإسلامية أنشئت لنشر العقيدة السلفية وقد أوكلت الجامعة تدريس هذه العقيدة على فضيلة المترجم له بالمعهد الثانوي ثم بكلية الشريعة ثقة بعقيدته وعلمه ومنهجه وذلك ليسهم في تحقيق أهداف الجامعة.  ثناء العلامة صالح الفوزان: ما علمنا عليه إلا خيرا ثناء العلامة بان باز: هم من خواص إخواننا ومن علماء السنة ثناء العلامة صالح اللحيدان: تزكية العلامة صالح اللحيدان للشيخ أمان الجامي قالوا عنه[عدل] ربيع بن هادي المدخلي : وأما الشيخ محمد آمان فما علمت منه إلا رجلاً مؤمناً موحداً سلفياً فقيهاً في دينه متمكناً من علوم العقيدة. ما رأيت أجود منه في عرض العقيدة، إذ كان الرجل قد درسنا في المرحلة الثانوية، درسنا " الواسطية والحموية " ؛ فما رأينا أجود منه وأفضل، ولا أكبر على تفهيم طلابه من هذا الرجل. وعرفناه بحسن الأخلاق والتواضع والوقار، يُتعلَّم منه هذه الأخلاق. د.صالح بن فوزان الفوزان: محمد الجامي هو أخونا وزميلنا تخرج من هذه الجامعة المباركة وذهب إلى الجامعة الإسلامية مدرساً في الجامعة الإسلامية وفي المسجد النبوي وداعياً إلى الله سبحانه وتعالى وما علمنا عليه إلا خيراً وليس هناك جماعة تسمى بالجامية هذا من الافتراء ومن التشويه هذا ما نعلمه عن الشيخ محمد أمان الجامي لكن لأنه يدعو إلى التوحيد وينهى عن البدع وعن الأفكار المنحرفة صاروا يعادونه ويلقبونه بهذا اللقب.[2] النقد[عدل] تعتبر الجامية حسب الآراء التنويرية في العصر الحديث نموذجا صارخا لمقولة "الدين أفيون الشعوب"، وإحدى عوامل التخلف عن الركب الحضاري التحديثي في العالم العربي، من خلال النكوس وتسييس الدين في أمور الحكم، باستغلال فئة رجال الدين من المرتزقة، لا يهمها إلا العطاءات والإغتناء أوالتجنيس في بعض دول الخليج العربي كما هو الحال مع "محمد بن أمان الجامي" من الحبشة. وهو ما يطابق الوضع الديني من خلال طبقة الإكليروس ما قبل الثورة الفرنسية، الأمر الذي جعل الشعب الفرنسي يضع حدا لعوامل الإسترزاق والإستغلال الديني الأفيوني، من خلال فصل رجال الدين عن السياسة وخيار علمانية الدولة. [بحاجة لمصدر]  المصادر[عدل] ^ ترجمة موجزة لفضيلة الشيخ محمد أمان الجامي ^ هل يُقدِمُ دعاة التحريض على مناظرة الرّيس؟ وصلات خارجية[عدل] صفحته على موقع طريق الإسلام. دروس الشيخ الإمام السلفي محمد أمان الجامي المزيد من التزكيات
[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله


[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله [كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله
[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله

[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله
[كتاب مصور] الصفات الإلهية في الكتاب والسنة للشيخ محمد أمان الجامي رحمه الله

تحميل و تصفح كتاب ؛ الصّفاتُ الإلهيةُ في الكتابِ والسُّنةِ النبويّة في ضوء الإثبات والتّنزيه pdf للشَّيخ العلاّمة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى تحميل و تصفح كتاب ؛ الصّفاتُ الإلهيةُ في الكتابِ والسُّنةِ النبويّة في ضوء الإثبات والتّنزيه pdf

للشَّيخ العلاّمة 
محمد أمان الجامي
رحمه الله تعالى تحميل و تصفح كتاب ؛ الصّفاتُ الإلهيةُ في الكتابِ والسُّنةِ النبويّة في ضوء الإثبات والتّنزيه pdf

للشَّيخ العلاّمة 
محمد أمان الجامي
رحمه الله تعالى تحميل و تصفح كتاب ؛ الصّفاتُ الإلهيةُ في الكتابِ والسُّنةِ النبويّة في ضوء الإثبات والتّنزيه pdf

للشَّيخ العلاّمة 
محمد أمان الجامي
رحمه الله تعالى
الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنـزيه للدكتور محمد أمان بن علي الجامي رئيس شعبة العقيدة بالدراسات العليا بالجامعة http://www.saaid.net/ http://www.mediu.org/ بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الحمد لله على نعمه التي لا تحصى، وعطائه الذي لا يستقصى، أحمده كما ينبغي لجلاله، وكريم عطائه، وعظيم سلطانه، وصلاة الله وسلامه ورحمته وبركاته على نبيه المصطفى وآله وصحبه. أما بعد: فلما كانت معرفة الله تعالى أول ما يجب على الإنسان في دينه، وكانت هذه المعرفة - لا تتم على الوجه الأكمل- إلا بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله في خلقه، والإيمان بتلك الأسماء والصفات والأفعال، وإقرارها، إذ بها تعرف الله إلى عباده سبحانه. وعلى الرغم من هذا كله قد تعرض باب الأسماء والصفات لعواصف شديدة هُوجٍ منذ زمن طويل، فنقلت تلك العواصف أشياء كثيرة من أماكنها، وألقت بها في غير مواضعها، فتغيرت بسبب ذلك مفاهيم عديدة، فالتبست مسائل هذا الباب على كثير من الناس، حتى عجز أغلب طلاب العلم عن التمييز، بين الحق والباطل، فربما انعكس عليهم الأمر فرأوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، مع العلم أن معرفة الله التي لا تتم إلا بمعرفة أسمائه وصفاته، هي زبدة دعوة الرسل، وخلاصتها، وعندها تلتقي جميعها مع اختلاف مناهجها وشرائعها، لأن جميع الرسل إنما أرسلوا ليعرفوا الناس ربهم وخالقهم فيعبدوه في ضوء تلك المعرفة، فلما كان باب الأسماء والصفات بهذه المثابة، وله هذه المكانة- وقد تعرض مع ذلك للعواصف التي وصفتها، ووصفت آثارها - جعلت موضوع رسالتي لنيل درجة (الدكتوراه) إن شاء الله معالجة مباحث هذا الباب، بعنوان: (الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء التنـزيه والإثبات)، نعم هذا هو السبب الذي من أجله اخترت هذا الموضوع، لأني تأكدت أن مسائل هذا الباب لم تكن محل عناية ودراسة اليوم -كما يجب- وأن العقيدة السلفية صار يجهلها كثير من شبابنا، ويتصورونها بغير صورتها، ليس العقيدة السلفية (التفويض المطلق) كما يظن كثير منهم، وليست هي تلك الحيرة التي يسمونها (الوقوف) كما يظن البعض الآخر، بل هي شيء آخر وراء ذلك كله، ولكنها سهلة وواضحة كل الوضوح إذا فهمت على حقيقتها، إذ ليس فيها أدنى غموض وهي بريئة من التعقيد والتفلسف. وهي أن يفهم التالي لكتاب الله معاني نصوص الصفات التي تصف الله تعالى بأنه سميع بصير مثلاً، ويثبتها على ظاهرهما كما يليق بالله، ويثبت له كلاماً حقيقياً يسمع، ووجها كريماً يرى يومَ القيامة ويدين مبسوطتين، إلى آخر الصفات التي سوف تمر بنا في هذه الرسالة، يثبتها ولا يؤولها، فيحرفها بالتأويل (مفوضاً) إلى الله عز وجل حقيقتها وكيفيتها، كيلا يتوهم أن حقيقة سمعه وبصره كحقيقة سمع المخلوق وبصره، ولئلا يتوهم أن إثبات الكلام الحقيقي له سبحانه يلزم منه إثبات مخارج الحروف المعتادة كاللسان والشفتين، ولئلا يظن أيضاً أن إثبات الوجه والقدم واليدين مثلاً يعني إثبات الجوارح له سبحانه، كل ذلك غير وارد، لأن لوازم صفات المخلوق لا تلزم صفات الخالق، كما أن لوازم ذوات المخلوق لم تلزم ذاته سبحانه، إذ لا مناسبة بين الخالق والمخلوق {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . بل الواجب إثبات هذه الصفات على الوجه الذي يليق بالله عز وجل دون تمثيل، أو تشبيه، لأنه تعالى له يد حقيقية يأخذ بها، ويقبض، ويعطي، ويطوي بها السموات كما يليق به سبحانه. وفي ضوء هذا الشرح والبيان لعقيدة السلف بالاختصار، يلزم كل من يريد أن يفهم هذه العقيدة أن يفرق بين التفويضين اللذين سبق أن أشرنا إليهما. أحدهما: تفويض المعنى والحقيقة والكيفية معاً بحيث يكون حظ التالي لكتاب الله مجرد سرد النصوص دون فهم لمعانيها بالنسبة لنصوص الصفات، وهو الذي سميناه - فيما تقدم - التفويض المطلق، فنسبة هذا التفويض إلى السلف خطأ، ومنشأ هذا الخطأ أن هذه العقيدة ليست محل عناية ودراسة - كما قلت - وإنما يتحدث الناس عنها حديثاً عابراً وعادياً لا مصدر له، فيقول القائل: إن السلف الصالح لا يفهمون معاني آيات الصفات وأحاديث الصفات، ثم تتناقل الناس هذا النوع من الثناء (الفريد) ومعنى ذلك أن عقيدة السلف لا يتصورها كثير من الناس في الوقت الحاضر، وهذا مما يشغل بال المصلحين المهتمين بشئون المسلمين، ويحزنهم كثيراً، لأن جهل المرء ما يعتقده نحو ربه وخالقه ومعبوده ليس بالأمر الهين، بل هو من الخطورة بمكان. أما النوع الثاني من التفويض: فهو تفويض الحقيقة والكيفية مع فهم معاني النصوص وتدبرها وتعقلها، وهذا ما يدين الله به السلف قديماً وحديثاً، فَلْيُفْهَم جيداً، لنفرق بين التفويضين، ولبيان هذه الحقيقة لا بد من عرض العقيدة السلفية كما فهمها السلف الذين نزل فيهم القرآن بلغتهم، ويجانب ذلك لا بد من عرض ما يقابلها من الآراء المحدثة المخالفة لأن الأشياء تعرف بأضدادها، كما تعرف بنظائرها - كما يقولون - هذه هي الغاية التي نسعى إليها ونريد -تحقيقها من وراء هذا البحث بإذن الله، وهي تتلخص في نقطتين اثنتين: 1- عرض العقيدة السلفية على حقيقتها كما فهمها السلف، لذا استخدمنا هذا المنهج التاريخي الاصطلاحي. 2- عرض الآراء المخالفة لها لأجل المقارنة من باب معرفة محاسن الأشياء بأضدادها، فكان المنهج المقارن هو وسيلتي في هذا المعنى. ثم إنني حاولت في عرضها أن أجعل الصفات الخبرية وصفات الأفعال التي اختلف فيها السلف والخلف كثيراً نقطة ارتكاز للبحث في موضوعات الرسالة مع عدم إهمال بقية الصفات. وقد حرصت هذا الحرص للأمور الآتية مستعيناً بالله وحده: الأمر الأول: هو رجاء أن ينفع الله بما سجلت في هذه الرسالة من المسائل والمناقشات لتصحيح تلك المفاهيم الخاطئة لدى طلبة العلم الذين قد يحتاجون إلى مثل هذه البضاعة المتواضعة، وهم الذين نخاف عليهم من التأثر بذلك الخلط بين منهج السلف ومنهج أهل التفويض والوقوف والحيرة. الأمر الثاني: الرغبة الشديدة في المساهمة في تخفيف حدة الخلاف بين الفريقين: السلف والخلف المعاصرين ببيان منهج السلف على حقيقته في باب الأسماء والصفات عامة، وفي الصفات المختلف فيها خاصة، لأن منهج السلف أصبح مجهولاً لدى كثير من شبابنا كما قلت، ولأن القضاء على الخلاف أو تخفيفه إنما يكون بعد توفيق الله وعونه ببيان الحقائق بأسلوب صريح وواضح، وذكر المحاسن والمثالب للطرفين، وتنوير الناس في أمرهم في ضوء الواقع، ولقصد النصح والإصلاح والتصحيح. الأمر الثالث: المساهمة – بالمستطاع - في نشر التراث السلفي الذي خلفه لنا أولئك الرجال الذين صدقت عزائمهم، وخلصت نياتهم في خدمة هذا الدين، فخلفوا لنا تراثاً عظيماً تجب المحافظة عليه، ونشره بين الناس، وردّ الشبه عنه بكل ما نملك من أساليب ووسائل، هنا يحس المرء بالتقصير العام نحو هذا التراث، ولكن ليس هذا محل الحديث عنه فلندعه جانباً. هذا هو سر اتجاهي إلى هذا الموضوع الذي بين أيدينا كما قلت، إذ تتبعت نصوص الصفات في الكتاب والسنة فحاولت فهمها، كما فهمها السلف الصالح مستنيراً بآثارهم وتفاسيرهم، ثم عرضتها جاعلاً الأدلة النقلية هي الأساس في الاستدلال مع عدم إهدار الأدلة العقلية، هذه طريقتي التي سلكتها في عملي ومنهجي الذي سرت عليه بتوفيق الله. فشملت محتوياتها مدخلاً للبحث، وسبعة أبواب، وخاتمة. أما المدخل فقد اشتمل على تسعة مباحث، وتشتمل بعض المباحث على فصول وفقرات. فتناولت في المبحث الأول بيان معنى السنة لغة واصطلاحاً مع سوق الأدلة اللغوية والشواهد. كما تحدثت في المبحثين الثاني والثالث عن مسألتي حجية القرآن والسنة في باب العقيدة، وحجية أخبار الآحاد في إثبات الصفات. ثم تعرضت بالمناسبة في المبحث الرابع لإبطال شبه الذي يزعمون الاكتفاء بالقرآن دون السنة في باب العقيدة وغيره، وبينت بطلان زعمهم عقلاً وشرعاً. ثم تحدثت في المبحث الخامس عن منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى واستعمالهم الأدلة النقلية والعقلية في ذلك، وذكرت القواعد التي ينبني عليها منهجهم، القاعدة الأولى: تقديم النقل على العقل، وقد تحدثت عن هذه القاعدة بإسهاب، القاعدة الثانية: رفض التأويل في باب الأسماء والصفات، خيشة القول على الله بغير علم، وحذراً من الزيغ، لأن المعنى المؤول إليه ظني قطعاً بالاتفاق، القاعدة الثالثة: عدم التفريق بين الكتاب والسنة، لأنهما وحيان من عند الله على تفصيل مذكور في صلب الرسالة. ثم انتقلت إلى المبحث السادس لأتحدث عن مفهوم الذات الإلهية عند علماء الحديث والسنة، ثم تحدثت في الفقرات التي بعدها عن مفهوم الإلهية لغة واصطلاحاً، ثم تكلمت عن معنى الصفة والنعت لغة واصطلاحاً، والفرق بينهما، ثم تحدثت عن مفهوم الذات في القرآن، ومفهوم الذات في السنة النبوية. ثم انتقلت إلى المبحث السابع فتحدثت فيه عن بعض كبار أئمة المسلمين الذين دافعوا عن منهج السلف، وجددوا للناس دينهم وعقيدتهم، وذكرت نماذج من كلامهم، وهم: - الإمام أحمد بن حنبل. - والإمام البخاري. - والإمام الدارمي. - والإمام تقي الدين أحمد بن تيمية. - والإمام محمد عبد الوهاب التميمي الذي تحدثت عن آثار دعوته في العالم المعاصر، واستمراريتها. ثم انتقلت إلى المبحث الثامن، فناقشت فيه المعتزلة والأشاعرة في موقفهم من نصوص الصفات. وأما في المبحث التاسع فقد تحدثت عن أسباب انتشار العقيدة الأشعرية على الرغم من رجوع الإمام أبي الحسن الأشعري عنها، ثم تحدثت عن توبة كبار شيوخ الأشاعرة الذين رجعوا إلى منهج السلف في آخر المطاف بعد أن قضوا جلّ حياتهم في علم الكلام، وذكرت منهم أبا الحسن الأشعري والجويني الأب والجويني الابن، والشهرستاني، والفخر الرازي، والغزالي رحمهم الله. ثم انتهيت إلى الأبواب الرئيسية في الرسالة، فتناولت في الباب الأول: الأسماء الحسنى، والصفات العلى بالحديث بإسهاب مبيناً الفرق بين الصفات والأسماء، وتلازمهما. ثم تحدثت عن أنواع الصفات عند السلف والخلف، في أربع فقرات في الباب الثاني، تحدثت في الفقرة الأولى عن الصفات السلبية، وفي الفقرة الثانية عن الصفات الثبوتية، وتناولت في الفقرتين الثالثة والرابعة صفات الذات، وصفات الأفعال. وأما في الفصل الأول من هذا الباب فقد تحدثت عن الصفات الشرعية العقلية، والصفات الخبرية. وفي الفصل الثاني تكلمت على مسألة التجدد في الصفات والأفعال. ثم تناولت في الفصل الثالث بيان معاني الصفات الخبرية، وصفات الأفعال عند السلف والخلف بالجملة. وفي الفصل الرابع تحدثت عن معانيها بالتفصيل بعد أن أطلقت عليها: (الصفاتُ العشرون المختارةُ) تحدثت في فقرة (أ) عن صفات الأفعال، صفة صفة وهي اثنتا عشرة صفة - وفي الفقرة (ب) - تكلمت عن الصفات الخبرية وهي ثماني صفات، وتحدثت عن كل صفة على حدة، مستنداً في كل ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة، وقد بينت سبب اهتمامي بهذه الصفات المختارة هناك. ثم انتقلت إلى الباب الثالث لأتناول بالبحث العلاقة بين الصفات والذات. وفي الباب الرابع تحدثت عن طبيعة علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني. وأما في الباب الخامس، فقد بينت في فقرة (أ) حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وفصلت القول في ذلك، وأما في فقرة (ب) فتحدثت عن حقيقة الإلحاد في الأسماء والصفات، مع بيان أنواعه مدعماً كل ما ذكرت بأدلة من الكتاب والسنة وذكر الأمثلة من الواقع المُشاهَد. ثم تكلمت في الباب السادس عن خلاصة المقارنة بين موقف السلف وموقف الخلف من معاني الصفات بصفة عامة. ثم انتقلت إلى الباب السابع فبينت فيه آثار الصفات الإلهية في النفس البشرية والكون. ثم انتهيت إلى الخاتمة بتوفيق الله تعالى فسجلت فيها النتائج التي أسفر عنها البحث بتفصيل وإسهاب، هذا ما اشتملت عليه الرسالة من المباحث في أبوابها وفصولها. فأرجو أن أكون قد وفقت في عرض محتوياتها كما وردت فيها. وبعد، فلا يسلم - في الغالب الكثير- أي بحث من صعوبات تواجهه، ولكن من فضل الله عليّ وتوفيقه لم يصادف بحثي أي صعوبة عرقلت سيره، أو أثرت في نتائجه، وكل الذي يمكن اعتباره صعوبة هو ما صادف الباحث أحياناً من صعوبة العثور على بعض المراجع والمصادر لبعض النقاط والمسائل فشغل وقته بالتفكير والبحث عنها، في مظانها في المكتبات، ولا سيما بعض المصادر المخطوطة، ولكنني لم أضطر إلى شد الرحل من المدينة المنورة بحثاً عنها خارج المدينة، بل استطعت -بتوفيق من الله- التغلب على ذلك النوع من الصعوبة بتعاون من مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تلك المكتبة الحافلة بالمصادر المطبوعة والمخطوطة، وبعض المكتبات الأخرى في المدينة. هكذا انتهيت من هذا العمل الذي أسأل الله تعالى أن يجعله مباركاً ومقبولاً لديه سبحانه، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأسأله المزيد من فضله، إنه خير مسئول وأكرم معط. هذا... وإن كنت قد أصبت وقدمت ما يحقق الغرض المنشود من بحثي هذا فذلك من فضل الله وتوفيقه سبحانه - وله الحمد والمنة - وإن كانت الأخرى فمن زلات قلمي وتقصيري - وما أكثر تقصيري- فأستغفر الله الغفور الرحيم. وصلى الله وسلم وبارك على أفضل رسله، وصفوة أنبيائه محمد وآله وصحبه... المدخل المبحث الأول: معنى السنة لغة واصطلاحاً السنة لغة: السنة، والسنن بمعنى واحد، يقال: استقام فلان على سنن واحد، ويقال: امض على (سننك) أي على وجهك، وتنح عن (سنن) الطريق، و(سننه) ثلاث لغات (السنة) السيرة . (السنة): الطريقة قبيحة كانت أو حسنة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" . وسن الطريق سنها سنا سار عليها، وقال خالد بن عتبة: فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سنة من يسيرها وقال الأزهري: "السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذلك قيل: فلان من أهل السنة أي من أهل الطريقة المستقيمة المحمودة"اهـ . والسنة من النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها (حكمه، وأمره، ونهيه) مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، أو نهى عنه، أو ندب إليه قولاً وفعلاً، مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال: أدلة الشرع: الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث. ومن ذلك حديث في الموطأ: "إني لأَنْسى أو أنسَّى لأَسنَّ" ، أي إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الطريق المستقيم، وأبين لهم ما يحتاجون أن يفعلوه إذا عرض لهم النسيان، ويجوز أن يكون من سننت الإبل إذا أحسنت رِعْيَتَها، والقيام عليها. ومنه نزل المحصب، "ولم يسنَّه" أي نزول المحصب، أي لم يجعله سنة يعمل بها، وقد يفعل الشيء لسبب خاص فلا يعم غيره، وقد يفعل لمعنى، فيزول ذلك المعنى، ويبقى الفعل على حاله متبعاً، كقصر الصلاة في السفر للخوف، ثم استمر القصر مع عدم الخوف، صدقة من الله على عباده، كما ورد في السنة. ومن حديث ابن عباس: "رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسنه" أي لم يسنَّ فعله لكافة الأمة، ولكن لسبب خاص، وهو أن يُرى المشركين قوة الصحابة، وهو مذهب ابن عباس، وأما غيره فيرى أن الرمل في طواف القدوم سنة باقية، وعليه العمل بين المسلمين. ومن ذلك: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ، يعني المجوس في أخذ الجزية منهم، وقد ساق أبو السعادات (ابن الأثير) طائفة كبيرة من أمثلة هذا النوع، وقال الراغب: سنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحراها، وسنة الله عز وجل طريقة حكمه وطريقة طاعته، نحو قوله تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} ، {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} ، وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ} . وقال الزجاج: أي معاينة العذاب، وقال شَمَّر: (السنة في الأصل) سنة الطريق، وهي طريقة سنها أوائل الناس، فصارت مسلكاً لمن بعدهم . ورجل مسنون الوجه ملمسه، وقيل: حسنه وسهله، وقيل: الذي في وجهه وأنفه طول، (والسنين) كأمير ما يسقط من الحجر إن حككته اهـ. المعنى الاصطلاحي: يطلق جمهور علماء الحديث (السنة) على ما يقابل البدعة، فيقولون: فلان على السنة إذا كان عمله وتصرفاته الدينية وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كما يقال: فلان على خلاف السنة، أو فلان مخالف للسنة إذا كان مبتدعاً، وعاملاً على خلاف هديه عليه الصلاة والسلام. يقول الإمام النووي رحمه الله: "(السنة) سنة النبي عليه الصلاة والسلام وأصلها الطريقة، وتطلق سنته عليه الصلاة والسلام على الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وسلم" اهـ. هذا إطلاق من إطلاقات السنة عند المحدثين، وتطلق السنة على المندوب، وهو خلاف الواجب. قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات: "قال جماعة من أصحابنا في أصول الفقه: السنة، والمندوب والتطوع والنفل، والمرغب فيه والمستحب، كلها بمعنى واحد، وهو ما كان فعله راجحاً على تركه، ولا إثم في تركه يقال: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أي: شرعه، وجعله شرعاً "اهـ. هذا اصطلاح جمهور الفقهاء على اختلاف مذاهبهم غالباً، وقد يتوسع في استعمال السنة حتى تشمل فعل الخلفاء الراشدين المهديين، ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ، إلا أنها إذا أطلقت عند المحدثين تنصرف - غالباً- إلى أقوال النبي عليه الصلاة والسلام، وأفعاله وتقريراته. والسنة بهذا المعنى أحد قسمي الوحي الإلهي الذي أوحاه الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهي القسم الثاني. فالسنة إذاً صنو القرآن، ومنـزلة من عند الله (معنى)، ويشهد لما ذكرنا القرآن الكريم نفسه إذ يقول الله تعالى في حق نبيه عليه الصلاة والسلام: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ، والآية كما ترى صريحة في أن كلام الرسول وحديثه فيما يبلغ عن الله من التشريع ليس حديثاًَ عادياً ينطق به عليه الصلاة والسلام كما يشاء، ولكنه كلام ينطق به بوحي من الله، فأمره عليه الصلاة والسلام من أمر الله سبحانه، ونهيه من نهيه، وما أحله مثل ما أحل الله، وما حرَّمَه مثل ما حرَّمه الله وهكذا. وأما القسم الأول من قسمي الوحي فهو القرآن الكريم، وهو من عند الله لفظاً ومعناً، لأنه كلامه الذي خاطب به نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام، وهو المصدر الأول للعقيدة والشريعة والحجة القاطعة. الفرق بينهما: الفرق بين القرآن والسنة واضح كما يظهر مما ذكرنا آنفاً من حيثية واحدة، وهي أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، متعبد بتلاوته، ولا تصح الصلاة إلاّ به، وهو من المعجزات الخالدة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أعجز بلغاء العرب وأقعدهم. وأما السنة فهي من عند الله من حيث المعنى، وأما ألفاظها فمن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتعبد بتلاوتها، ولا تصح الصلاة بها، وليست بمعجزة ويجوز روايتها بالمعنى بشروطها. وأما من حيث ثبوت الأحكام بها، والاستدلال بها في فروع الشريعة وأصولها فلا فرق بين القرآن والسنة من هذه الحيثية، إذا ثبتت السنة عند أهلها بالطريقة المعروفة عندهم. وأما الأحاديث القدسية - وإن كانت من عند الله لفظاً ومعنى - على خلاف في ذلك لأنهم مختلفون في تعريف الحديث القدسي- إلا أنها مثل الأحاديث النبوية في عدم التعبد بتلاوتها، وعدم صحة الصلاة بها، وأما من حيث ثبوت الأحكام والعقائد بها فهي مثل القرآن والسنة الصحيحة على ما تقدم . هذا ما سنتناوله بالبحث إن شاء الله. المبحث الثاني: حجية القرآن والسنة في باب العقيدة إنه لموقف يثير تساؤلا؟!! هل من الجائز أن يبحث مسلم استسلم لربه، وتعاليم نبيه عن حجية القرآن والسنة، أو عدم حجيتهما وهو لا يزال مسلما؟!! هل من الجائز أن يتوقف كاتب مسلم في صلاحية القرآن والسنة للاستدلال بهما في باب العقيدة، بينما هو يستدل بما يظن أنه معقول العقليين دون أدنى توقف؟!! الجواب: لا. إن هذه النهاية التي انتهى إليها أمر العقيدة الإسلامية هي التي تجعلنا نكتب تحت هذا العنوان حيث أصيب كثير من المثقفين من أبناء المسلمين باضطراب في عقائدهم. ذلك الاضطراب الذي أساسه إعراضهم عن كتاب ربهم، وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، إذ صار حظهما عندهم تقديس ألفاظهما تقديساً شكلياً مع هجرانها في العمل والتحكيم وعدم الرجوع إليها لأخذ أسس العقيدة منهما. هما اتجاهان متناقضان: العناية التامة بألفاظ القرآن والسنة يحفظهما عن ظهر قلب، وطبعهما أحسن طباعة، ونشرهما بين القراء، وتخصيص مدارس ومعاهد وكليات لهما، وتخصيص إذاعة خاصة تعرف بـ(إذاعة القرآن الكريم) في بعض العواصم العربية والإسلامية، وهو أمر لم يسبق له نظير في التاريخ، وهو اتجاه كريم يستحق التقدير والإعجاب، ويقابل ذلك إعراض تام عنهما، وعزلهما عن حياة الأمة العامة والخاصة، مع الانحلال التام والبعد عن تعاليمهما ومبادئهما إلا من شاء الله، وقليل ما هم، وإذا أردنا أن نعرف تاريخ بدء هذا الانقسام، فلا بد من الرجوع إلى الوراء. وبعد نشأة (علم الكلام) في العصر العباسي، في أواخر عصر بني أمية انقسم الناس ثلاث فرق في هذا الباب: 1- أتباع السلف الصالح التابعون لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سلك مسلكهم، واقتفى أثرهم من أهل الحديث في كل عصر ومصر، الذين نرجو أن يكونوا هم الفرقة الناجية. وطريقتهم الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة من شريعة وعقيدة، وإثبات صفات الله الواردة فيهما على ظاهرها اللائق بالله دون التورط في التأويل ظناً وتخميناً، ودون تشبيه وتمثيل جرأة على الله إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وهم أيضاً يقولون بالآيات الكونية الدالة على وجود الله العليم الحكيم، وأفعاله الصادرة عن حكمة بالغة كما لا يهملون الأدلة العقلية، إذ لا يجوز تعطيل العقل في مجال العقيدة وغيرها، لأن العقل أساس التكليف، ومناط الأهلية، إلا أنه لا يجوز أن يتجاوز حدوده ويتجاهل وظيفته، ويجمح في مجال الخيال الفاسد، والأوهام الكاذبة بعيداً عن نور الوحي. والخيال والوهم لا يصلحان أساساً للعقيدة والمعرفة الصحيحة حتماً ، علماً بأن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح . 2- فريق يؤمن بالجملة بالله وبكلامه (القرآن)، وبسنة نبيه إيماناً فاتراً خالياً عن الحرارة والحلاوة. وهذا الفريق يستدل على ما آمن به من كمالات الله - في حدود تصوره- بالأدلة العقلية التي يسميها بالبراهين القطعية، ولا يرى الاستدلال بأدلة الكتاب والسنة، بدعوى أنها أدلة ظنية لا تفيد العلم اليقيني. وهو موقف أهل الكلام بالجملة علماً بأنهم فرق شتى، وقد تسربت بعض عقائدهم، ودخلت على الأشاعرة المتأخرين من حيث لا يعلمون، وسيأتي تفاصيل ذلك إن شاء الله. 3- فريق يبدأ عقيدته من ذهن خال، فيأخذ في التفكير والبحث الدقيق ليصل بتفكيره وبحثه إلى الإيمان، بعد أن يقطع أشواطاً طويلة في التأني والسير خطوة خطوة حتى يصل للإيمان بأي شيء، أدى إليه تفكيره، فيؤمن به ويسميه حقيقة. يشبه بعض الكتاب هذا الفريق بقاضٍ عدل عرضت عليه قضية ما وهو خالي الذهن، فجعل يستمع إلى أقوال الخصوم وحججهم، حتى يدرك موقع الحق من عرض حججهم، فيحكم بينهم بما أدى إليه اجتهاده، بعد ذلك العرض الطويل من أقوال الخصوم وحججهم، وهؤلاء هم الفلاسفة الذين يسمون أنفسهم (بالحكماء) في الوقت الذي يسمون فيه غيرهم بالعوام، وقد يثبتون واسطة أحياناً، وهم علماء الكلام كما يقول أبو الوليد بن رشد: (إن علماء الكلام ليسوا بالعلماء -الحكماء- وليسوا من العوام) بل يسميهم (جدليين). هكذا تفرق المسلمون في موقفهم من أدلة الكتاب والسنة، وهو الذي دعانا للكتابة في هذا الموضوع (حجية القرآن والسنة في مبحث العقيدة). وبعد: فالقرآن والسنة هما المصدران الأساسيان لكل بحث في العقيدة، لأنهما وحيان من الله، ويمثلان الرسالة التي كلف الله بها رسله المختارين من البشر، لتكون رابطة بين السماء والأرض، وتحمل إلى سكانها أخبار السماء، أحكاماً ربانية وتعليمات وتوجيهات إلهية. وقد كانت تلك الرسالات متحدة في أصول الدين والإلهيان، إذ كانت كلها تنادي أول ما تنادي: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} . إذ كانت كلها تخرج من مشكاة واحد أي (من عند الله)، ولو كانت من مصادر متعددة لاختلفت وتضاربت، ولكنها كانت متنوعة ومختلفة في الشريعة والمناهج. حيث جعل الله لكل نبي ورسول شرعةً ومنهاجاً، يناسب أحوال وظروف أمته رحمة منه سبحانه ولطفاً، إنه لطيف بعباده. ولقد كان كل نبي يبعث إلى قومه وبلسان قومه في ضوء منهج معين، وتشريع محدود ومؤقت. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} واستمرت هذه السنة هكذا مدة من الزمن طويلة لحكمة يعلمها العليم الحكيم {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} . ولما حان الوقت الذي أراد الله أن يختم فيه رسالاته إلى أهل الأرض اختار من بين عباده نبيه المصطفى محمداً من أمة أمية (العرب)، وقد كانت على فطرتها السليمة دون أن تتأثر بأي حضارة من الحضارات القائمة في ذلك الوقت، الحضارة الفارسية، والرومانية، والهندية، وغيرها، اختاره ليرسله إلى الناس كافة، وليختم به الرسالات، وبعد تمهيدات وإرهاصات مرّت عليه في صباه بعثه إلى الناس كافة، وأنزل عليه كتابه الأخير الذي ختم به الكتب السماوية (القرآن الكريم). وقد وصفه بأنه كتاب مبارك ، وأنه {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} . يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور {وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، ولقد تكفل الله حفظ هذا الكتاب، إذ يقول عز من قائل: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، ووكل تبيانه إلى رسوله، وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يقول جل وعلا: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، وشهد له سبحانه أنه عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى في بيانه هذا وأداء أمانة الرسالة: {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} ، ولما كانت هذه مكانته وهذا شأنه أوجب الله طاعته، وحرم معصيته، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، إذ يقول عز من قائل: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} ، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ، فأمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. يقول بعض أهل العلم عند تفسير هذه الآية: "أعاد الفعل مع طاعة الرسول إعلاناً بأن طاعته عليه الصلاة والسلام تجب استقلالاً، من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم أوتي الكتاب ومثله معه، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أن قال: ثم أمر الله تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله، إن كانوا مؤمنين، وأخبرهم أن ذلك الرد خير لهم في العاجل وأحسن تأويلاً في العاقبة". و(شيء) في قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ}، نكرة في سياق الشرط، تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دُقِّه وجُلِّه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه، فإنه من الممنوع أن يأمر تعالى بالرد عند النـزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النـزاع، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، وهو إجماع بين أهل العلم، وهذا يدل على أن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيماناً، ولكنهم بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة اهـ. هذا.. ولا يشك مسلم مهما انحطت منـزلته العلمية، وضعفت ثقافته، وضحلت معرفته أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل الله عليه من القرآن، ذلك لأن الإيمان بأن الله أنزل القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه بلغه كما نزل، وأنه بيّن للناس، وأوضح ما يحتاج إلى البيان والإيضاح، وأنه دعا الناس إلى معرفة الله بصفات الكمال، ولم يفتر عن الدعوة إلى الله وإلى تعريف العباد بربهم حتى التحق بالرفيق الأعلى صلى الله عليه وسلم. إن هذا المقدار من الإيمان من أصول هذا الدين وأساسه الذي ينبني عليه ما بعده من واجبات الدين وفروضه، إذا كنا نؤمن هذا الإيمان - ويجب أن نؤمن- فأين نجد بيانه عليه الصلاة والسلام، الذي به يتحقق امتثاله لتلك الأوامر؟ {بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} ، {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ} . الجواب: نجد ذلك في سنته المطهرة التي هي خير تفسير للقرآن بعد القرآن، والتي قيض الله لها من شاء من عباده فصانوها، وحفظوها من كل قول مختلق، وكل معنى مزيف، ودونوها منقحة مصداقاً لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} كما تقدم. والذكر المنـزل المحفوظ هو القرآن الكريم في الدرجة الأولى، والسنة تدخل في عموم الذكر عند التحقيق، وإنعام النظر وبيان ذلك: إذا كان القرآن الكريم محفوظاً بنص الآية السابقة، فإن السنة المطهرة محفوظة أيضاً بدلالتها نفسها، وتوضيحه كالآتي: 1- إنها داخلة في عموم الذكر، لأنها تذكّر، كما أن القرآن يُذَكّر. 2- حفظ الله للقرآن الكريم يتضمن حفظ السنة لأنها بيان وتفسير له فحفظها من حفظه، وعلى كل حال فإن السنة المطهرة محفوظة ولا شك، وهو أمر يكاد أن يكون ملموساً لمس اليد، إذ قيض الله لها رجالاً أمناء ونقاداً أذكياء يدركون من العلل الخفية ما يعجز عن إدراكها غيرهم، منهم من قاموا بدراستها وحفظها سنداً ومتناً، وجمعها، ومنهم من عمدوا إلى غربلتها وتصفيتها حتى يتبين المقبول من المردود. ومنهم من دققوا في أحوال الرواة حتى إنهم يدرسون أحوالهم راوياً راوياً، بل حتى إنهم ليعرفون آباءهم وأجدادهم ومشايخهم، وتلامذتهم الذين حدثوا عنهم إلى آخر تلك الخدمة الفريدة التي قدمت ولا تزال تُقدم للسنة المطهرة، ولله الحمد والمنة. ومن خدمتهم للسنة أنهم قسموا الأحاديث إلى ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول: الحديث الصحيح، وهو الحديث المسند القوي الذي يتصل بإسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، من أول السند إلى منتهاه، وقد سَلِمَ من العلل والشذوذ، ومتى قالوا: هذا حديث صحيح، فمعناه: أنه اتصل سنده مع توافر سائر الأوصاف فيه، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في توافر هذه الصفات فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف. ثم إن الحديث الصحيح نفسه ينقسم إلى متفق عليه، ومختلف فيه، كما يتنوع إلى مشهور وغريب. ويتفاوت الصحيح من حيث القوة أيضاً، فأقواه ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري وحده ثم ما انفرد به مسلم، وهكذا. وقد يحكم بعضهم على سند بعينه أنه أصح الأسانيد على الإطلاق، فيرى الإمام إسحاق بن راهويه أن أصح الأسانيد كلها ما رواه الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر، ويوافقه على ذلك الإمام أحمد بن حنبل. ويرى أبو بكر بن أبي شيبة أن أصح الأسانيد كلها: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي. بينما يرى الإمام البخاري صاحب الصحيح - وهو أول من صنف في الصحيح - أن أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، وبنى على ذلك الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي أن أجل الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر، واحتج بإجماع أصحاب الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الإمام الشافعي رحمهم الله ورضي عنهم . هذا نوع من تلك الأنواع الكثيرة من خدمة السنة النبوية والاهتمام بها. القسم الثاني: الحديث الحسن وقد عرفه بعضهم بأنه الذي عرف مخرجه واشتهر رجاله، بينما عرفه البعض الآخر بأنه الذي اشتهر رواته بالصدق والأمانة غير أنهم لم يبلغوا درجة رجال الصحيح، أي قد نقصت درجاتهم في الحفظ والإتقان عن درجات رجال الصحيح . فهذان النوعان يحتج بهما عند جمهور أهل العلم، لأن المدار عندهم على صحة الإسناد، وقد تحقق ذلك في النوعين مع التفاوت المشار إليه، ولا فرق عند الاحتجاج بين الصحيح والحسن لما ذكرنا من أن المدار على الصحة. أما القسم الثالث: فهو الحديث الضعيف بأقسامه الكثيرة، وهو الحديث الذي لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات . وقد بلغت أقسامه عند بعضهم إلى خمسين قسماً. وهذا القسم مستبعد عن الاحتجاج به لا في الأصول ولا في الفروع اللهم إلا إذا كان الضعف يسيراً وتعددت طرقه فيرتفع عندئذ إلى درجة الحسن، فيقال له الحسن لغيره للتفريق بينه وبين الحسن لذاته . وهذه العناية بالشطر الأول من الحديث (وهو الإسناد) إذا أضيفت إلى الاهتمام بالشطر الآخر وهو (المتن) تدلنا دلالة واضحة على أن الله قد حفظ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما حفظ كتابه لأنها شارحة لكتابه، وتفسير له، كما تقدم بيان ذلك، وتعتبر المحافظة على الإسناد، وضبط الأحاديث باباً مهماً من الدين، حيث لا تجوز الرواية إلا عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل قد يكون واجباً فضلاً من أن يعد من الغيبة المحرمة ، لأن هذا الجرح نوع من النصح والذب عن الشريعة المطهرة، فيقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: "الدين النصيحة"، وقد روى عبدان بن عثمان عن ابن المبارك أنه كان يقول: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، ويقول العباس بن أبي رزمة : سمعت عبد الله بن المبارك "يقول: بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد". فشبه الحديث بالحيوان ذي القوائم، فكما أن الحيوان لا يقوم بغير قوائم، فكذلك الحديث لا يقوم بغير الإسناد، فتحت هذه العناية البالغة بالإسناد والمتن معاً وصلت إلينا السنة المطهرة، ثم إن هذا الإسناد الذي ينقل إلينا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة الدقيقة لا تتمتع به أية ملة أخرى، لا اليهودية ولا النصرانية، بل الإسناد من خصوصيات هذه الأمة المحمدية. يقول صاحب كتاب (الوضع في الحديث): "والإسناد بنقل الثقة عن مثله إلى النبي صلى الله عليه وسلم خصوصية لهذه الأمة المحمدية، امتازت به عن سائر الأمم، فإن اليهود ليس لهم إلى نبيهم إلا الإسناد المعضل، ولا يقربون إلى نبيهم موسى عليه السلام قربنا لنبينا عليه الصلاة والسلام، بل الانقطاع بينهم وبينه بأكثر من ثلاثين نفساً، فغاية أسانيدهم تبلغ إلى شمعون ونحوه. وأما النصارى فلا يعرفون الإسناد إلا ما قيل في تحريم الطلاق" . قال محمد بن حاتم بن المظفر: "إن الله أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم قديمها وحديثها إسناد موصول" . فإذا كان كتاب الله محفوظاً -كما علم- وإذا كانت سنة نبيه محفوظة أيضاً -كما شرحنا، ثم عرفنا موقف خير هذه الأمة- وهم الصحابة والتابعون من نصوص الكتاب والسنة، حيث لا يعمدون إلى غيرها للاستدلال، ولا يلتمسون الهدى فيما سواها. ونحن على يقين أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأولها إنما صلح بالتمسك الصادق لهدي الكتاب والسنة عقيدة وشريعة كما نحن على يقين ثابت أنه لا يصبح اليوم ديناً ما لم يكن ديناً أمس، فإذا كان ذلك كذلك فقد وجبت حجية كتاب الله، وحجية سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بما لا يترك مجالاً للشك والتردد وأن تلك الحجية ثابتة في الأحكام والعقيدة على حد سواء إذ لا يوجد مبرر أو مصور للتفريق بين الأحكام والعقيدة حتى تصبح للعقيدة فئات خاصة من الأدلة غير الفئات التي يستدل بها في إثبات الأحكام، وتتخصص العقيدة في الأدلة العقلية ولا حظ لها في الأدلة النقلية إلا ما كان من باب الاتفاق أو الاستئناس لها. وفي اعتقادي الجازم أن هذا التصرف من مبتدعات العصر العباسي وما بعده، وهو من منتجات مدرسة (علم الكلام) الذي لا يتجاوز تاريخ ميلاده العهد العباسي، ويذكرني هذا التصرف ما كان يقوله عبد الله بن مسعود لتلامذته: "عليكم بالأمر العتيق" ، ويقول أيضاً: "اتبعوا ولا تبتدعوا، وقد كفيتم" ، والذي نعتقده وندين الله به - وهو المعقول أيضاً- أن كل ما صح الاستدلال به على الأحكام من النصوص الصريحة، والأحاديث الصحيحة، يصح الاستدلال بمثله في العقيدة في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه وأفعاله، وما يتعلق بأفعال العباد، بل على كل ما يجب الإيمان به في الدين، ومن يفرق بين هذه الأبواب في أدلتها فيطالب بالدليل ولا دليل، فإذاً يصح الاستدلال بكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقيدة كما صح في الأحكام، وهذا هو المطلوب. وأما دعوى المعارض (علماء الكلام) أنها أدلة لفظية عرضة للنسخ والتخصيص والتقييد، فلا يتم الاستدلال بها في هذا الباب، فهي ثرثرة نحفظها لعلماء الكلام الذين شغلهم الكلام عن العلم، فلا ينبغي أن يلقى لها بال، لأن جانب العقيدة لا يمكن أن يقع فيه نسخ وتغيير، وهذا التصرف لا يعرف قبل العصر العباسي، ولا يكاد يدور في رأس أحد من المسلمين قبل ذلك، إذ ليس من الدين ولا من مقتضى العقل الصريح، والفطرة السليمة ألاّ يستدل في المطالب الإلهية بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ليستدل عليها بقول العلاّف، والنظاّم، وابن أبي دُؤاد وأمثالهم، وما ذلك إلا لتزهيد الناس في نصوص الكتاب والسنة، بينما الواجب الذي يقتضيه الإيمان دعوة الناس إلى الاعتصام بهما فقط دون التفات إلى غيرهما، ولا سيما في باب العقيدة وهو باب يجب ألا يتجاوز فيه الكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله في أثناء المناقشة أيام المحنة. وما أحسن ما حكاه الحسن بن صالح العباداني عن أحد العباد (سهل بن عبد الله التستري) قال: دخلت على سهل بن عبد الله التستري فقلت له: أوصني أيها الشيخ يرحمك الله فإني أريد الحج، فقال لي: أوصيك، وواعظك معك؟ فقلت: ومن واعظي يرحمك الله؟ قال: الكتاب المنـزل، فقلت له: الكتاب كبير وفيه مواعظ وتخويف، فعظني يرحمك الله قال: بسم الله الرحمن الرحيم {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} ، قال: ثم قال: استمسك بما سمعت ترشد، قال: فوالله لقد دلتني هذه الآية على كل خير ا.هـ يستفاد من هذه القصة ما يأتي: 1- إصرار ذلك العابد الكبير على أن كتاب الله خير واعظ ولا ينبغي العدول عنه إلى غيره وأن كل من طلب علماً ينتفع به في دينه، يجب أن يرشد ويشجع على التمسك بكتاب الله، ولا ينبغي للوعاظ والعلماء والمشايخ تزهيد الناس في كتاب الله بترغيبهم في التماس الحق والهدى والعقيدة السليمة في غيره، بل الواجب ترغيب الناس في التمسك بكتاب الله المنـزل مشروحاً بالسنة المطهرة التي لا يستغني عنها كل مفسر لكتاب الله لأنها صنو القرآن، ووحي مثله في باب التشريع ووجوب الاتباع. 2- حسن اختيار سهل بن عبد الله التستري، حيث اختار للسائل (آية المعية) ليشعر السائل عند تلاوتها أن الله معه بعلمه، والاطلاع عليه، ومحيط به، ولا يخفى عليه من أمره وتصرفاته شيء حيثما كان في سفره وحضره، وهي معية عامة، وسيأتي الكلام مفصلاً عن صفة المعية إن شاء الله. هكذا يجب أن يكون الوعاظ والعلماء والدعاة، لئلا ينصرف الناس عن كتاب الله وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى السفسطة والجدل الكلامي الذي أصبح حجاباً منيعاً بين كثير من المتأخرين وبين كتاب ربهم وسنة نبيهم. وما أروع قول الإمام مالك إمام دار الهجرة وأحد أئمة الدنيا الأربعة في عصر تابع التابعين، إذ يقول رحمه الله: "أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء" ، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى إن شاء الله. ومن كل ما تقدم يتضح أن علماء المسلمين في هذا الشأن -سلفاً وخلفاً- ينظرون إلى السنة نظرهم إلى الكتاب من حيث الاستدلال بها، فيستدلون بالسنة حيث يستدلون بالقرآن دون أن يفرقوا بين الآحاد والمتواتر، وسوف نتحدث في المبحث التالي في هذه النقطة مستعينين بالله. المبحث الثالث: مدى حجية أخبار الآحاد في إثبات الصفات الأخبار المقبولة التي تثبت بها الأحكام والأمور الخبرية العلمية تنقسم إلى أربعة أقسام: أحدها: أخبار متواترة لفظاً ومعنى. وهي الأخبار التي يرويها عدد كبير غير محصور في عدد معين، ولكنه يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، وهم معروفون بالضبط والعدالة والثقة وغيرها من الصفات المعتبرة عند علماء هذا العلم الشريف. والحديث الذي يرويه هذا العدد بهذه الصورة يسمى متواتراً لفظاً ومعنى، وله أمثلة كثيرة معروفة في موضعها ومن أبرزها حديث الرؤية، وقد رواه ثلاثون صحابياً كما ذكر الحافظ ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح)، وساق كل حديث بعد أن أفرد له فصلاً مستقلاً في الكتاب المذكور. وثانيها: أخبار متواترة معنى، وإن لم تتواتر بلفظ واحد، وله أمثلة كثيرة مثل أحاديث العلو والاستواء، وأحاديث إثبات العرش نفسه حيث نقلت هذه الأخبار بعبارات مختلفة من طرق كثيرة، يمتنع معها التواطؤ على الكذب عقلاً وعادة، وأمثلتها كثيرة، وقد تناقلها خيار من خيار من سلف هذه الأمة واستمر الأمر إلى يوم الناس هذا. وثالثها: أخبار مستفيضة متلقاة بالقبول بين الأمة، وهي من قبيل الآحاد عند علماء هذا الشأن. رابعاً: أخبار الآحاد مروية بنقل رواة عدول ضابطين من أول السند إلى آخره. أما القسم الأول والثاني، فحجيتهما محل إجماع عند أهل العلم، من سلف هذه الأمة إلا ما كان من العقليين الذين لا يقيمون وزناً للأدلة النقلية مهما تواترت، قال في شرح الطحاوية: قسمت المعتزلة والجهمية والروافض والخوارج الأخبار إلى قسمين: 1- المتواتر 2- الآحاد. فالمتواتر وإن كان قطعي السند لكنه غير قطعي الدلالة، لأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات. وأما الآحاد قلا تفيد العلم، ولا يحتج بها من جهة طرقها، ولا من جهة متنها، "ثم قال الشارح رحمه الله: فسدوا على القلوب معرفة الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحالوا الناس على قضايا وهمية ومقدمات خيالية سموها قواطع عقلية، وبراهين يقينية، وهي في الحقيقة كسراب بقيعة بحسبه الظمآن ماء"إلى آخر كلامه . هذا موقف كبرى الطوائف الإسلامية -كما يقولون- هنا يحق لي أن أتساءل: ما الفرق بين قول الذين يقولون: إن شريعة القرآن غير صالحة اليوم لتطبيقها. إذ هناك قوانين وضعها الخبراء المختصون، وهي من أصلح ما يوجد لهذا الوقت، إذ هي تساير الحياة المتطورة التي نعيشها، وإن كنا نؤمن بأن القرآن من عند الله، وأن السنة النبوية المطهرة كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، ولكننا لا نرى تطبيق شريعتهما للظروف التي ذكرناها أو ذكرنا بعضها. ما الفرق بين هذا الموقف وبين موقف الذين يقولون: إن الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لا نشك أنها قطعية الثبوت عن الله تعالى وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنسبة للأحاديث، ولكننا نعتقد أن هذه الأدلة اللفظية ظنية لا تفيد اليقين فلا نرى الاستدلال بها -على سبيل الاستقلال- في باب العقائد بل نرى وجوب الاستدلال بالأدلة القطعية، وهي الأدلة العقلية. هل هناك فرق بين الموقفين؟! لا يمكن أن يجاب إلا بـ (لا). إذاً فما معنى الإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن؟! إن لم يكن معناه التصديق بأن القرآن كلام الله، وأن السنة وحي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وأن الغرض من إنزالهما هو العمل بهما عقيدة وأحكاماً وأخلاقاً وسلوكاً ثم تطبيق ذلك عملياً، هذا هو المعنى الصحيح للإيمان بالكتاب والسنة. ولهذا نرى أن عبارة القوم ينقض آخرُها أولَها، إذ لا معنى لكونها قطعية الثبوت ظنية الدلالة إلا رفض النصوص بهذا الأسلوب المخدّر، هذا ما نفهمه من تلك العبارة التقليدية التي يرددها بعض علماء الكلام، وبعض الأصوليين الذين تأثروا بعلم الكلام، وهي قولهم: (إن الأدلة اللفظية قطعية الثبوت ظنية الدلالة) فخلافهم لا تأثير له في الإجماع لأنهم قد اتبعوا غير سبيل جمهور أهل العلم الذين يرون أن الأدلة النقلية هي العمدة في جميع المسائل الدينية، وتعتبر الأساس في هذا الباب وغيره، والأدلة العقلية تابعة لها، وسوف لا تخالفها عند حسن التصرف فيهما. وأما القسمان الثالث والرابع فالذي عليه عمل المسلمين في الصدر الأول وما يليه من عصور التابعين الاحتجاج بهما إذا صحت، وتلقتها الأمة بالقبول مستدلين بها في كل باب في الأمور الخبرية وغيرها، وقد كان مدار الاحتجاج بالأخبار عندهم الصحة فقط، ولا شيء غير الصحة. ولو رجعنا إلى الماضي إلى ما كان عليه العمل في عصر النبوة، والعصور التي تلت ذلك العصر لرأينا الشيء الكثير مما يشهد لما ذكرنا، وإليك بعض تلك الشواهد والأمثلة: 1- حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم". قال الإمام الشافعي معلقاً على هذا الحديث: "فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته، وحفظها وأدائها (امرأ) يؤديها و (الامرأ) واحد : دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب، وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا". واستدلال الإمام الشافعي بهذا الحديث على قبول أخبار الآحاد في غاية الوضوح حيث لم يشترط الرسول صلى الله عليه وسلم لسماع حديثه عدداً قليلاً أو كثيراً، بل ندب شخصاً واحداً ليسمع حديثه ويؤدي ما سمع، ويشمل ذلك الأحكام والعقائد بما في ذلك إثبات صفات الله تعالى . ب- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في قصة تحويل القبلة قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة" . والمصلون في مسجد قباء جماعة من الصحابة وهم أهل سابقة في الإسلام، وأصحاب فقه في الدين، وقد كانوا متجهين إلى قبلة يؤدون فريضة الصلاة، والاستقبال فيها شرط لصحتها، وقد استقبلوا قبلتهم تلك بفرض من الله، ولو كانوا يعتقدون أن خبر الواحد لا يفيد العلم، لما تركوا قبلتهم القديمة إلى قبلة جديدة لم يعلموها إلا بخبر شخص واحد، وهم لم يلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدُ، ولم يسمعوا الآية التي نزلت لتحويل القبلة. وهذا التصرف من أولئك السادة يدل دلالة واضحة -وهم يعيشون في عصر نزول الوحي- أن خبر الواحد الثقة تقوم به الحجة، وهو مفيد للعلم قطعاً، والله أعلم. والمفرق بين الأحكام والعقيدة من حيث الاستدلال يطالب بنص صحيح وصريح وأنى له ذلك؟!! جـ- حديث أنس بن مالك في تحريم الخمر قال: "كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شراباً من بطيخ وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها، فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت" . فهؤلاء نخبة من أصحاب رسول الله كانوا على شراب كان حلالاً لهم أن يشربوه، فجاءهم آت يخبرهم بتحريمه، فبادر صاحب الجرار أبو طلحة بتكسيرها دون توقف، وقبل أن يقول هؤلاء، أو أحد من الحاضرين لمن أخبرهم بتحريم الخمر أنهم على حلها حتى يلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتبينوا الأمر، لأن المخبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد العلم. كل ذلك لم يقع، ولكن الذي وقع أن القوم علموا بأن الحجة قائمة عليهم بحرمة الخمر، وأنه لا يجوز لهم أن يشربوا منها بعد هذا الخبر، فأقلعوا عن شرب الخمر بل كسروا جرارها وأراقوها امتثالاً للتحريم الذي علموه بخبر الواحد. د- حديث بعث معاذ بن جبل إلى اليمن داعية ومفتياً وحاكماً، وفي مقدمة ما يدعو الناس إليه توحيد الله بالعبادة، وهو أصل الأصول وأساس الدين، وهو فرد واحد في منطقته التي يقوم فيها بالدعوة، وتعليم الناس ما فرض الله عليهم ويأخذ منهم ما وجب عليهم من الزكاة، بينما يعمل علي بن أبي طالب، وأبو موسى الأشعري في مناطق أخرى في اليمن، كل على حدة، وكل واحد تقوم به الحجة في جهته . وهناك عدد كبير من رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم في الآفاق دعاةً وولاةً ومفتين، ومبلغين عن رسول الله ما بعث به، ومن هذا القبيل أمراء السرايا وحملة كتبه، ورسائله عليه الصلاة والسلام إلى الملوك والأمراء في الأقطار والأمصار، وهم عدد كبير جداً. يقول الإمام الشافعي في رسالته: "بعث في دهر واحد اثني عشر رسولاً إلى اثني عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام". ومن راجع السنة وكتب السير يجد أمثلة كثيرة لهذا النوع من الأخبار التي يحملها شخص واحد أو أشخاص معدودون بعثوا إلى المسلمين في عهد النبوة وبعده، ولم يقل أحد من المبعوث إليهم للمبعوثين، والرسل والأمراء: "نحن لا نقبل أخبار الآحاد، أو لا تقوم علينا الحجة بأخباركم هذه لأنها دون التواتر"، كل ذلك لم يقع ولا بعضه. وهؤلاء الدعاة المبعوثون مثل معاذ وزملائه كعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري إلى مناطق مختلفة في اليمن، وأولئك الأمراء والرسل إنما يبلغون عن رسول الله جميع ما بعث به من الدين، فروعاً وأصولاً في الأمصار. وسبق أن قلت في بعض النقاط السابقة: أن من يدعى أو يزعم أن للعقيدة من إثبات الصفات وغيرها أدلة معينة غير الأدلة التي يستدل بها على الأحكام، فعليه دليل فيما يدعيه، وليس هناك دليل ولا بينة، وكل دعوة ليست عليها بينة فهي غير مقبولة قطعاً، والله الموفق. ذكر نصوص بعض الأئمة في إفادة خبر الواحد العلم: وقد ذكر عدد غير قليل من أهل هذا الشأن أن أخبار الآحاد تفيد العلم نذكر منهم الأئمة التالية أسماؤهم: 1- الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المتوفى سنة 179هـ. 2- الإمام الشافعي، المتوفى سنة 204هـ. 3- أصحاب الإمام أبي حنفية مثل أبي يوسف ومحمد بن الحسن. 4- داود بن علي الظاهري وأصحابه كأبي محمد بن حزم. 5- أحمد بن حنبل في رواية عنه، المتوفى سنة 241هـ. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله وهو يتحدث عن مكانة علم الحديث عند السلف وأهل الحديث: "فإذا اجتمع في قلب المستمع لهذه الأخبار العلم بطريقتها، ومعرفة حال رواتها، وفهم معناه، حصل له (العلم الضروري) الذي لا يمكنه دفعه، ولهذا كان أئمة الحديث الذين لهم لسان صدق في الأمة قاطعين بمضمون هذه الأحاديث شاهدين بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم جازمين بأن من كذّب بها، أو أنكر مضمونها فهو كافر مع علم من له اطلاع على سيرتهم وأحوالهم بأنهم من أعظم الناس صدقاً وأمانة وديانة، وأوفرهم عقولاً وأرشدهم تحفظاً وتحرياً للصدق، ومجانبة للكذب، وأن أحداً منهم لا يحابي في ذلك أباه ولا ابنه، ولا شيخه ولا صديقه، وأنهم حرروا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريراً لم يبلغه أحد سواهم، لا من الناقلين عن الأنبياء، ولا من غير الأنبياء، وهم شاهدوا شيوخهم على هذه الحال وأعظم، وأولئك شاهدوا من فوقهم كذلك وأبلغ حتى انتهى الأمر إلى من أثنى الله عليهم أحسن الثناء، وأخبر برضاه عنهم، واختياره لهم واتخاذه إياهم شهداء على الأمم يوم القيامة... إلى أن قال رحمه الله: وقول هؤلاء الكادحين في أخباره وسنته يجوز أن يكون رواة هذه الأخبار كاذبين أو غالطين، بمنـزلة قول أعدائه يجوز أن يكون الذي جاءه به شيطان كاذب، وكل أحد يعلم أن أهل الحديث أصدق الطوائف كما قال عبد الله بن المبارك: (وجدت الدين لأهل الحديث)، والكلام للمعتزلة، والكذب للرافضة، والحيل لأهل الرأي، وسوء الرأي والتبديد لآل بني فلان". وإذا كان أهل الحديث عالمين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذه الأخبار وحدّث بها في الأماكن والأوقات المتعددة، وعلمهم بذلك ضروري، لم يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث: وأن هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم مقبولاً عليهم، فإنهم يدعون العلم الضروري وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث، فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمونه من أنفسهم بمنـزلة من يكابر غيره على ما يجده في نفسه من فرحه وألمه، وخوفه وحبه . ومن كل ما ذكرنا يتضح دون شك أن أخبار الآحاد تقوم بها الحجة في إثبات الصفات، وهو ما عليه المحققون من الأئمة الأربعة، وغيرهم كثير كما تقدم، ولا عبرة لفلسفة المتفلسفين وثرثرة أتباعهم من المعتزلة الذين شغلهم الكلام عن النظر في نصوص الكتاب والسنة والاهتداء بهما، بل أخذوا يلتمسون الهدى في غيرهما حتى استولت عليهم الحيرة، وانتهت حياة كبارهم إلى الحسرة والندم، وتحذير الناس عن الخوض في علم الكلام، والتوصية بالرجوع إلى الفطرة، حتى قال قائلهم: (من جرب مثل تجربتي، عرف مثل معرفتي) ، وسيأتي مزيد بحث لهذه النقطة إن شاء الله. هكذا نثبت بتوفيق الله حجية القرآن والسنة في باب الأحكام الفقهية والعقيدة على حد سواء، وأنه لا يفرق بين الكتاب والسنة من حيث الاستدلال بهما، كما أثبتنا أنه لا فرق في كل ما ذكرنا بين المتواتر وبين الآحاد. المبحث الرابع: إبطال شبه الزاعمين الاكتفاء بالقرآن بعد أن استعرضنا الأدلة النقلية والعقلية لإثبات حجية القرآن والسنة في باب العقيدة، بل أثبتنا أنه لا فرق بين الأحاديث المتواترة وبين أخبار الآحاد في هذا الباب. نرى أن نتبع ذلك بمناقشة موقف أولئك الذي ضل سعيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وهم الذين زعموا وجوب الاكتفاء بالقرآن دون السنة، أو جواز ذلك في باب الأسماء والصفات خاصة وفي إثبات جميع الأحكام عامة، فنقول وبالله التوفيق: إبطال شبه الزاعمين الاكتفاء بالقرآن دون السنة: على الرغم من إجماع الأمة الإسلامية على أن السنة صنو القرآن، وأنها هي الحكمة المذكورة في القرآن في عديد من الآيات، وعلى الرغم مما هو معروف من أن الدين الإسلامي مستمد من الكتاب والسنة معاً عقيدة وأحكاماً، على الرغم من كل ذلك لم تسلم السنة من أقلام بعض المتهورين المتطرفين، ولفرط جهلهم أطلقوا على أنفسهم (القرآنيون) أي العاملون بالقرآن -في زعمهم- المكتفون به، المستغنون عن السنة، هذا تفسير كلمة (القرآنيون) بناء على زعمهم، ولكن التفسير المطابق لواقعهم إذا نظرنا إلى تصرفاتهم أنهم المخالفون للقرآن، اتباعاً للهوى، وتقليداً لبعض الزنادقة ، التقليد الأعمى، لأنهم في واقعهم قد خرجوا على القرآن بخروجهم على السنة، لأنهما كالشيء الواحد من حيث العمل بهما، إذ السنة تفسير القرآن، ولأن القرآن نفسه يدعو إلى الأخذ بالسنة والعمل بها إيجاباً وسلباً، إذ يقول الله عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} ، والأمر بأخذ ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يشمل كل ما صحت به السنة المطهرة من الأحكام وإثبات صفات الله وإثبات المعاد وغير ذلك، ورد في القرآن أو لم يرد لأن ذلك من مقتضى الإيمان بالرسول ورسالته، ومما لا شك فيه أنه لا يتم الإيمان بالقرآن إلا بالإيمان الصادق بمن أنزل عليه القرآن، والإيمان به صلى الله عليه وسلم إنما يعني تصديقه في أخباره واتباع أوامره ونواهيه، وقد أوجب الله طاعته على وجه الاستقلال في قوله تعالى: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} . وهو أمر لا يختلف فيه اثنان مسلمان، وأما هؤلاء القرآنيون الجدد فليس لهم سلف فيما ذهبوا إليه إلا غلاة الرافضة والزنادقة الذين في قلوبهم مرض كراهة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن أصحاب رسوله. وهؤلاء الروافض مرضى القلوب زعموا - وبئس ما زعموا- وجوب الاكتفاء بالقرآن والاستغناء عن السنة مطلقاً في أصول الدين وفروعه، لأن الأحاديث في زعمهم رواية قوم كفار حيث كانوا يعتقدون أن النبوة إنما كانت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأن جبريل أخطأ فنـزل بها إلى محمد صلى الله عليه وسلم بدل أن ينـزل بها إلى علي رضي الله عنه، وهذا الزعم الفاسد والقولة الجريئة هي أساس شبهة الروافض في رد الأحاديث النبوية، وهي شبهة مختلقة كما ترى. ومن لوازم رأيهم الفاسد هذا أن أمر الوحي مضطرب، فلا يصدر من لدن عليم حكيم الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، بل يتصرف فيه ملك الوحي كما يشاء ويختار، ينـزل بالوحي على من يشاء ويعدل عمن يشاء بالوحي، كما يفهم من قول هؤلاء الروافض أن ملك الوحي نفسه غير معصوم أو غير أمين على الوحي وعلى أداء أمانة الرسالة، إذاً فما مدى إيمان الروافض بالله أولاً، ثم بالملائكة والنبيين عامة، وبخاتم النبيين خاصة، وبالكتاب الذي نزل عليه؟!! وبعد: فلقد حاول هؤلاء الزنادقة والروافض إزالة السنن من الوجود والقضاء عليها -لو استطاعوا- أو أن يجعلوا وجودها وجوداً شكلياً فاقداً للقيمة، إلا أنهم لم ينالوا خيراً، ولم يستطيعوا أن ينالوا من السنة شيئاً، فانقلبوا خاسرين ومهزومين، مثلهم كمثل الذي يحاول قلع جبل أحد مثلاً فأخذ يحوم حوله وفي سفحه لينقل من أحجاره حجراً حجراً ظناً من أنه يمكنه بصنيعه هذا قلع الجبل وإزالته من مكانه، أو كالذي يغترف من البحر اغترافاً بيده أو بدلوه محاولاً بذلك أن ينفد البحر أو ينقص. وما من شك أن هذا المسكين سوف تنتهي أوقاته ويجيء أجله المحدود والمحتوم، والجبل باق مكانه شامخاً ليصعد أصحاب الخبرة ويترددوا بين شعابه، ليعثروا على ما قد يخفى على غيرهم، بين تلك الشعاب المتنوعة التي لا يفطن لها غيرهم إذ لكل ميدان رجال. كما يبقى البحر ثابتاً مكانه ليغوص الغواصون من رجال هذا الشأن، فيخرجوا للناس اللآلئ والدرر من مسائل علم الحديث النافعة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هذه نهاية محاولة الروافض ومن يسيرون في ركابهم وقد أرادوا أن يجدوا ما يتعللون به من الأخبار التي تشهد لما ذهبوا إليه من قريب أو من بعيد، فعثروا في أثناء بحثهم على كلام باطل بطلان مذهبهم ونصه هكذا: "ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فإني لم أقله"، وكل من له نظر في هذا العلم الشريف يدرك أن هذا الكلام ليس من منطق الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا يظهر عليه نور النبوة كما ترى، وعلى الرغم من ذلك فإن القوم قد طاروا به فرحاً، ظناً منهم أنه نافع لهم، ولكنهم لم يستطيعوا أن ينفلتوا بحديثهم هذا من أيدي حراس السنة الذين لم تنم عيونهم الساهرة حفاظاً على السنة بل عثروا على حديثهم ذلك، فأعلنوا عنه أنه من أباطيلهم ودسائسهم، حتى عرفه الناس على حقيقته بعد أن سجلوه في كتبهم، فأجروا له عمليتهم الخاصة، وفندوه وجرحوه وعرّوه أمام القراء حتى انكشف حاله، فلله الحمد والمنة. يقول السيوطي في رسالته الطليقة (مفتاح الجنة) : "قال البيهقي: باب بطلان ما يحتج به بعض من رد السنة من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء في عرض السنة على القرآن، قال الشافعي رحمه الله: احتج عليّ بعض من رد الأخبار بما روى أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فأنا لم أقله" ، فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير أو كبير، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية.اهـ كلام الشافعي. قال البيهقي: أشار الإمام الشافعي إلى ما رواه خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا اليهود، فسألهم فحدثوه حتى كذبوا على عيسى عليه السلام، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فخطب الناس فقال: "بأن الحديث سيفشو عني، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عني". قال البيهقي: خالد مجهول، وأبو جعفر ليس صحابياً، فالحديث منقطع . وقال الشافعي: ليس يخالف الحديث القرآن، ولكن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين معنى ما أراد خاصاً أو عاماً، وناسخاً ومنسوخاً. ثم التزم الناس ما سن بفرض الله، فمن قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن الله قبل، ثم ذكر السيوطي بقية كلام البيهقي حول الحديث، وقد نقل البيهقي عن الإمام الشافعي نقولاً كثيرة في هذا الصدد نختار منها الآتي: 1- قال البيهقي: قال الإمام الشافعي رحمه الله: "سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أوجه: أحدها: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فسن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل نص الكتاب. ثانيها: ما أنزل فيه جملة كتاب، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله معنى ما أراد بالجملة وأوضح كيف فرضها عاماً أو خاصاً، وكيف أراد أن يأتي به العباد. ثالثها: ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه له ورضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب، ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من التشريع، لأن الله تعالى ذكره قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} ، وقال: {وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، فما أحل وحرم مما بين فيه عن الله كما بين في الصلاة، ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فثبتت سنته بفرض الله تعالى . ومنهم من قال: كل ما سن، وسنته هي الحكمة التي ألقيت في روعه من الله تعالى" انتهى كلام الشافعي. وقال الشافعي في موضع آخر: "كل ما سن فقد ألزمنا الله تعالى اتباعه، وجعل اتباعه طاعته، والعدول عن اتباعه معصيته، التي لم يعذر بها خلقاً، ولم يجعل له في اتباع سنن نبيه مخرجاً". قال البيهقي: "باب ما أمر الله به من طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والبيان أن طاعتَه طاعتُه"، ثم ساق الآيات التالية: قال الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ، وقال عزّ من قائل: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} ، إلى غيرهما من الآيات البينات التي مضمونها أن طاعةَ رسوله طاعتُه سبحانه، وأن معصيتَه معصيتُه تعالى. ثم أورد البيهقي رحمه الله: حديث أبي رافع رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أُلفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به، أو نهيت عنه يقول: لا أدري؟ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه" . ومن حديث المقدام بن معدي كرب قال:"(إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أشياء يوم خبير كالحمار الأهلي وغيره" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك أن يقعد رجل على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله" . ثم قال البيهقي رحمه الله: وهذا خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يكون بعده من رد المبتدعة حديثه، فوجد تصديقه فيما بعد. ومما قاله الإمام البيهقي في هذا المقام: "ولولا ثبوت الحجة بالسنة لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته بعد تعليمه من شهده أمر دينهم: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع" . هذا... وإذا كانت شبهة الروافض والزنادقة في رد أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم زاعمين الاكتفاء بالقرآن ما تقدم ذكره من موقفهم العدائي من الصحابة فما حجة القرآنيين الجدد؟ فليس لهم شبهة تذكر إلا ما كان من حب الظهور، ولو على حساب الكفر برسول الله، أو مجرد التقليد الأعمى، أو ما كان من عداء كامن للإسلام لم يمكن إظهاره إلا في هذه الصورة، ومهما يكن من أمرهم فإن القرآنيين الجدد أصل مذهبهم راجع إلى ما كان عليه غلاة الروافض. وقد عرفت شبهتهم فبئس التابع والمتبوع أو المُقَلِّد والمُقَلَّد. وبعد أن ذكر الإمام السيوطي في رسالته (مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة) شبهتهم تلك قال مستهجناً لها ومستقبحاً: "ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا الرأي الفاسد الذي كان الناس في راحة منه من أعصار إلى أن قال: وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، وتصدى الأئمة وأصحابهم للرد عليهم في دروسهم ومناظراتهم وتصانيفهم" . ثم ساق من نصوص كلامهم الشيء الكثير في الرسالة المذكورة، ولابن خزيمة كلام نفيس في هذا المعنى . وبعد: فدعوى الاكتفاء بالقرآن ومحاولة الاستغناء عن السنة إنما تعني الاستغناء عن الإسلام، أي تعني (الكفر) بأسلوب ملتو غير صريح لأمر مّا، فأصحاب هذه الفكرة لا حظّ لهم في الإسلام ما لم يراجعوا الإسلام من جديد. وبعد أن استعرضنا أدلة من الكتاب والسنة وأقوال بعض أهل العلم في أن السنة صنو القرآن، ولا يفرق بينهما، فلنناقش هؤلاء الزاعمين عقلياً ومن واقع حياة المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم، فهل يمكنهم الاكتفاء بالقرآن دون أن يجدوا أنفسهم مضطرين لمراجعة السنة في كثير من عباداتهم ومعاملاتهم حيث يجدون في السنة تفصيل ما أجمل في القرآن وما أكثره، وتقييد ما أطلق وعمم فيه. بل ربما وجدوا أحكاماً جديدة هم بحاجة إليها لم يرد ذكرها في القرآن كما يجدون بعض الصفات الإلهية جاءت بها السنة ولم يرد لها ذكر في القرآن، إن الواقع الذي يعيشه المسلمون يجيب على هذا التساؤل وفي القرآن آيات يأمر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس القرآن الذي أنزل عليه إذ يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} ، ويقول سبحانه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} ، ويقول سبحانه آمراً لاتباعه وحاثاً لهم على طاعته: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} ، {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} . وهذه الأوامر القرآنية والتوجيهات الإلهية تشير إلى أن هناك بياناً يقوم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن على أتباعه طاعته، وأن يأخذوا ما يأتي به ويأمرهم به، وعليهم أن ينتهوا عما ينهاهم عنه، لأن طاعته من طاعة الله عز وجل، ولأنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}. وإذا أردنا أن نسوق أمثلة للأحكام التي أشرنا إليها لوجدنا الشيء الكثير منها: أن الصلاة للأحكام التي أشرنا إليها لوجدنا الشيء الكثير منها: أن الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام، جاءت في القرآن مجملة هكذا: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}، فيا ترى كيف يقيم القرآنيون الصلاة؟! فسوف لا يجدون صفة الصلاة وكيفيتها، وبيان عدد ركعاتها ومحل الجهر والسر فيها، وغير ذلك من هيئات الصلاة إلا في السنة الفعلية أو القولية، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا المعنى: "صلوا كما رأيتموني أصلي" . ولو تركنا الكلام في الصلاة، وانتقلنا إلى الزكاة لوجدنا القرآن قد أجمل أمر الزكاة كما أجمل أمر الصلاة، إذ نجد القرآن يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ، لتقوم السنة ببيان الأموال التي تجب فيها الزكاة، وبيان أنصبة الزكاة، والمقدار المأخوذ من كل نصاب على اختلاف الأموال، وهكذا نجد في باب الصيام أحكاماً لم ترد في القرآن، وبينتها السنة، منها: حكم من أتى امرأته في نهار رمضان وهو صائم ما الذي يجب عليه؟ ومن أكل في رمضان أو شرب ناسياً ماذا يصنع؟ هل يتم صيامه أو يفطر؟ أما الحج فمؤتمر إسلامي عام وضع له القرآن الخطوط العريضة، فقامت السنة ببيان تفاصيله من أوله إلى آخره، ولو تتبعنا الأبواب الفقهية من باب الطهارة إلى آخر باب في الفقه لوجدنا السنة وهي تبين ما أجمل في القرآن، أو تأتي بجديد على ضوء الآيات السالفة الذكر. ولو تركنا الأحكام الفقهية وانتقلنا إلى مباحث العقيدة لوجدنا للسنة دورها الذي لا ينكره إلا من يجهلها أو لا يؤمن بها إذ نجد صفات الله تعالى إما ثابتة بالكتاب والسنة معاً، مع الدليل العقلي التابع للدليل النقلي، وإما ثابتة بالسنة الصحيحة، ولم يرد لها ذكر في القرآن الكريم مثل الفرح والضحك والنـزول والقَدَم مثلاً. فلا أظن الزاعم الاكتفاء بالقرآن يجد مفراً بعد هذا البيان إلا إلى أحد أمرين: 1- الإيمان والاستسلام وهو خير له وأسلم بأن يعامل السنة معاملته للقرآن باعتبارها تفسيراً للقرآن. 2- الكفر بالقرآن والسنة معاً دون محاولة تفريق بينهما وهو غير عملي، كما ترى ويمكن أن يقال: إنه إيماني شكلي ببعض الوحي، وكفر سافر ببعض. المبحث الخامس: منهج السف في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه بعد أن أثبتنا حجية كل من الكتاب والسنة في باب العقيدة دون تفريق بين الأحاديث المتواترة وأخبار الآحاد من حيث الاستدلال بها، ثم ناقشنا الزاعمين الاكتفاء بالقرآن دون السنة وأبنّا بطلان منهجهم. فجدير بنا أن نتحدث عن منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه، وقبل أن نشرع في شرح المنهج وذكر قواعده فلنعرف من هم السلف؟ عندما نطلق كلمة السلف إنما نعني بها من الناحية الاصطلاحية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حضروا عصره فأخذوا منه هذا الدين مباشرة غضاً طرياً في أصوله وفروعه. كما يدخل في هذا الاصطلاح التابعون لهم الذين ورثوا علمهم قبل أن يطول عليه الأمد، والذين شملتهم شهادة الرسول لهم وثناؤه عليهم بأنهم "خير الناس" حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" ، كما يشمل الاصطلاح تابعي التابعين. وهو لفظ مصطلح عليه، وقد ظهر هذا الاصطلاح، واشتهر حين ظهر النـزاع ودار حول أصول الدين بين الفرق الكلامية، وحاول الجميع الانتساب إلى السلف وأعلن أن ما هو عليه هو ما كان عليه السلف الصالح، فإذاً لا بد أن تظهر والحالة هذه أسس وقواعد واضحة المعالم وثابتة للاتجاه السلفي حتى لا يلتبس الأمر على كل من يريد الاقتداء بهم، وينسج على منوالهم ويمكن إيجاز تلك القواعد فيما يلي: القاعدة الأولى: تقديم النقل على العقل: ولكن تقريرنا بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن السلف ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف، والتفكير به في خلق السموات والأرض وفي الآيات الكونية الكثيرة لا، ولكنهم لا يسلكون في استعمال العقل الطريقة التي سلكها علماء الكلام في الاستدلال بالعقل وحده في المطالب الإلهية من محاولة الاكتفاء به أحياناً، لو استطاعوا، أو تقديسه بحيث يقدمونه على كلام الله خالق العقل والعقلاء، وعلى سنة رسوله التي هي وحي الله. بل إن السلف من منهجهم لا يدعون التعارض بين الدليلين، بل ينفون هذا التعارض الذي يصطنعه علماء الكلام المتأثرون بفلسفة اليونان، علماً بأن المسلك الذي سلكه علماء الكلام هو في الواقع مسلك الفلاسفة غير الإسلاميين في الأصل الذين لا يثبتون النبوات، ولا يرون أن إرسال الرسل، وما جاءوا به من نصوص الصفات، ونصوص المعاد أنها حقائق ثابتة. فكان أقوى شيء عندهم في الاستدلال على إثبات الأمور "العقل" ما أثبته العقل فهو الثابت، وما نفاه العقل فهو المنفي، فورثوا التركة لعلماء الكلام. أما المؤمنون الذين يؤمنون بالأنبياء وبالكتب المنـزلة عليهم وبما جاء فيها، ويؤمنون أن الرسل كلفوا أن يبينوا للناس ما أنزل إليهم من ربهم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} الآية، المؤمنون الذين يؤمنون هذا الإيمان فلا يجوز لهم أن يعرضوا عما جاءهم من ربهم من الكتاب والحكمة، وعن بيان رسولهم ليلتمسوا الهدى في غيره، ويعتمدوا في إثبات الصفات على عقول الفلاسفة، أو عقول تلامذتهم المتأثرين بهم. ولو وصفوها أنها أدلة عقلية قطعية وبراهين يقينية، وهي في حقيقتها بضاعة غير "إسلامية" وهم يعلمون من أين جاءت، ومتى جاءت، ومن جاء بها، كما أشرنا آنفاً، ثم إنهم نصبوا العداء بينها وبين الوحي، فقد أغنى الله المؤمنين بكتابه المبين وسنة نبيه الأمين عن تكلف المتكلفين، ومن الوقوع في العنت معهم . وبالاختصار: إن السلف إنما يقدمون الأدلة النقلية على الأدلة العقلية إيماناً منهم بأن الله أرسل الرسل، وأنزل عليهم الكتب من عنده، وكلفهم ببيان ما يحتاج إلى البيان "لأمر له شأنه" وهو أن ما جاء في هذه الكتب، وبلغته الرسل يغني عن كل شيء. وأما غيره فلا يغني عنه. هذه النقطة هي "سر المسألة" فلا يسع الخلف إلا اتباع السلف على أساس أنهم أعلم وطريقتهم أحكم وأسلم. وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف ما أصدق مضمون هذا البيت علماً أن قائله خلفي، وكأنّ الناظم يشير بهذا البيت إلى الحديث الشريف الذي يقول فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وأما ما يسوقه بعض علماء الكلام من مصطلحاتهم الكلامية، فيطلق عليها أنها أدلة قاطعة، فلا ينبغي أن تسلم هذه الدعوى، ولا سيما إذا عارضوا بها آيات قرآنية أو سنة نبوية صحيحة، -وهو الغالب عليه- للأسباب الآتية: السبب الأول: أن كبار أئمتهم قد أدركوا خطورة هذا الموقف على "إيمانهم" فرجعوا في آخر حياتهم عن هذا المسلك إلى منهج السلف الذي نحن بصدد بيانه وفي مقدمتهم الإمام أبو الحسن الأشعري الذي عاش أربعين عاماً في الاعتزال، وهو إمامهم ثم تاب الله عليه فتاب. وسوف يأتي مزيد بيان لهذه النقطة إن شاء الله عند الترجمة لبعضهم. السبب الثاني: لا يجوز شرعاً، ولا يستساغ عقلاً أن يعارض كلام الخالق العليم بالمصطلحات التي وضعها المخلوق الجاهل الضعيف. وخاصة إذا تصورنا أن واضعي هذه المصطلحات من غير المسلمين في الغالب الكثير، كما أشرنا آنفاً. السبب الثالث: أن موافقتهم فيما ذهبوا إليه تؤدي إلى الاستخفاف بأدلة الكتاب والسنة وأنها لا قيمة لها، حيث لا يستدل بها على وجه الاستقلال، وإنما تعرض عرضاً شكلياً -كما هو الواقع، وللأسف لدى كثير من الكلاميين على الرغم من إيمانهم في الظاهر. فلا بد من العمل بهذه النصوص بالاستدلال بها ليصدق الإيمان بها، هذا ما يعنيه الإيمان بالكتاب والسنة. ومما يوضح ما ذهبنا إليه من أن القاعدة الأساسية عند السلف في باب الأسماء والصفات "تقديم النقل على العقل" موقف عبد العزيز المكي في حواره مع بشر المريسي بين يدي المأمون، حيث حرص عبد العزيز على بيان منهج السلف وتحديده قبل الشروع في الحوار ليكون هو الأساس والمرجع عندما يختلف هو وبشر أثناء الحوار، ولما طالبه المأمون أن يوضح أصل ذلك المنهج أبان بإيجاز حيث تلا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} . ثم بيّن أن هذه طريقة اختارها الله لعباده المؤمنين وأدّبهم بها وعلمهم أنه لا يسعهم عند التنازع في أي شيء إلا الرجوع إلى كتابه وإلى رسوله في حياته عليه الصلاة والسلام، وإلى أخباره وسنته بعد وفاته لحل النـزاع. وكل ما خالفهما يجب رفضه وعدم الالتفات إليه. ثم قال: فقد تنازعنا أنا وبشر وبيننا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن الإيمان بالله واليوم الآخر والإيمان بالكتاب نفسه وجوب الرجوع إليهما. مكتفين بهما حكماً لحل نزاعنا. فأقر المأمون هذا المنهج الذي عرضه المكي، وحقيقته: تقديم النقل على العقل، واعتبار النقل مرجعاً أساسياً في باب الأسماء والصفات، بل وفي كل باب. والذي يدلنا على أن هذا هو منهج السلف ومذهبهم أن الصحابة نقلوا إلينا القرآن وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم. نقل مصدق غير مرتاب في صدق قائله وصدق ما يقوله وينقله، ثم لم يؤولوا ما يتعلق منه بالصفات من الآيات والأحاديث، بل كانوا ينكرون بعنف على من يتتبع الغوامض من نصوص هذا الباب، وربما ضربوه لئلا يفتن الناس بالتأويل، فدل ذلك على أن منهجهم هو اتباع النقل فقط مع عدم تأويله . فخلاصة قواعدهم: 1- تقديم النقل. 2- عدم التأويل. 3- عدم التفريق بين الكتاب والسنة. وسوف نفصل ذلك في الصفحات التالية إن شاء الله. ولقد كان اللاحق منهم يحرص على فهم هذا المنهج من السابق منهم ويأخذ بتفسيره ولا يخالفه، ويأخذ الأوائل قدوة، لأن الوحي كان ينـزل بين أظهرهم، فكانوا أعلم بتفسيره ممن بعدهم. ويروي لنا في هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية ما كان يقوله الإمام مالك بن أنس نقلاً عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم جميعاً حيث يقول عمر: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناً الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال الطاعة لله، وقوة على دين الله، وليس لأحد من خلق الله تغييرها، ولا النظر في شيء خالفها. من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاّه الله ما تولّى وأصلاه جهنم وساءت مصيراً" . وهو كلام يلقي ضوءاً واضحاً على ما أشرنا إليه آنفاً أن اللاحق منهم يقتدي بالسابق. ثم إنهم كانوا متفقين غير مختلفين في أصول الدين، ولم تظهر فيهم البدع والأهواء، وهم أهل الحديث وحفاظه ورواته وعلماؤه المتبعون للآثار، لا الآراء وذلك سبيل المؤمنين ، واقفين عند قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} . ومن سبيلهم في باب الاعتقاد، الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم لا يزيدون ولا ينقصون ولا يفسرونها فيما يخالف ظاهرها الذي يظهر من وضع اللفظ العربي، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين، بل يمرونها كما جاءت ويردون علم حقيقتها إلى قائلها، مع اعتقاد أنها على الحقيقة وكثير ما يحيل التابعون ومن بعدهم من سألهم أو أراد أن يفهم ما أشكل عليهم يحيلونهم على علم الصحابة، والأمثلة على ذلك كثيرة في كلام الأئمة من التابعين ومن بعدهم. ومن هذا السياق يتبين الفرق بين طريقتهم التي تُخضِع العقل للنقل وبين طريقة المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة الذين يقدمون العقل على النقل، ويؤولون نصوص الكتاب والسنة حتى توافق العقل في زعمهم، والنصوص الصحيحة لا تخالف العقل الصريح كما سيأتي. القاعدة الثانية: رفض التأويل . ولفظ التأويل قد صار مستعملاً في ثلاثة معان على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد الاصطلاحات: أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين - من المتكلمين- أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل النصوص، وهو الذي يرفضه أتباع السلف الصالح قديماً وحديثاً، لأنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم. النوع الثاني: التأويل الذي هو بمعنى التفسير والبيان، وهو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كابن جرير وغيره. النوع الثالث: التأويل الذي بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} ، وأمثلة هذا النوع كثيرة في القرآن، ولا سيما ما يتعلق بأخبار المعاد . فالتأويل في اصطلاح المتكلمين إنما يعني اتخاذ العقل أصلاً حتى يكون النقل تابعاً له، فإذا ما ظهر تعارض بينهما - في زعمهم- فينبغي تأويل النص حتى يوافق العقل. ولم يعلموا - أو هم يتجاهلون- أن الحجة العقلية الصريحة لا تعارض الحجة الشرعية الصحيحة. بل يمتنع تعارضهما إلا إذا كان هناك فساد في أحدهما أو فيهما جميعاً ، علماً بأن العقل إنما هو أمر معنوي يقوم بالعاقل سواء سمي عارضاً أم صفة، وليس هو عيناً قائمة بنفسها كما يعتبرها بعض الفلاسفة . فالسلف يحتكمون إلى النصوص في كل شيء كتاباً وسنة، ويكتفون بها، ولا يعارضونها بالأدلة العقلية كما ذكرناه آنفاً. القاعدة الثالثة: عدم التفريق بين الكتاب والسنة يرى السلف أن السنة تبين الكتاب وتوضحه وتفسره، بل السنة خير تفسير يفسر به القرآن بعد القرآن، بل قد يتوقف فهم بعض ما أجمل في القرآن إلا بواسطة السنة، وقد ترد أحكام بل صفات من صفات الله تعالى في السنة غير مذكورة في الكتاب، فيجب الأخذ بهما معاً دون محاولة تفريق بينهما، لأنها وحي من عند الله من حيث المعنى. ولقد رأينا السلف كيف استغرقوا في القرآن تلاوة وحفظاً وعكوفاً على تفسيره وتفهمه، منفذين أحكامه ومستنبطين منه القواعد في النظر العقلي، ومستمدين منه حقائق عالم الغيب هذا. ويتضح مما تقدم أن مدلول السلفية أصبح اصطلاحاً معروفاً يطلق على طريقة الرعيل الأول، ومن يقتدون بهم في تلقي العلم، وطريقة فهمه، وبطبيعة الدعوة إليه، فلم يعد إذاً محصوراً في دور تاريخي معين، بل يجب أن يفهم على أنه مدلول مستمر استمرار الحياة وضرورة انحصار الفرقة الناجية في علماء الحديث والسنة، وهم أصحاب هذا المنهج، وهي لا تزال باقية إلى يوم القيامة، أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم" . وموقفهم من هذا المبحث واضح مما تقدم وهو الاتباع المطلق لأنه مبحث توفيقي لا يخضع للاجتهاد أو الاستحسان أو القياس، بأن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم دون تحريف للنصوص باسم التأويل، ودون تشبيه لصفاته بصفات خلقه، انطلاقاً من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، وهنا ثلاث نقاط ينبغي أن نعتبرها أسساً في هذا الباب: 1- إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} ، كما لا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى فيه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} . 2- تنـزيه الله عز وجل من مشابهة الحوادث في صفاته في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، والآية تشتمل على التنـزيه لله والإثبات معاً كما ترى. 3- عدم محاولة إدراك حقيقة صفاته كما لم تدرك حقيقة ذاته سبحانه إيماناً بقوله تعالى: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} . ومن التزم بهذه الأسس الثلاثة لا يكاد يتورط فيما تورط فيه المعطلون لصفات الله بدعوى التنـزيه، ولا يقع في التشبيه بالمبالغة في الإثبات بل هو دائماً على الحق الذي هو وسط بين الطرفين. وهو الذي عليه أئمة المسلمين بل كل إمام من الأئمة المشهود لهم بالإمامة يدعو إلى هذا المنهج فإليك نموذجاً من كلام بعضهم وهو شرح لما كان عليه الأمر عند الرعيل الأول: أ- قال الإمام الأوزاعي: كنا - والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من الصفات. نقل هذا التصريح عن الإمام الأوزاعي الإمام البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" ، وهو تصريح يدل على إجماع التابعين المبني على إجماع الصحابة المستند إلى صريح الكتاب وصحيح السنة في صفة الاستواء وغيرها من الصفات الواردة في الكتاب والسنة. والإمام الأوزاعي -كما يصفه شيخ الإسلام ابن تيمية- أحد الأئمة الأربعة الذين كانوا في عصر تابع التابعين وهم: 1- مالك بن أنس بالحجاز المتوفى سنة 179هـ. 2- الأوزاعي بالشام المتوفى سنة 157هـ. 3- الليث بن سعد بمصر المتوفى سنة 175هـ. 4- الثوري بالعراق المتوفى سنة 161هـ. وذكر الأوزاعي هذا الإجماع عندما ظهر جهم بن صفوان منكراً كون الله تعالى فوق عرشه، بل نافياً جميع صفات الله تعالى ذكره ليعرف الناس أن ما نادى به جهم مخالف لما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومصطدم من منهجهم لئلا ينطلي على عامة الناس دعواه بأن ما انتهى إليه مؤيد بالبراهين العقلية التي هي في واقعها وهميات وخيالات لا حقيقة لها. ب- سئل الإمام محمد بن شهاب الزهري "المتوفى سنة 125" والإمام مكحول "توفي وله بضع عشرة سنة بعد المائة" سئلا عن تفسير أحاديث الصفات؟ فقالا: أمروها كما جاءت. وروي مثل هذا الجواب عن الإمام مالك، والليث، والثوري، فقالوا جميعاً في أحاديث الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف. والزهري ومكحول -كما يصفهما الإمام ابن تيمية- من أعلم التابعين، ووصف الأربعة الذين تقدم ذكرهم، وهم مالك وزملاؤه أنهم أئمة الدنيا في عصر تابع التابعين. وفي الوقت الذي يحثون على المنهج السلفي، فإنهم يحذرون الناس عن منهج أهل الكلام. فهذا الإمام الشافعي يقول في ذم أهل الكلام والتنفير عنه: "حكمي في أهل الكلام أن يُطاف بهم في القبائل والعشائر ويضربوا بالجريد، ويُقال: هذا جزاء من ترك كتاب الله واتبع علم الكلام" اهـ. أما الإمام مالك فما أروع ما قاله! في هذا الصدد، إذ يقول رحمه الله: "أوكلما جاءنا رجل أجدل من رجل، تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام لجدل هؤلاء؟!" . وبعد: فلو أن مسألة من المسائل الفقهية الفرعية نالت مثل هذا الاتفاق من هؤلاء الأئمة الأعلام دون أن يشذ عنهم أو يخالف أحد تضر مخالفته اعتبرت مسألة إجماعية. وعيب على كل من يخالف هذا الإجماع وأنكر عليه العامي قبل العالم، فلا غرو إذا أنكر أتباع السلف على من يخرج على هذا المنهج الذي أجمع عليه الصحابة وعلماء التابعين، كما علمنا من كلام الإمام الأوزاعي رحمه الله. المبحث السادس: مفهوم الذات الإلهية عند علماء الحديث والسنة بعد أن أوضحنا منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه، وأبنّا أن منهجهم لا يتجاوز الكتاب والسنة. سنستعرض فيما يأتي الاصطلاحات التالية مرتبة: 1- مفهوم الذات الإلهية عند علماء الحديث والسنة. 2- ثم نتحدث عن معنى الإلهية لغة وشرعاً. 3- نتبع ذلك بالكلام على معنى الصفة الإلهية لغة واصطلاحاً. 4- ثم نتناول بالبحث مفهوم الذات في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة. أما مفهوم الذات الإلهية عند علماء الحديث والسنة: فذاته تعالى كاملة الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد، فلا تشبه ذاته ذوات خلقه بل لا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه. وذاته موصوفة بجميع الكمالات التي لا تعد ولا تحصى، وإلى هذا المعنى يشير رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، حيث يقول في بعض دعائه وتضرعاته وهو ساجد لله سبحانه: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ، وزعمت المعتزلة - وبئس ما زعموا- أن اتصافه تعالى بالصفات يتنافى والواحدانية، أو على حد تعبيرهم أن وصفه تعالى بصفات زائدة على الذات يؤدي إلى تعدد القدماء. وهو ينافي التوحيد، والمراد بالتوحيد هنا "التوحيد" في مفهوم المعتزلة الذي سيأتي ذكره وتفسيره عند الكلام على أصولهم الخمسة المعروفة ، وهو مفهوم خاطئ كما لا يخفى على كل من له إلمام بالموضوع. بل الممنوع الذي لا يساير التوحيد الصحيح هو إثبات ذوات قديمة لا إثبات ذات موصوفة بصفات الكمال. قال صاحب المواقف: "إن الكفر إثبات ذوات قديمة لا إثبات ذات وصفات" ، وشبهة المعتزلة -كما ترى- شبهة واهية وغير معقولة، إذ لا يتصور عقلاً، موجود في الخارج وهو مجرد عن الصفات، وعلى هذا يكون وجود واجب الوجود عندهم وجوداً ذهنياً لا خارجياً. تعالى الله عما زعموا علواً كبيراً. وأما علم حقيقة ذاته وكيفيتها فأمر لا سبيل إليه لأي مخلوق، إذ ليس من الجائز أن يحيط المخلوق بالخالق علماً وإدراكاً لحقيقته ذاتاً ووصفاً، وصدق الله حيث يقول: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} ، قال صاحب المواقف: "إن ذاته مخالفة لسائر الذوات، فهو منـزه عن المثل والند، تعالى عن ذلك علواً كبيراً"، ثم قال: "قال قدماء المتكلمين: ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة: 1- الوجوب 2- الحياة. 3- العلم التام 4- القدرة التامة. وعند أبي هاشم تمتاز بحالة خامسة وهي الموجبة لهذه الأربعة يسمونها "بالإلهية"، ثم قال صاحب المواقف: "لنا لو شاركه غيره في الذات لخالفه بالتعيين ضرورة الاثنينية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز" ا.هـ قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد نقلاً عن السهيلي اللغوي: "وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين، القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة. ويقولون: ذات البارئ هي نفسه، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته. ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في قصة إبراهيم: "ثلاث كذبات كلهن في ذات الله" ، وقول خبيب: "وذلك في ذات الإله" ، قال: وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله، كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} ، وذلك غير مسموع، ولا يقال إلا بحرف "في" الجارة وحرف "في" للوعاء، وهو معنى مستحيل على نفس البارئ تعالى، إذا قلت: جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء. وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه كأنك قلت: هذا محبوب في الأعمال التي في مرضاة الله وطاعته، وأما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال. وإذا ثبت هذا فقوله في ذات الله أو في ذات الإله إنما يريد في الديانة والشريعة التي هي ذات الإله، فذات وصف للديانة، وكذلك هي في الأصل، موضوعها نعت لمؤنث. ألا ترى فيها تاء التأنيث وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله تعالى عز وجل، لا عن نفسه سبحانه، وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى إلى قول النابغة: يجلهم ذات الإله ودينهم فقد بان غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيف إليه"اهـ كلام السهيلي. وقال الحافظ ابن القيم معلقاً على هذا الكلام ومستحسناً: "وهذا من كلامه من المرقصات فإنه أحسن فيه ما شاء". وأصل هذه اللفظة هو تأنيث "ذو" بمعنى صاحب، فذات كذا صاحبة كذا في الأصل. ولهذا لا يقال ذات الشيء إلا لما له صفات ونعوت تضاف إليه فكأنه يقول: صاحبة هذه الصفات والنعوت، ولهذا أنكر جماعة من النحاة منهم ابن "هان" وغيره على الأصوليين قولهم "الذات"، وقالوا: لا مدخل للألف واللام هنا كما لا يقال "الذو" في "ذو" وهذا إنكار صحيح، والاعتذار عنهم أن لفظة الذات في اصطلاحهم قد صارت عبارة عن نفس الشيء وحقيقته وعينه، فلما استعملوها استعمال النفس والحقيقة عرفوها باللام وجردوها، ومن هنا غلطهم السهيلي. فإن الاستعمال، والتجريد أمر اصطلاحي لا لغوي، فإن العرب لا تكاد تقول رأيت الشيء لعينه ونفسه، وإنما يقولون ذلك لما هو منسوب ومن جهته. وهذا كجنب الشيء. إذا قالوا: هذا في جنب الله لا يريدون إلا فيما ينسب إليه من سبيله ومرضاته وطاعته لا يريدون غير هذا البتة. فلما اصطلح المتكلمون على إطلاق الذات على النفس والحقيقة، ظن من ظن أن هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: "ثلاث كذبات في ذات الله" وقول خبيب رضي الله عنه: "وذلك في ذات الإله"، فغلط واستحق التغليط، بل الذات هنا كالجنب في قوله تعالى: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} ، ألا ترى أنه لا يحسن أن يقال هاهنا: فرطت في نفس الله وحقيقته. ويحسن أن يقال: فرطت في ذات الله كما يقال: فعل كذا في ذات الله، وقتل في ذات الله، وصبر في ذات الله، فتأمل ذلك فإنه من المباحث العزيزة الغريبة التي يثنى على مثلها الخناصراهـ . الفصل الأول: معنى الإلهية لغة وشرعاً قال أهل اللغة: إن "إله" فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، وإمام بمعنى مؤتم به، فيكون معناه "معبود" ويقال: "أَلَه" يألَهُ بالفتح فيهما "إلهةً" أي عبادة وفيه قراءة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما {ويذرك وإلاهتك} بكسر الهمزة أي عبادتك. وكان يقول: إن فرعون كان "يعبد" ومنه قولهم "الله" أصله "إلاه" على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود، فلما دخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام و"إلاَهَةُ" اسم للشمس غير مصروف بلا ألف ولام، وربما صرفوه وأدخلوا عليه الألف واللام، فقالوا: "الإلاَهَةُ" كأنهم سموها "الإلاَهَةَ" لتعظيمهم لها وعبادتهم إياها، ومنه بيت لِمَّية بنت عتبة بن الحارث: تروحنا من اللعباء قسرا فأعجلنا الإلاَهَةَ أن تؤويا على مثل ابن أمية فانْعَياه تشقُّ نواعِمُ البشر الجُيوبا الآلهة الأصنام سموها بذلك لاعتقادهم أن العبادة مستحقة لها وأسماؤهم تتبع اعتقادهم لا ما عليه الشيء في نفسه "التأله" التنسك والتعبد، تقول: "أَلَهَ" أي تحير وبابه "طَرَبَ" وأصله وَلَه يَوْله وَلَهَا ا.هـ ويقال: أله بالمكان كفرح إذا أقام، ومنه قول الشاعر: أَلِهْنا بدار تبين رسومها كأن بقاياها وشوم على اليد والإله ينطلق على المعبود بحق وباطل وأما "الله" لا ينطلق إلا على المعبود بالحق اهـ. وهذه المعاني اللغوية تلتقي كلها عند الآتي: إن لفظة "إله" مأخوذة من التأله، وهو التعبد وجمعه آلهة "وإله والآلهة" ينطلقان على كل ما عُبد بأي نوع من أنواع العبادات ولو كان المعبود جماداً. وأما لفظ الجلالة "الله" فلا ينطلق إلا على المعبود بالحق، وهو خالق السماوات والأرض، ومدبر الأمر فيهما سبحانه. وهذا ما يعنيه الاستثناء في قولنا نحن المؤمنين: "لا إله إلا الله" لأن المعنى نفي استحقاق العبادة عن جميع الآلهة وإثباتها لله وحده، أي لا معبود بحق إلا الله، لأنه الخالق الرازق {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ} ، وهو سبحانه موصوف بجميع الكمالات، ومنـزه عن جميع النقائص فعيادة غيره معه أو دونه تعتبر تنقصاً له سبحانه، لأن في ذلك تشبيه المخلوق الضعيف العاجز بالخالق القادر على كل شيء القوي المتين الغني عن كل شيء، الغني وصف ذاتي له سبحانه. كما أن الفقر والعجز والضعف أوصاف ذاتية للمخلوق. من هنا تعلم وجه خطأ أولئك الذين يفسرون كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" بـ"لا خالق إلا الله" أو رازق أو شبه ذلك من معاني الربوبية التي لم يختلف فيها أحد من بني آدم عبر التاريخ الطويل. والتفريق بين توحيد العبادة الذي دلت عليه كلمة التوحيد، وبين توحيد الربوبية الذي لم يقع فيه نزاع كما تقدم أمر ضروري، وتوحيد الربوبية إنما يبحث ليستدل به على توحيد العبادة الذي عجز عن تحقيقه كثير من الناس في هذا العصر، واختلط عليهم الأمر، والله المستعان. فالتفسير المشار إليه مخالف للغة العربية التي نزل بها القرآن كما ترى، فلا يلتفت إليه لأنه يتضمن تجاهل حقيقة التوحيد الذي طبقت عليه دعوة الرسل جميعاً والذي اصطدموا من أجله مع أقوامهم وهو توحيد العبادة أي إفراد الله بالعبادة كما انفرد بالربوبية سبحانه. يقول الحافظ ابن القيم رحمه الله: "اسم "الله" دال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى بالدلالات الثلاث: أ- فإنه دال على الإلهية المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له سبحانه مع نفي أضدادها عنه تعالى، وصفات الإلهية هي صفات الكمال المنـزه عن التشبيه والمثال، وعن العيوب والنقائص، ولهذا يضيف الله تعالى الأسماء الحسنى إلى هذا "الاسم العظيم" كقوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} ، ويقال: الرحمن الرحيم، القدوس، والسلام، والعزيز، والحكيم، من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن ولا من أسماء العزيز ونحو ذلك. ب- فعلم أن اسم "الله" مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى دال عليها بالإجمال. والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين لصفات الإلهية التي اشتق منها اسم الله. جـ- واسم "الله" دال على كونه مألوهاً، معبوداً، تألهُهُ الخلائق محبة وتعظيماً وخضوعاً وفزعاً إليه من الحوائج والنوائب وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته المتضمنتين لكمال الملك والحمد . وإلهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم الجميع صفات كماله، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم، ولا فعال لما يريد، ولا حكيم في أفعاله. وصفات الجلال والجمال أخص باسم "الله" وصفات الفعل والقدرة، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ونفوذ المشيئة، وكمال القوة وتدبير أمر الخليقة أخص باسم "الرب" وصفات الإحسان والجود والبر والحنان، والمنة والرأفة واللطف أخص باسم "الرحمن"" اهـ. وكلام الحافظ ابن القيم غني عن التعليق لوضوحه في بيان العلاقة أو النسبة بين الربوبية والإلهية. وقال رحمه الله في موضع آخر في كتابه مدارج السالكين: "إن توحيد الربوبية باب لتوحيد الإلهية، فإن أول ما يتعلق القلب بتوحيد الربوبية ثم يرتقي إلى توحيد الإلهية كما يدعو الله عباده في كتابه بهذا النوع من التوحيد إلى النوع الآخر، ويحتج به عليهم، ويقررهم به ثم يخبر أنهم ينقضونه بشركهم به في الإلهية، وفي هذا المشهد يتحقق مقام: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، يقول الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ}" . هذا، وإن توحيد الربوبية محل إجماع البشر، ولا فرق بين مؤمنهم وكافرهم، بل كلهم يؤمنون بربوبيته، وإن أشرك من أشرك في عبادته. وأما الصراخ المنكر والقول الهجين الذي سمعته الدنيا لأول مرة في الآونة الأخيرة ، والذي ينادي بكل وقاحة، بإنكار وجود الله تعالى مكابرة، وأنه ليس هو الذي خلق هذا الكون، وأن الدين إنما يقصد به تخدير الشعوب إلى آخر تلك المغالطة، فإنها تهدف إلى تضليل متعمد إذ لا مستند له من العقل والفطرة السلمية بله الشرع، ولا أرى مناقشته هنا. وهل يناقش من ينكر وجود الشمس وهي طالعة؟!! وكيف ينكر وجود الخالق من هو مخلوق له وآية من آياته؟!! وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد الفصل الثاني: معنى الصفة والنعت لغة واصطلاحاً المعنى اللغوي: يقال: وصف الشيء يصفه وصفاً أي نعته، وهذا صريح في أن الوصف والنعت مترادفان، وقد أكثر الناس القول في الفرق بينهما ولا سيما علماء الكلام، وهو مشهور، ولا داعي للإطالة فيه. وفي اللسان: وصف الشيء له وعليه إذا حلاه، وقيل: الوصف مصدر، والصفة الحلية. وقال الليث: الوصف وصفك الشيء بحليته ونعته، والوصّاف العارف بالوصف اهـ. الوصيف "كأمير" الخادم أو الخادمة، أي غلاماً كان أو جارية، وربما قالوا للجارية: وصيفة والجمع وصائف، وجمع الوصيف وصفاء. وفي الأثر: "نهى عن بيع العُسَفَاء والوُصَفَاء"، وفيه حديث أم أيمن: "إنها كانت وصِيفَةً لعبد المطلب" اهـ. استوصف الطبيب لدائه سأله أن يصف له ما يتعالج به، والصفة كالعلم والجهل والسواد والبياض. وأما النحويون فليسوا يريدون هذا، بل الصفة عندهم النعت أي المشتقات كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة اهـ. المعنى الاصطلاحي: والصفة في اصطلاح المتكلمين حال وراء الذات، أو ما قام بالذات من المعاني والنعوت وهي في حق الله تعالى نعوت الجلال والجمال والعظمة والكمال، كالقدرة والإرادة والعلم والحكمة. والصفة غير الذات وزائدة عليها من حيث مفهومها وتصورها، بيد أنها لا تنفك عن الذات، إذ لا نتصور في الخارج ذاتاً مجردة عن الصفات، هذا وإن صفات الله تعالى توقيفية فلا مجال فيها للاجتهاد والاستحسان، بل الواجد الوقوف عند ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، قال الإمام أحمد في هذا الصدد: "لا يتجاوز الكتاب والسنة"، إذ لا يصف الله اعلم بالله من الله، ولا يصفه في خلقه أعلم من رسوله عليه الصلاة والسلام. ولا يقال في صفاته: هي مجاز بل صفاته كلها حقيقة على ما يليق بالله سبحانه، كما أن صفات خلقه حقيقة، حقيقة تناسب حالهم وضعفهم وحدوثهم. فليست الحقيقة كالحقيقة كما هو الشأن في الذات، لأن ذات الله حقيقة، حقيقة تليق به سبحانه، وذوات المخلوقات حقيقة أيضاً، والحقائق مختلفة هنا وهناك. فليعلم ذلك لأنه مقام مهم، ومزلة أقدام زلّت فيها أقدام كثير من علماء الكلام، والله المستعان. فإيماننا بصفات الله تعالى على وفق إيماننا بذاته تعالى، وهو إيمان إثبات وتسليم لا تكييف فيه ولا تشبيه، وبالتالي لا تحريف فيه ولا تعطيل، بل إيماننا بالله وبصفاته في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، وما في هذا المعنى من نصوص الكتاب والسنة التي تدل على التنـزيه الكامل مع إثبات الصفات إثباتاً لا يصل إلى التشبيه والتجسيم. وهذه النصوص تتفق مع الأدلة العقلية التي تدعو إلى الإيمان بجميع كمالات الرب تعالى بالجملة، كمال الذات، وكمال الصفات، وكمال الأفعال. ولا فرق فيما ذكرنا عند السلف بين صفات الذات كالقدرة والإرادة، والعلم مثلاً، وبين صفات الأفعال كالاستواء والنـزول والمجيء لأنها كلها جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، والعقل السليم لا يرفض ذلك، بل يبادر إلى قبوله. فمن غير الجائز إذاً التفريق بين ما جمع الله في كتابه، أو فيما أوحى به إلى رسوله عليه الصلاة والسلام. الفصل الثالث: مفهوم الذات في القرآن الكريم تحدث القرآن عن الذات الإلهية في عديد من الآيات "دون تصريح بلفظ الذات" وكثيراً ما يصدر الحديث باسم "الله" فالله علم على الذات العلية مثل: - قوله تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} . - وقوله تعالى: {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . - وقوله تعالى: {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} . - وقوله تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} . - وقوله تعالى: {اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} . - وقوله تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} . - وقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} . - وقوله تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} . - وقوله تعالى: {اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ} . - وقوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا} . - وقوه تعالى: {الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} . فالله والرحمن وغيرهما من أسماء الله إنما هي أعلام دالة على ذات الله تعالى، وهي مع كونها أعلاماً دالة على الذات، وهي أيضاً أوصاف كمال. وآيات أخرى كثيرة، هذا، وليس بين المؤمنين بالله وبكتابه وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وما جاء به من الهدى خلاف في أن مقام الإلهية فوق كل مقام. وأن ذاته سبحانه فوق كل الذوات، وأن له سبحانه الكمال المطلق في ذاته وصفاته. ثم إنه من غير الجائز عقلاً وشرعاً محاولة إدراك حقيقة ذاته، وصفاته بل العجز عن الإدراك هو الإدراك كما يحكى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . هذا... وذات الله - مع أنها فوق أن تدرك، وفوق أن تحد - قد وصفت في القرآن بصفات كثيرة، كالإرادة والعلم، والقدرة وغيرها، وهي صفات كمال الكمال المطلق، ومع هذا فلا بد أن تضاف هذه الصفات إلى "ذات" كما تضاف مثل هذه الصفات وغيرها إلى ذاتنا مع الفارق البعيد بين كمالها في ذات الإله، ونقصها في ذات الإنسان.!! وقد جاء في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تضيف إلى الله صفات فعل تدل على الإيجاد كقوله تعالى: في أول ما نزل من الكتاب: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، ففي الآيات تعريف بذات الله، وأنها تخلق وتعلم، وكقوله تعالى: {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} ، وقوله تعالى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ} ، وقوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ، فذات الإله ذات توصف بالسمع وتوصف بالرؤية وتوصف بالعزة والحكمة {إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء* هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وأكثر فواصل القرآن تنتهي غالباً بصفة من صفات الله تعالى، أو بالمزاوجة بين صفتين من صفاته. ومن النوع الأول: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} ، {وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} . ومن النوع الثاني: وهو الأعم الأغلب، قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} ، وقوله: {إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . هذا... وقد كان السلف من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم يتلون كتاب الله ويستمعون إلى آيات الكتاب وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، فما وقفوا موقف تساؤل أو حيرة أمام صفة من صفات الله، ولا وقع في تفكيرهم أن "الذات" شيء وأن الصفات شيء، أو أنهما وجهان لحقيقة واحدة، أو غير هذا مما دار حوله الجدل واشتد فيه الخصام بين جماعات المسلمين بعد أن مضى عهد الراشدين ودخلت في الإسلام مذاهب وآراء وفلسفات، مع الذين دخلوا في دين الله من فرس وروم وبربر وهنود وغيرهم. هكذا نترك هذه الفقرة بهد أن استعرضنا نصوصاً من الكتاب العزيز في ذات الله تعالى مع الإشارة إلى موقف المسلمين الأولين من الصحابة والتابعين ومن اقتنع بمنهجهم من أهل العلم، لنرى في الفصل التالي كيف أفصحت السنة عن "ذات الله"، ولنرى هناك أقوالاً لبعض الأنبياء وبعض الصحابة مع النهي عن التفكير في ذات الله لينحصر التفكير في مخلوقات الله التي هي من آياته تعالى. الفصل الرابع: مفهومات الذات في السنة النبوية وقد وردت عدة أحاديث فيها إطلاق لفظ "الذات"، وإثباتها الله تعالى ومن ذلك: أ- حديث أبي هريرة عند البخاري، حيث يقول الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام: "لم يكذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلا ثلاث كذبات، اثنين منهن في ذات الله عز وجل" . 1- قوله: إني سقيم. 2- قوله: بل فعله كبيرهم هذا. 3- قوله لسارة هي أخته خوفاً عليها من سلطان جبار وسارة زوجته والقضية مستوفاة في صحيح البخاري. ب- حديث أبي هريرة في قصة خبيب الأنصاري عندما قتله المشركون حيث قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع والقصة مذكورة ومكررة في صحيح البخاري في كتاب الجهاد، وفي المغازي، وفي كتاب التوحيد أخيراً. ج- حديث ابن عباس: "تفكروا في كل شيء، ولا تفكروا في ذات الله" روي مرفوعاً وهو ضعيف، وروي موقوفاً، قال الحافظ ابن حجر: وسنده جيد. د- حديث أبي الدرداء: "لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله"، قال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات إلا أنه منقطع. ثم قال الحافظ: ولفظ "ذات" في الأحاديث المذكورة بمعنى من أجل أبو بمعنى حق، وأردف قائلاً: ومثله قول حسان: وإن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يجاهد في ذات الإله ويعدل وهو كقوله تعالى حكاية عن قول القائل: {يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} ثم قال الحافظ: فالذي يظهر أن المراد جواز إطلاق لفظ "ذات" لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون، ولكنه غير مردود إذا عرف أن المراد به النفس لثبوت لفظ النفي في الكتاب العزيز اهـ. هذا... وقد تقدم تحقيق لفظ "ذات" من حيث اللغة وفي اصطلاح المتكلمين نقلاً عن الحافظ ابن القيم في أول هذا المبحث . المبحث السابع: الحديث عن بعض المدافعين عن منهج السلف إن منهج السلف الصالح في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه على الرغم من وضوحه وعدم غموضه لم يسلم من أقلام غلاة النفاة الذين يرون أن إثبات صفات الله وأسمائه هو عين التشبيه والتجسيم. ولا يتم تنـزيه الله تعالى عما لا تليق به إلا بنفي الصفات عند بعضهم، وبنفي الصفات والأسماء معاً عند البعض الآخر، بل لم يسلم المنهج حتى من بعض الصفاتية الذين يثبتون بعض الصفات أو أكثرها ولكنهم يرون وجوب تأويل بعض الصفات الأخرى، وقد استهدف منهج السلف هؤلاء جميعُهم على اختلاف مناهجهم فنالوا من المنهج، ورموا السلفيين بالتشبيه والتجسيم، وهم بريئون عن ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وفيما يلي نتحدث عما قام به عدد من أئمتنا من الجهود للدفاع عن منهج السلف والسلفيين. المدافعون عن منهج السلف: ابتدأت آراء الجهمية في القرن الثاني من الهجرة النبوية، ثم انتشرت في المائة الثالثة، وتولى إذاعتها والدعاية لها والكتابة فيها بشر المريسي المتوفى سنة 218هـ، ويقال: إنه فقيه ومتكلم إلا أنه اجتمعت فيه أمراض عدة ينسب إلى المرجئة أحياناً، وينسب أحياناً أخرى إلى الجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان ويذكر الإمام ابن تيمية أن أصل الجهمية يرجع إلى عناصر دخيلة على الإسلام، لأن جهم بن صفوان المتوفى سنة 281هـ أخذ مقالته عن الجعد بن درهم، وأن الجعد أخذها عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت، وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي، ويذكر أنه من يهود اليمن. أما الجعد بن درهم فهو من أرض حران التي كانت فيها عناصر كثيرة من الصابئة والفلاسفة، ومن ثم فإن مقالة الجهمية ترجع إلى عناصر فلسفية وصابئية ويهودية. وقد أخذ الفارابي المتوفى سنة 339هـ نفسه عن فلاسفة حران، كما أخذ جهم بن صفوان عن البوذية أو السمنية . ولما انتشرت آراء الجهمية ومذهبها في التعطيل وإنكار الصفات وفي القول بخلق القرآن، تصدى لها الأئمة من سلف هذه الأمة بالرد وبيان ضلالها وانحرافها . منهم من كتب في ذلك كتاباً أو كتباً، ومنهم من نقلت عنه عبارات وجمل تدل على الاستنكار، وكل ذلك يوضح لنا أن أئمة السلف لم يأل جهداً في الرد على منكري الصفات من يوم ظهورها، وسوف نقدم فكرة موجزة عن بعض هؤلاء الأئمة مع ذكر نموذج من كلامهم، وفي مقدمتهم: أ- الإمام أحمد بن حنبل، وهو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، وقد ترجم لهذا الإمام غير واحد من المؤرخين، وذكروا جميعاً أنه رحمه الله حملته أمه (بمرو) وولدته (ببغداد) في شهر ربيع الأول سنة 164هـ وقد كان أبوه والي بلدة (سرخس) وتوفي والده سنة 179هـ فنشأ ببغداد، وتولت أمه تربيته، وظهرت عليه لوائح النجابة في صباه. ويذكر المترجمون: أنه من شدة رغبته في أخذ علم الحديث، كان يذهب إلى المساجد مبكراً حتى إن أمه تشفق عليه وتطلب منه أن يتأخر حتى يصبح الناس وينتشر ضوء النهار ، وذكر بعض من ترجم له أن الإمام أحمد لم يقتصر في طلب العلم على علماء بلده بغداد فقط، بل إنه رحل إلى كل من الكوفة، والبصرة ومكة، والمدينة المنورة، واليمن والشام بل إنه رحل إلى بلاد فارس، وخراسان، وأخيراً عاد إلى بغداد، وتفيد المصادر أيضاً أن الإمام أحمد بدأ في الاشتغال بالحديث، وعمره ست عشرة سنة. المحنة وكان الإمام أحمد كغيره من أهل الحديث والسنة يذهب إلى أن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود يوم يرفعه الله. وعندما قامت للمعتزلة دولة قوية بتولي الخليفة السابع من خلفاء بني العباس الخليفة (المأمون) بلغ الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة ذروته، وتلك الفتنة التي عرفت في التاريخ باسم (المحنة) كان فيها للإمام أحمد موقف معروف في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ وقف فيها موقفاً فريداً عجز كثير من الأئمة والعلماء الثبات فيه. وملخصها ما يرويه المؤرخون والمترجمون للإمام أحمد: أن الخليفة (المأمون) قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق، وأوقعوه في الباطل إذ زينوا له القول (بخلق القرآن)، ونفي صفات الله عز وجل، والخوض في المطالب الإلهية بعيداً عن نصوص الكتاب والسنة، بل إنه ضرب صفحاً من النصوص زاعماً بأنها لا تفيد اليقين متأثراً بفكرة المعتزلة . قال البيهقي: "ولم يكن في خلفاء بني أمية وبني العباس خليفة إلا على مذهب السلف، ومنهاجهم، فلما تولى المأمون الخلافة اجتمع به هؤلاء المعتزلة فحملوه على نفي الصفات والقول بخلق القرآن"اهـ. وكل الذين تحدثوا عن المحنة يتفق كلامهم بأن الخليفة المأمون أتِيَ مِنْ قِبَلِ بطانة السوء، من أئمة الاعتزال، وتورط في مشكلة هزت خلافته لأنه لم يأخذ الأمر بِرَويّة وحكمة لحل المشلكة، وهي مشكلة يحلها العلماء بالمناقشة والحوار الحر، ومقارعة الدليل بالدليل، بل نصب نفسه داعية لا يرد له قول، ولا يعصى له أمر مستغلاً في ذلك سلطانه العريض. وفي عام 218هـ كتب المأمون إلى نائبه وواليه ببغداد (إسحاق بن إبراهيم بن مصعب) يأمره أن يدعو الناس إلى القول (بخلق القرآن) هكذا بهذه الجرأة ودون مقدمة أو تمهيد. ولم يسع الوالي إلا الامتثال فجمع مجموعة من أئمة الحديث، وبعض القضاة والفقهاء، فدعاهم إلى ذلك القول الخطير، فامتنعوا فأخذ يتهددهم بالضرب وقطع المرتبات بالنسبة للموظفين منهم، فأقر كثير منهم مكرهين، وأصر على الامتناع جماعة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل الذي صمد في موقفه لم يزعزعه التعذيب، ولم تأخذ بقلبه تلك الفتنة، ولم يبال بسلطان الخليفة وما يملكة من أنواع التعذيب، ويذكر بعض من ترجم له أن الخليفة المأمون توفي (بطرسوس) قبل أن يصل إليه الإمام أحمد، وهو محمول إليه، ثم رد إلى بغداد، واستمر الامتحان أمام المعتصم ثم الواثق ثم بقي الإمام بعد موت الخلفاء الثلاث، وقد ماتت معهم المحنة، وبقي الإمام بعدهم لنشر السنة التي عذب من أجلها وليرفع صوته بنصوص الصفات من جديد، وقد أتى الله بالفرج في عهد (المتوكل) وقضى بذلك على بقية البدعة ولذلك لقبه أهل عصره (ناصر السنة وقامع البدعة) فاستحق لقب (إمام أهل السنة) وقد ساعده الخليفة المتوكل الذي أعلن برفع (المحنة) وأمر بنشر أحاديث الصفات بما في ذلك صفة الكلام، التي هي بيت القصيد في الموضوع. وبمناسبة انتشار آراء أهل البدع، صرح الإمام أحمد وأوضح موقفه من نصوص الصفات فيما يرويه ابنه عبد الله بن أحمد، ومن ذلك قوله رحمه الله: "هذه الأحاديث نرويها كما جاءت"، وقوله: "إن ما يرجع إلى عالم الغيب لا ينبغي الخوض فيه، وإنما نفوض أمره إلى الله". ومن كلامه: "من صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة إرجاء ما غاب عنه من الأمور إلى الله"، كما جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أهل الجنة يرون ربهم"، فيصدقها ولا يضرب لها الأمثال، ووقف الإمام من أهل الكلام موقفاً معارضاً فقال: "لا تجالسوا أهل الكلام وإن ذَبّوا عن السنة"، وقال أحمد: "صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة: من شهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأقر بجميع ما جاءت به الأنبياء والرسل. وعقد قلبه على ما ظهر من لسانه ولم يشك في إيمانه ولم يكفر أحداً من أهل التوحيد بذنب. وأرجأ من غاب عنه من الأمور إلى الله. وفوض أمره إلى الله"... الخ. وقد عدد الإمام صفات كثيرة يرى أنها من صفات أهل السنة والجماعة لئلا يلتبس الأمر على من يريد معرفتهم ويميز بينهم وبين أهل البدع الذين يتصفون عادة بأضداد هذه الصفات. وإذا ما تحدثنا عن المحنة وصبر الإمام أحمد فيها يَجْدُرُ بنا أن نذكر نموذجاً من أسئلة الامتحان ليتصور القارئ صورة المحنة ولو بعض التصور، والي بغداد يسأل والإمام أحمد يجيب: إسحاق: ما تقول في القرآن؟ الإمام أحمد: هو كلام الله. إسحاق: أمخلوق هو؟ الإمام أحمد: هو كلام الله لا أزيد على هذا. إسحاق: ما معنى أنه تعالى سميع بصير؟ الإمام أحمد: هو كما وصف نفسه. هذه بعض الأسئلة التي يوجهها إسحاق بن إبراهيم بن مصعب والي بغداد الذي كلف من طرف المأمون بامتحان العلماء وشيوخ الحديث والسنة، وقد ثبت الإمام أحمد أمامها ونجح في الامتحان نجاحاً نال به أعلى (وسام) يناله عالم سلفي وهو (وسام الإمامة) إذ لقبه أهل عصره العارفون بموقفه لمعرفتهم كيف أبقى الله بع على العقيدة بصبره وثباته (بإمام أهل السنة وقامع البدعة). هكذا نوجز ترجمة هذا الإمام اقتصاراً على ما يتلاءم وبحثنا، رحمه الله وجزاه عن السنة وأهلها خير الجزاء. وقد خلف الإمام أحمد للمكتبة الإسلامية كتباً ورسائل كثيرة ونافعة، ومن أبرزها (مسند الإمام) المعروف، الذي تغني شهرته عن التعريف وله كتابه الفريد الذي كتبه رداً على الزنادقة والجهمية إذ يعتبر من أهم ما كتب في مجاله، وقد ناقش فيه الإمام المشككين في القرآن الذين يتأولونه على خلاف ظاهره، وقد دافع الإمام في هذا الكتاب عن المنهج السلفي خير دفاع، فجزاه الله خير ما جازى به المجاهدين. مواقف الإمام وبعد أن استعرضنا نبذة من حياة الإمام أحمد واستعرضنا أيضاً طرفاً من المحنة، وما جرى بينه وبين خصومه في مشكلة خلق القرآن، فلنسمع صوت الإمام وهو في حوار (حيّ) مع الجهمية حيث يدافع عما يعتقده السلف في صفات الله، فلنأخذ مقتطفات من كلامه في مبحث الرؤية، وصفة العلو، والمعية فتعال بنا لنحضر الحوار ثم لنستمع إليه بقلب حاضر وكأنك تسمع الصورة الصوتية للإمام وهو يناقش بأسلوبه الخاص ولغته القوية. وقد بوب الإمام لكل موضوع يجري فيه الحوار إذ يقول مثلاً: بيان ما جحدت الجهمية من قول الله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، قال الإمام أحمد رحمه الله: فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟! فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه لأن المنظور إليه معلوم موصوف. لا يرى إلا شيء يفعله. فقلنا: أليس الله يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، قالوا: إن معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، أنها تنظر الثواب من ربها وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته، وتلوا آية من القرآن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} ، فقالوا: إنه حيث قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ}، إنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى ألم ترَ إلى فعل ربك، فقلنا: إن فعل الله لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، فقالوا: إنما تنظر الثواب من ربها، فقلنا: إنها مع من تنظر الثواب هي ترى ربها. فقالوا: إن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وتلوا آية من المتشابه من قوله الله جل ثناؤه: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف معنى قول الله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، وقال: "إنكم سترون ربكم" ، وقال الله لموسى: {لَن تَرَانِي}، ولم يقل: لأن أرى، فأيهما أولى أن نتبع النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "إنكم سترون ربكم" أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟! والأحاديث بأيدي أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم. وبعد: إنّ القارئ يدرك أن الإمام يشير إلى أن الإدراك المنفي في قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، أمر زائد على الرؤية وهذا المعنى في غاية الوضوح، لأن العباد عندما يرون ربهم لا يدركونه أو لا يحيطون به، كما أنهم يعلمون ربهم ويؤمنون به، ولا يحيطون به علماً ومعرفة، وقد يتصور هذا المعنى حتى في مخلوق من مخلوقات الله تعالى. فمثلاً إنك ترى الشمس دون شك، وهي في ضحى النهار ولكن لا تحيط بها إحاطة من كل وجه، وهي خلق من خلق الله تعالى ولله المثل الأعلى، فلا غرابة في إثبات الرؤية من مجموع الآيات والأحاديث مع نفي الإدراك، كما نفت آية سورة الأنعام {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}. والله أعلم. فلنعد إلى سماع الحوار مرة أخرى في الموضوع نفسه، حيث يقول الإمام أحمد رحمه الله: وحديث سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد في قوله الله: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} . قال: النظر إلى وجه الله: ومن حديث ثابت البناني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى مناد: يا أهل الجنة! إنّ الله قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله لا إله إلا هو. ثم قال الإمام: وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم ويحجبون عن الله، لأن الله قال للكفار: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ، فإذا كان الكافر يحجب عن الله، والمؤمن يحجب عن الله، فما فضل المؤمن على الكافر؟ والحمد لله الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع ولم يجعلنا ممن ابتدع والحمد لله وحده . هكذا رأينا كيف كان الإمام أحمد يدافع عن منهج أهل السنة والجماعة، في هذا الباب الخطير الذي ضل فيه كثير من المتأخرين ممن وقعوا فريسة لآراء أهل الكلام من الجهمية وشيعتهم، ولعل القارئ أدرك من طريق الحوار أن شيوخ الحديث وأئمة السنة يجيدون طريقة الاستدلال بالنصوص بأسلوب استنباطي ومنطقي دقيق. وليس الأمر كما يزعم خصومهم من أنهم (نَصِيّون) يحفظون النصوص، وليسوا بعقليين، أي لا يعمدون إلى ذكر الأدلة العقلية، بل لا يزيدون على سرد النصوص فقط. ولو سايرنا الإمام إلى آخر حواره الطويل، لرأينا كيف يضرب الأمثال التي تقرب المعاني إلى الأذهان، وتعين على الفهم. فلنسمع مثلاً إلى هذا النموذج من كلام الإمام وهو يفسر قوله تعالى: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} ، يقول الإمام رحمه الله: وإنما معنى قوله: {وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} يقول: وهو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان. ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. وذلك قوله تعالى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} . ثم قال الإمام رحمه الله: ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلاً كان في يده قدح من (قوارير) صاف وفيه شراب صاف، كان يصير ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه، ثم قال خصلة أخرى: لو أن رجلاً بنى داراً بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وهو خارج كان بن آدم لا يخفى عليه كم بيتاً في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى- قد أحاط بجميع ما خلق وعلم كيف هو، وما هو من غير أن يكون في شيء مما خلق . هكذا يحلل الإمام معنى الآية ليقربه إلى أفهام القراء، وهكذا يفهم أئمة الحديث معاني النصوص مع القدرة على البيان الشافي والدقة في ضرب الأمثلة، ولله الحمد والمنة. بمثل هذا المثال وهذا التحليل نضرب في وجوه أرباب الكلام والمتفلسفة الذين يزعمون أن أئمة الحديث والسنة بمثابة الأميين الذين يرددون النصوص ولا يفقهون لها معنى. ولقد أثبت الأمام بهذا الحوار المؤيد بالأمثلة أن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه، وهو معهم بعلمه وسيأتي لهاتين الصفتين مزيد بحث إن شاء الله عند الكلام على معاني الصفات في الأبواب اللاحقة. ب- أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري بن إبراهيم الجعفي ولد - الإمام البخاري- كما يحدثنا المترجمون في بلدة (بخارى) من بلاد ما وراء النهر، قرب (سمرقند)، وهذه المناطق تقع حالياً تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي، والله المستعان. ويذكر المترجمون له أن الإمام ولد في 13 من شهر شوال لعام 194هـ من أسرة جمع الله لها بين الصلاح والتقى والثراء والعلم، وتوفي والده وهو لا يزال طفلاً وتولت أمه تربيته (وحَدبتْ) عليه ورعته خير رعاية، وقد حجت به أمه وهو صغير ثم تركته بمكة فرجعت إلى بخارى، فبقي الطفل بجوار بيت الله الحرام، ليطلب العلم ويجالس شيوخ الحديث والعلم، في الحرم الشريف، فأخذ العلم على أيدي شيوخ مشهورين في بلده وغير بلده، ويحدثنا الإمام نفسه أنه حفظ كتب ابن المبارك وكتب وكيع وهو ابن ست عشرة سنة ، ومن أشهر شيوخه إمام أهل السنة والجماعة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل كما يحدثنا الإمام البخاري أنه لقي أكثر من ألف رجل من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وخراسان، وأخبرنا أنهم ما كانوا يختلفون في أن الدين أو الإيمان قول وعمل، وأن القرآن كلام الله، وقد زار الإمام البخاري بلداناً كثيرة في طلب العلم، وتردد إلى بعض البلدان أن من مرة منها بغداد حيث يوجد شيخه الكبير الإمام أحمد بن حنبل. أما مكة فقد أقام بها ستة أعوام، وحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح . وخرج كتابه (الجامع الصحيح)، من نحو ستمائة ألف حديث. وصنفه في ستة عشر عاماً، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله عند أهل العلم والمعرفة . وللإمام البخاري كتاب مستقل ناقش فيه الجهمية في صفة الكلام والاستواء خاصة، وفي بقية الصفات عامة، وأورد فيه كلام أهل العلم من شيوخه وغيرهم. موقف الإمام البخاري من الجهمية في صفة الاستواء والعلو يحكي البخاري عن عبد الله بن المبارك، وهو أحد مشايخه الكبار حيث يقول ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض هاهنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف تعرف ربك؟ قال: فوق سماواته على عرشه، وقال لرجل منهم: أتظنه خالياً منه؟ فبهت الآخر. وقال من قال: (لا إله إلا هو) مخلوق، فهو كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . وقد ألف البخاري كتاباً سماه (خلق أفعال العباد) تحدث فيه عن القرآن الكريم، ورد فيه ما زعمت المعتزلة من أن القرآن مخلوق بأسلوب يشبه جداً أسلوب شيخه الإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله في رده على الزنادقة والجهمية. وقد قال البخاري في هذا الكتاب: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم، وأني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم" . يقال إنه قد نسب إلى الإمام البخاري أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ولما سئل عن ذلك أجاب بقوله: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة. والامتحان بدعة ، وكان رحمه الله يكره التعمق والتنقيب عن النقاط الغامضة في هذه المسألة وغيرها من المسائل التي تتعلق بالأسماء والصفات وأفعال العباد، بل يرى الاكتفاء بظاهر النصوص بعد فهمها على حد فهم السلف الصالح رحمهم الله، ومن أطلع على ما حققه في صحيحه في كتاب التوحيد وكتاب الدعوات وغيره في مسائل هذا الباب يدرك أنه من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الصالح الذي يجهله كثير من المتأخرين مع ثنائهم العاطر على السلف الصالح، يعرفونهم ويجهلون منهجهم، إنه تناقض غريب، (والله المستعان). قال سعيد بن عامر : "الجهمية أشر قولاً من اليهود والنصارى، وقد أجمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان على أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء". جـ- الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: وهو ذلك الأديب الفقيه والمحدث المعروف، وقد أخذ الحديث عن أئمة كالجبال في علوم الحديث مثل يحيى بن معين، وعلي بن المديني وأمثالهما. ويقول بعض من ترجم له إنه أخذ من شيوخ لا يعدون كثرة، وقد توفي هذا الإمام الفذ في بابه في سنة 280هـ ودفن ببلدة (هراة) ، وقد ألف الإمام الدارمي كتاباً في الرد على الجهمية وصفه بعض أهل العلم بأنه من أقوى ما كتب في هذا الباب أسلوباً ومن أمتنها حجة. ويكفي فخراً لهذا الإمام، أن الإمام ابن تيمية كان يوصي بقراءة كتابين من كتبه وهما: 1- كتاب الرد على الجهمية. 2- كتاب النقض على بشر المريسي. ويصفهما بأنهما من أجل الكتب المصنفة في السنة، وأنفعها لكل طالب سنة، مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون. كما أثنى عليهما الإمام ابن القيم بمثل ثناء شيخه ابن تيمية، وفي الكتابين المذكورين تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما . أما الكتاب الآخر فقد ألفه ليرد فيه على بعض أتباع بشر المريسي الذي كتب الرد على الإمام الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية)، ثم رد الإمام بهذا الكتاب على شيخهم ورئيسهم بشر المريسي، وناقش فيه المريسي لا صاحب الكتاب لأن صاحب الكتاب كان يورد كلام المريسي وحججه ويستدل بها لأنه عمدته في الرد الذي كتبه. هكذا ذكروا، قال الإمام الدارمي في مطلع كتابه الذي رد فيه على المريسي: أما بعد، فقد عارض مذهبنا في الإنكار على الجهمية من بين ظهرانيهم معارض، وانتدب لنا منهم مناقض ينقض ما روينا فيهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفاسير المضل المريسي الجهمي... الخ اهـ. وقد ناقش الإمام الدارمي في هذا الكتاب المريسي خاصة وأهل الاعتزال عامة مناقشة حادة ومفحمة في تأويلاتهم وتلاعبهم بالنصوص. فعقد باباً في أسماء الله وأوضح أنها غير مخلوقة كما عقد باباً خاصاً في صفة النـزول، فأجاد فيه وأفاد، وباباً آخر في مبحث السمع والبصر، وإثبات الرؤية في الدار الآخرة، وهو: معتقد أئمة السلف قاطبة، وقد أكثر من التبويب للصفات الخبرية وغيرها إمعاناً منه في الرد على المريسية والجهمية في تأويلاتهم. وقد كان منهجه في عرض الصفات وسوقها منهجاً سلفياً واضحاً، إذ يفصل في الإثبات مع الإجمال في النفي على طريقة القرآن الكريم، فمثلاً يقول: "يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويحب، ويبغض، ويكره، ويضحك، ويأمر، وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين... الخ. ثم قال: - بعد أن ساق مجموعة من الصفات على النمط الذي ذكرنا-: "فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله بخلاف هذه الصفات فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده بإله. (كفرانه لا غفرانه) ا.هـ وقال الإمام الدارمي في كتابه الذي رد فيه على الجهمية: (باب الإيمان بالعرش): وهو أحد ما أنكرته المعطلة، ثم قال: قال أبو سعيد: "وما ظننا أن نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله، فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا. وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام، وإليه نلجأ وبه نستعين اهـ. هكذا ناقش الدارمي الجهمية بحرارة وبلهجة يظهر عليها التأثر الشديد من ذلك الإلحاد الذي فاجأه من حيث لا يتوقع. والمريسية التي ناقشها الإمام الدارمي ورد شبهها من أشد الطوائف الاعتزال تطرفاً، كما لا يخفى على كل مطلع على طوائف أهل الكلام. ولذا لا ينبغي أن يستغرب أن يناقشهم الإمام الدارمي بتلك الشدة وبهذه اللهجة القوية، لأن موقف القوم وتصرفاتهم مثير دون شك، رحم الله ذلك الإمام الغيور وأمثاله من الأئمة المدافعين عن منهج السلف الذين خلدوا بجهادهم ودفاعهم المنهج، ليبقى ما بقيت الحياة. ومما يمتاز به المنهج السلفي، أن الذين ينهجونه لا يختلفون إلا في الأسلوب والتعبير على اختلاف أزمنتهم ومشاكلهم. وذلك راجع لوحدة المصدر لدعوتهم، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة الموضحة لمعاني النصوص إذ هم الذين حضروا نزول الوحي وفهموا النصوص فور نزولها، قبل أن يطول عليها العهد، ولذلك يحرص اللاحقون من السلف أن يقتدوا بالسابقين كما تقدم عند الحديث عن منهج السلف في إثبات الصفات. وقد رد الدارمي في كتابه (الرد على الجهمية) على دعاة الضلال من المعطلة وعلى المغرضين من ذوي الديانات الأخرى، وله جهاد معروف ودفاع مشكور أجزل الله له المثوبة على جهاده. د- شيخ الإسلام ابن تيمية: هو الإمام المجتهد السلفي المحدث المفسر البارع، وقد ترجم له غير واحد من العلماء، فذكروا أنه ولد ببلدة (حران)، ثم حمل إلى دمشق، وهو ابن سبع سنين فنشأ بها، وكانت ولادته في ربيع الأول سنة 661هـ . ومما ذكروا في ترجمته أنه كان شديد العناية بالحديث، وقد دار على الشيوخ ونسخ الأجزاء وخرّج، وانتقى وبرع في الرجال، وعلل الحديث، وفقهه، وفي جميع علوم الإسلام. واطلع على الفلسفة، والمنطق فبرع فيهما وأخذ ينقض المنطق بشدة، ويرد على الفلاسفة بأسلوبهم وقواعدهم، ولقد كان شديد الاهتمام بشئون المسلمين العامة، فجاهد في الله بسيفه، وقلمه وبذل للمسلمين النصح والإرشاد. وقد حدث الإمام ابن تيمية في المسجد الأموي بدمشق كثيراً، وله فيه (كرسي) خاص يحدث عليه، وليس من عادته أن يعظ الناس من على المنبر أو يخطب خطبة الجمعة، وإنما كان المعروف عنه التدريس والتأليف والإجابة على الأسئلة والحوار العلمي. وقد حدث بدمشق وفي مصر وكان معروفاً بالشجاعة والإقدام أيام حروب التتار. بل هو من المجاهدين المعدودين الذين جمعوا بين علوم عصرهم، وكان كثير النصح للولاة والسلاطين، بل كان يحثهم على الجهاد والدفاع عن العقيدة الإسلامية. ولما برز ابن تيمية في جميع الميادين، وأكثر من الدعوة إلى تصحيح العقيدة وإصلاح الأحكام، ومحاربة البدع وأنواع الشرك المنتشرة بين عوام المسلمين، ونقد علم الكلام وبين عواره وكشف عن شطحات المتصوفة، وإلحاد وحدة الوجود، ودعا إلى التحاكم إلى الكتاب والسنة، وتعظيم هدي الرسول، وألا يقدم قول أحد على سنته، وكان يدعو إلى عدم التقيد بمذهب معين، بل على المسلم أن يدور مع الحق حيث دار. كان يدعو إلى الإسلام بهذا الأسلوب الذي لم يكن شائعاً في بيئته، وعلى ذلك المنهج العام الذي عليه عامة الناس، دون أن يختار مجلاً لدعوته دون مجال. ولما فعل ذلك قامت قيامة المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة. وانضم إليهم بعض المتعصبين من المتفقه الذي هزت هذه الدعوة السلفية شعبيتهم الواسعة، فخافوا على مناصبهم ومراكزهم، وقد امتحن الشيخ بسبب دعوته الصريحة والقوية، فأوذي حتى سجن بقلعة القاهرة والإسكندرية وقلعة دمشق مرتين، وأخيراً توفي بها في 20 من شهر ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (728هـ). ولقد كان ابن تيمية شديداً في نقض الفلاسفة، وقد بدد أوهامهم وأثبت لهم عدم صلاحية أدلتهم في المطالب الإلهية، فكان يقول رحمه الله: "العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي يستوي فيه الأصل، والفرع. ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده. فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة، والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم بل أوضح ابن تيمية في مناسبات عديدة في كثير من كتبه أن آراء الفلاسفة أمشاج من الإلحاد والكفر والزندقة، وقد خاف من خطرها على الدين والفكر، فركز عليها في جهاده ودفاعه، ولقد كان عصره عصراً مائجاً بالآراء المتباينة، والمذاهب المتضاربة، والعقائد المتنابذة التي أشرنا إليها سابقاً. 1- من فلاسفة يخضعون لأرسطو وأفلاطون، ويقولون بقدم العالم. 2- من متصوفة متأثرة بالفلاسفة أو هم أبناؤهم بل هُمْ هُمْ. وقد تطول غلاتهم في الحلول المطلق. وكان هذا من الميادين التي ركز عليها شيخ الإسلام في جهاده. 3- ومن جهمية جريئة يعطلون صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، غير مبالين بالنصوص، وهم من ألد أعداء شيخ الإسلام، وإليهم وجه جلّ اهتمامه. 4- الأشاعرة الذين كانوا يزعمون التوفيق بين المعتزلة، وبين منهج السلف، ولكنهم لم يفلحوا إذ ليس من الممكن التوفيق بين الحق والباطل، بل الواجب الانتصار للحق وإزهاق الباطل. 5- كما يوجد في عصره باطنيون غامضون يتلوّنون بألوان مختلفة، ويتقمصون لكل جماعة قميصاً يناسب ميولهم ويرضيهم، ويتشكلون طوائف متعددة إلا أنهم يجمعهم غرض واحد، وهو محاولة القضاء على الإسلام لو استطاعوا. وبهذه المناسبة نذكر تعريف القياس ووجه منع استعماله في المطالب الإلهية، مع بيان النوع الجائز استعماله، وهو القياس الأولي. تعريف القياس القياس في اللغة التقدير. يقال: قست الثوب بالذراع إذا قدرته. وأما في الاصطلاح فهو حمل فرع على أصل في حكم بينهما. هذا واحد من تعريفاته، وله أركان أربعة، كما يظهر في التعريف: 1- أصل 2- فرع 3- علة 4- حكم. وله أقسام كثيرة، ومن أقسامه: قياس التمثيل، وقياس الشمول: فالأول: هو إثبات حكم جزئي معين لجزئي آخر لمشابهة بينهما. كقولهم: النبيذ حرام كالخمر لجامع بينهما، وهو الإسكار. وأما الثاني: وهو قياس الشمول فيمكن أن يقال في تعريفه: إنه إثبات حكم كلي لكلي آخر، لما بينهما من المشابهة. كقولهم: كل إنسان حيوان، وكل حيوان جسم، فكل إنسان جسم. وإذا أردنا معرفة سبب إنكار علماء السلف، - وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية - استعمال هذه الأقيسة في المطالب الإلهية ترجع إلى تعريف القياس عامة وإلى تعريف التمثيل والشمول خاصة، لنستعرض أركان القياس في جميع تلك الأقيسة، فتكون النتيجة أن الأقيسة كلها تشتمل على فرع يلحق بالأصل، وعلى المشابهة بين الملحق وبين الملحق به، وهي العلة التي لا يتم القياس المنطقي إلا بها. فكل هذه الإجراءات غير جائزة في حق الله تعالى لأنه تعالى ينـزه أن يكون أصلاً في حكم حتى يلحق به غيره، كما ينـزه أن يكون فرعاً لغيره يشترك معه في العلة إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وإنما يستعمل في حقه تعالى القياس الأولي وحقيقته: أن كل كمال ثبت وليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالله أولى به، لأن معطي الكمال أولى به مع التفاوت بين تلك الكمالات، والله أعلم. وبعد: فهؤلاء وأشباههم هم الذين خاصمهم الإمام ابن تيمية، ولكنه كان كريماً في خصومتهم وعادلاً في الحكم عليهم، إذ ليس لديه هدف في خصومته ودفاعه إلا النصرة للعقيدة الإسلامية المستهدفة من جميع تلك الطوائف، وهو خبير بهم، وفاهمٌ لمذهبهم فهما دقيقاً . هكذا كان يعيش الإمام ابن تيمية في ذلك العصر المائج بتلك الآراء مجاهداً ناصحاً ومدافعاً مع التجلد والصبر، ولقد رمته تلك الطوائف من قوس واحد، ونصبوا له العداء، وحبكوا حبال السعاية لدى السلاطين، ولهذا العداء الجماعي نتائجه الطبيعية من سجن وامتحان وأنواع من الإيذاء. ولعل الفرية البطوطية من أهم نتائج ذلك العداء، ولقد أخِذَتْ الفرية قضية مسلمة في مختلف العصور يروونها ويتوارثونها، هي مروية في رحلة ابن بطوطة المعروفة، وممن تورط في حكايتها ونشرها أصحاب (دائرة المعارف الإسلامية) التي ترجمت إلى العربية في مصر وملخصها قول ابن بطوطة عن شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينـزل إلى سماء الدنيا كنـزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر"، والذي يثبت أن الرواية مجرد فرية، لأن ابن تيمية كان في السجن في ذلك الوقت الذي زعم ابن بطوطة أنه سمعه وهو يعظ الناس. يقول الشيخ محمد بهجة البيطار: إن ابن بطوطة لم يسمع من ابن تيمية، ولم يجتمع به، إذ كان وصوله إلى دمشق يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام 726هـ، وكان سجن شيخ الإسلام في قلعة دمشق أوائل شهر شعبان في ذلك العام، ولبث فيه إلى أن توفاه الله تعالى ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة عام ثمان وعشرين وسبعمائة (728هـ) فكيف رآه ابن بطوطة على منبر الجامع، وسمعه يقول بالنـزول... الخ اهـ. هؤلاء الأئمة الأربعة: الإمام أحمد، والإمام البخاري، والإمام الدارمي، والإمام بن تيمية، ثم الإمام ابن عبد الوهاب الذي ستأتي ترجمته، هم الذين وقع اختيارنا عليهم من بين العلماء المدافعين عن المنهج السلفي في عصور مختلفة. ولو راجعنا تراجم كبار الأئمة كأبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والإمام مالك، والليث بن سعد، والأوزاعي، والثوري، وابن عيينة، والشافعي، والحمادين، وابن الماجشون، لوجدناهم يعبرون عن استيائهم واستنكارهم لموقف علماء الكلام من نصوص الصفات، وعدم اعتبارها أصلاً في المطالب الإلهية، فمثلاً نسمع الإمام أبا حنيفة فيما يروى عنه روايته أبو مطيع: عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: لقد كفر، لأن الله يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، وعرشه فوق سبع سمواته، قال أبو مطيع: قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكنه يقول: لا يدري العرش في السماء أم في الأرض، قال الإمام: وهو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل . وقال كل من الإمام الزهري ومكحول والأوزاعي ومالك والثوري والليث بن سعد قالوا عن الأخبار التي جاءت في الصفات: أمروها كما جاءت، وفي رواية قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وقد حكى الأوزاعي إجماع علماء التابعين على ذلك . إذ حكى ذلك عندما ظهر مذهب جهم بن صفوان الذي ينكر كون الله فوق عرشه، وينفي جميع صفاته تعالى، حكى الأوزاعي ذلك ليعرف الناس أن مذهب السلف كان يخالف ما يدعو إليه جهم وأتباعه، وهذا محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة يقول: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق والمغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف وتشبيه، إلى أن قال: فمن قال بقول جهم، فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة (لاشيء) وما حكاه الإمام الأوزاعي من إجماع التابعين المبني على إجماع الصحابة المستند إلى الكتاب والسنة، ثم ما حكاه محمد بن الحسن من إجماع علماء المشرق والمغرب على موقفهم من نصوص الصفات، كل ذلك يغنينا عن نقل أقوال الأئمة قولاً قولاً. لذا نرى الاكتفاء بما ذكرنا من أقوال أكثرهم. من مراجعة كل ما تقدم نستطيع أن نستخلص معالم منهج ابن تيمية في الآتي: 1- إثبات الاتفاق بين الدليل العقلي والدليل النقلي، وهو ما ينوه به ويدعو إليه في أكثر كتبه ورسائله في الغالب الكثير. 2- رفض التأويل والمصطلحات الكلامية والفلسفية - ومحاولة إخضاعها للمعاني التي جاء بها الكتاب والسنة. ويدعو شيخ الإسلام دائماً إلى التعبير عن حقائق الإيمان بعبارات إسلامية بدلاً من تلك الألفاظ الأجنبية المحدثة، والتي فيها إجمال واشتباه محير. 3- نقض المنطق وهدمه واستبعاده، مستخدماً في ذلك كله أسلوبهم الخاص ليخاطبهم بما يعقلون. وأما من حيث الاتفاق بين الدليلين العقلي والنقلي فيرى شيخ الإسلام أن الاختلاف بين الدليلين راجع لأحد أمرين: 1- ضعف الدليلين معاً. 2- ضعف أحدهما. وأما إذا كان كل منهما صحيحاً وصريحاً فلا يجوز اختلافهما . وهذا هو منهج أولئك الأئمة من قبله كالإمام أحمد إمام الأئمة، والإمام البخاري إمام الحديث، والإمام الدارمي المجاهد الكبير وغيرهم، وهؤلاء وغيرهم ممن سار هذا المسار قديماً وحديثاً تجدهم لا يختلفون في أصل المنهج على اختلاف عصورهم وأحوالهم وظروفهم، وإن اختلفوا في التعبير والأسلوب والشدة واللين كما تقدم ، وهو الذي نهجه من بعدهم الإمام محمد بن عبد الوهاب، كما سنراه عند ترجمته وعند الاطلاع على رسائله التي كان يبعث بها للدعوة إلى هذا المنهج. ويمتاز ابن تيمية بكثرة الجبهات التي يجابهها وحده مما جعله يتسلح بنوع أسلحتهم حتى يتمكن من الدفاع عن المنهج السلفي بلغتهم وبنوع أسلحتهم، كما حمله والذين جاءوا من بعده على الخوض في غوامض علم الكلام وفلسفة الفلاسفة مضطرين. إذا لم يكن إلا الأسنة مركب فما حيلة المضطر إلا ركوبُها ولكن الدارس لمنهجهم يدرك أن منهجهم يتسم بالارتباط التام بالكتاب والسنة. وإنما خاضوا ذلك النوع من الخوض ليفسروا - بلغة القوم - ما غمض على المتكلمين. من معاني الصفات مع المحافظة على أصل المنهج السلفي الجامع بينهم وبين من سبقهم من أئمة السلف الأولين. هـ- الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله: ولادته... نشأته. طلبه للعمل. ورحلاته. اشتغاله بالدعوة أثناء طلبه للعلم. عودته إلى بلده، وملازمته لوالده للازدياد من العلم. عكوفه على كتب ابن تيمية وابن القيم، وتأثره بهما، استمرار دعوته بعده. آثارها في العالم المعاصر، محلياً وخارجياً. أما ولادته: فقد ولد ابن عبد الوهاب في بلدة (العيينة) سنة 1115هـ، الموافق 1703م. أما نشأته فقد نشأ في حجر والده عبد الوهاب، وهو أحد أعيان علماء البلد والقاضي فيه، وعرف في صغره برجاحة العقل وحصافته، وقوة الذاكرة، فحفظ القرآن الكريم قبل عشر سنين، وبلغ الاحتلام قبل تمام الثانية عشرة من عمره وذكر بعض من ترجم له: أن والده عبد الوهاب قال: رأيته أهلاً للصلاة بالناس فقدمته في هذا السن، وزوجه في ذلك العام . وأما طلبه للعلم: فقد طلب العلم على والده حيث قرأ عليه بعض الكتب في الفقه الحنبلي، وشيئاً من التفسير والحديث، ثم رحل رحلة طويلة في طلب العلم، حيث سافر إلى مكة، فحج البيت في أوله رحلته للعلم، ثم سافر إلى المدينة بعد الحج فزار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فأقام بها ليطلب العلم على علمائها وكان بالمدينة آنذاك من العلماء الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف آل سيف، وهو في الأصل من أهل نجد، بل قالوا: إنه من أعيان بلد (المجمعة) فلازمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب فتفقه على يده فرأى فيه ابن سيف النبل والذكاء فتفرس فيه الخير، فأحبه واعتنى به كثيراً وبذل جهده في تعليمه، وكان الشيخ ابن سيف يرى الطالب الشاب يتألم مما يراه من تعلق الناس بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلوهم فيه عند الزيارة والسلام عليه، إذ يدعونه عليه الصلاة والسلام من دون الله. كما أدرك الشيخ منه تألمه الشديد مما عليه أهل نجد من عقائد باطلة، وعادات جاهلية، فازداد الشيخ ابن سيف في حبه وتقديره والحفاوة به، إذ ربطت بينهما رابطة العقيدة، فقدمه الشيخ لبعض العلماء بالمدينة كالشيخ محمد حياة السندي، وعرفه به، وبما يكنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من عقيدة صافية، وبما تجيش به نفسه في كراهة الجاهلية الشائعة في كل مكان من أنواع البدع والشرك بنوعيه. تروي بعض المصادر أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تضايق ذات يوم مما يسمعه من الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم فكاد ينفجر غيظه، فقال للشيخ محمد حياة السندي: ما تقول يا شيخ في هؤلاء؟ فأجابه الشيخ على الفور: {إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} . ودرس الشيخ مدة إقامته بالمدينة على غير واحد من العلماء منهم الشيخ علي أفندي الداغستاني، والشيخ إسماعيل العجلوني، والشيخ عبد اللطيف العقالقي الإحسائي وغيرهم، وعند عزمه على السفر أخذ إجازة علمية من شيخه عبد الله آل سيف وغيره من الذين حضر عليهم، فأجازوه في صحيح البخاري، ومسند الإمام الشافعي والسنن الأربعة، وغيرها من كتب الحديث. فغادر الشيخ المدينة إلى نجد ثم البصرة ثم الشام، فأقام بالبصرة مدة من الزمن، فحضر على جماعة من علماء البصرة، وفي مقدمتهم الشيخ محمد المجموعي واستفاد من هذا الشيخ كثيراً في فروع اللغة العربية والحديث. فأدرك الشيخ المجموعي أن ابن عبد الوهاب ليس بطالب علم عادي، بل أنه داعية يتهيّأ للقيام بالدعوة والإصلاح، وأنه شديد الغيرة يتألم مما يشاهده هنا وهناك من الأعمال التي لا يقرها الإسلام من الأعمال الوثنية والبدع، فأحبه المجموعي وقربه وشجعه، فأخذ الداعية ابن عبد الوهاب يكتب رسائل في الدعوة ويباحث الناس وينشر فيهم الدعوة، وهو لا يزال طالباً، فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويشدد الإنكار على عبدة القبور فأوذي بسبب ذلك حتى أخرج من البلد، فأوذي بعده شيخه المجموعي رحمهما الله. تذكر بعض المصادر التي ترجمت للشيخ أنه أخرج من البصرة وقت الهجيرة وهو يمشي على قدمية، فتوجه إلى (الزبير) وكان يهلك من شدة الظمأ في شدة الرمضاء، فساق الله له رجلاً من أهل الزبير يسمى (أبا حميدان)، فرآه من أهل العلم والصلاح، فحمله على حماره حتى أوصله إلى بلدة (الزبير). ولم يقم الشيخ في الزبير كثيراً فتوجه إلى الشام، فطلب العلم هناك، ثم رجع إلى نجد، إلا أنه عرّج على الإحساء، فنـزل عند بعض علماء الإحساء، الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الشافعي، فدرس عليه مدة من الزمن، واستفاد منه. عودته إلى نجد للدعوة والإصلاح: وبعد هذه الرحلة العلمية الموفقة التي استفاد منها فوائد جمة حيث ازداد من العلم والمعرفة ودرس أحوال المسلمين في عدة بلدان وأدرك حاجة المسلمين الماسة إلى الإصلاح العام والتصحيح الجذري الفوري لعقيدتهم نحو ربهم وخالقهم وموقفهم من نبيهم الذي بعث لهدايتهم وموقفهم من كتاب ربهم الذي هجروه، إذ لا يرجعون إليه لا لمعرفة عقيدتهم وأحكامهم، بل أدرك الشيخ وتأكد أثناء جولته في كثير من البلدان المجاورة، ومما شاهده في وطنه في نجد أن الأمة بحاجة إلى معرفة دينها من جديد، معرفة تامة في أصوله وفروعه، ثم تطبيق شريعته في حياتها العامة. وأن هذه الفوضى التي تعيشها الأمة لا بد أن تنتهي وتختفي لتستبدل بحياة إسلامية صحيحة شاملة لجميع نواحي الحياة. وانطلاقاً من هذا الإدراك صمم الشيخ على القيام بالدعوة الإصلاحية العامة مستعيناً بالله. بدأ الشيخ دعوته في بلده (حريملا) بتصحيح عقيدة الناس فيما يتعلق بعبادة الله، وأنكر عليهم تعلقهم بغير الله وصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله مثل النذر، والذبح، والخوف، والرجاء، مما هو منتشر في البلد آنذاك. وقد كان هذا النوع من الإصلاح جديداً على الناس ومفاجأة لهم فقوبلت الدعوة في أول الأمر بالاستنكار والرد والجدال، يقول بعض الكتاب -وهو يصف موقف الشيخ عندما بدأ يدعو الناس إلى الله وموقف الناس منه-: حقاً إن الموقف دقيق حرج يحتاج إلى شجاعة ماضية، وإلى إيمان لا يبالي بالأذى في سبيل إرضاء الله وإرضاء الحق الذي اقتنع به، وسبيل إنقاذ البشرية المعذبة، كما يحتاج إلى عدة كاملة من قوة اللسان وإصابة البرهان، ليواجه ما يجابهه من شبهات واعتراضات، لا بد منها، ثم إلى مؤازر قوي يحمى ظهره ويدافع عن دعوته اهـ. والموقف كما وصفه الكاتب جِدُّ حرج، إلا أن الله ثبت الشيخ على الدعوة على الرغم من كل العقبات والصعوبات التي واجهة الدعوة، وحاولت إيقافها من الداخل في أسرته قبل أن يتبينوا الأمر، ومن الخارج من المغرضين أصاحب الأهواء، ولكن الله سلم، فلم تقف الدعوة منذ بدأت بل استمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه صابراً محتسباً. وكان والده ممن نازعه في أول الأمر وكذلك أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، ولكن بعض المصادر أثبتت اقتناعهما بالدعوة أخيراً والرجوع إلى الحق. ولما تكرر إيذاؤه (بحريملا) وأراد بعض السفهاء أن يفتكوا به، غادر الشيخ (حريملا) إلى بلده ومسقط رأسه (العيينة)، وكان يحكمها آنذاك (الأمير عثمان بن حمد بن مُعَمّر)، فرحب بالشيخ وبدعوته. ونصحه الشيخ كثيراً ليصبر ويحتسب، لأنه لا بد أن يؤذى وشرح له دعوته، وأنها قائمة على الكتاب والسنة، وأنها تعني أول ما تعني تطهير العقيدة والأخلاق، وتصحيح الأحكام، وأن القائمين على هذه الدعوة لا يريدون إلا وجه الله، والثواب في الدار الآخرة من الله وحده. فاقتنع الأمير فأخذ الشيخ في الإصلاح العملي، فأمر بقطع بعض الأشجار التي كانت تعبد وتعظم، وهدم قبة كانت على قبر (زيد بن الخطاب)، كل ذلك بمساعدة الأمير ابن معمر، وأخيراً أقام الشيخ (الحد) على امرأة اعترفت بالزنا عدة مرات أمامه بعد ما تأكد من صحة عقلها ورغبتها في (التطهير). وبعد هذه الواقعة اشتهر أمر الشيخ وذاع صيته في كل مكان في نجد وما جاورها . فبلغ خبره وإصلاحاته بعض الأمراء الذين لهم مكانة ومنـزلة لدى ابن معمر، وأتباعه وبينهم مصالح متبادلة، فكاتبوا ابن معمر بالاستنكار إلى أن أثروا فيه، فرجع عن مؤازرة الشيخ تحت تهديد بعض أولئك الأمراء، وهو حاكم الإحساء (ابن عُرَيْعِر) فأمر بإخراج الشيخ من بلده. فغادر الشيخ (العيينة) إلى (الدرعية) سنة 1158، فنـزل على بعض أعيان الدرعية يقال له: (عبد الرحمن بن سويلم) وبعد أيام علم به أمير الدرعية الأمير (محمد بن سعود)، فجاء إلى الشيخ مع بعض إخوانه وأتباعه فزاروا الشيخ فدعاهم إلى التمسك بعقيدة التوحيد الخالص، وبين لهم أن التوحيد هو الذي بعث الله الرسل من أجله، وأنه قد ضعف اليوم في قلوب الناس، وتلا عليهم عدة آيات من القرآن، ودعا للأمير، ورجا من الله أن يكون إمام يجتمع عليه المسلمون بعد ذلك التفرق، وأن تكون له السيادة والملك لذريته من بعده. فشرح الله صدر الأمير محمد بن سعود، فقبل الدعوة، وأحب الشيخ، وبشره بالنصرة والوقوف معه على من خالفه في دعوته وإصلاحه. وتعاهدا وقدم كل واحد منهما ما لديه من الشروط، فواصل الشيخ عمله في الدعوة والإصلاح، والأمير يتابع الدعوة حاملاً سيفه على من يعاند الحق، فظهر أمر الشيخ وانتشرت دعوته فوفدت عليه الوفود، حتى ندم ابن معمر على ما فعل فجاء إلى الشيخ فاستسمح الشيخ رحمه الله فسامحه فأقبل الناس على العلم والعبادة والجهاد. ثم أخذ الشيخ يراسل الرؤساء والأمراء والقضاة. فمنهم من أطاع فرجع إلى الحق، ومنهم من عاند وسخر من الدعوة. وتلك سنة الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير منذ بدأت الدعوة على وجه الأرض. هكذا بدأ ابن عبد الوهاب دعوته وإصلاحه، فنشر العلم وألف كتباً ورسائل أكثرها كانت في توحيد العبادة الذي يرى الشيخ - كما هو الواقع- أن حاجة الناس إليه أمس من حاجتهم إلى أي علم آخر. ولما علم الشيخ أن بعض المغرضين أشاعوا عنه خلاف واقعه في دعوته في عقيدته، في موقفه من الأئمة، وفي عقيدته في القضاء والقدر، وموقفه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل موقفه من التمسك بالسنة، وعقيدته في الأسماء والصفات. لما علم ذلك كتب رسائل كثيرة في هذه المسائل وغيرها وأرسلها في الأقطار، حتى تعرف الناس حقيقة دعوته وعقيدته. وقد سجلت أكثر هذه الرسائل أو كلها في كثير من تراجم الشيخ. ولما أن أكثر موضوعات تلك الرسائل لا تتصل بموضوع بحثي، ولأن نقلها أو تلخيصها يؤدي إلى التطويل الممل، أكتفي بنقل رسالة واحدة هي في صميم بحثنا (رسالته في الأسماء والصفات) أنقلها بنصها لأن ذلك أبلغ في المراد. بعد البسملة والحمد لله: الذي نعتقده وندين الله به، هو مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين والتابعين لهم بإحسان من الأئمة الأربعة وأصاحبهم رضي الله عنهم. وهو الإيمان بآيات الصفات وأحاديثها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تعطيل، قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} . وقدر الله لأصحاب نبيه، ومن تبعهم بإحسان، الإيمان، فعُلِم قطعاً أنهم المراد بالآية الكريمة، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ} ، وقال الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} . فثبت بالكتاب أن من اتبع سبيلهم فهو على الحق، ومن خالفهم فهو على الباطل، فمن سبيلهم في الاعتقاد: الإيمان بصفات الله وأسمائه التي وصف بها نفسه، وسمى بها نفسه في كتابه وتنـزيله، أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من غير زيادة عليها ولا نقصان منها، ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها، بما يخالف ظاهرها ولا تشبه بصفات المخلوقين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها ، وأخذ ذلك الأخر عن الأول، ووصى بعضهم بعضاً بحسن الاتباع، وحذرونا عن اتباع طريق أهل البدع والاختلاف الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} ، وقال: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إلينا القرآن العظيم، وأخبار رسول الله عليه الصلاة والسلام، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها، ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها، ولم يشبهوا بصفات المخلوقين، إذ لو فعلوا شيئاً من ذلك لنقل عنهم، بل زجروا من سأل عن المتشابه وبالغوا في كفّه تارة بالقول العنيف، وتارة بالضرب . ولما سئل مالك رحمه الله عن الاستواء، أجاب بمقالته المشهورة، وأمر بإخراج الرجل. وهذا الجواب من مالك في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات، مثل النـزول والمجيء واليد والوجه، وغيرها. فيقال في النـزول: النـزول معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا يقال في سائر الصفات، إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة. وثبت عن الربيع بن سليمان قال: سألت الشافعي رضي الله عنه عن صفات الله تعالى، فقال: حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحُدّه، وعلى الظنون أن تقطع وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل، إلا ما وصف به نفسه على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام اهـ. وثب عن إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني أنه قال: إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يصفون ربهم بصفاته التي نطق بها كتابه وتنـزيله، وشهد له بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما وردت به الأخبار الصحاح، ونقلته العدول الثقات، ولا يعتقدون بها تشبيها بصفات خلقه، ولا يكيفونها تكييف المشبهة، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه تحريف المعتزلة والجهمية. وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتفهيم والتعريف، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنـزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واكتفوا في نفي النقائص بقوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، وبقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} . وثبت عن الحميدي شيخ البخاري وغيره من أئمة الحديث أنه قال: "أصول السنة: فذكر منها أشياء وقال: ما نطق به القرآن والحديث، مثل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} ، ومثل: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} ، وما أشبه هذا من القرآن والحديث، لا نرده ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة. ونقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. ومن زعم غير هذا فهو جهمي. فمذهب السلف - رحمة الله عليهم - إثبات الصفات، وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنها، لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، كما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، ولا تشبيه، فكذلك الصفات، وعلى هذا مضى السلف كلهم. ولو ذهبنا نذكر كل ما اطلعنا عليه من كلام السلف في ذلك لطال الكلام جداً، فمن كان قصده الحق، وإظهار الصواب اكتفى بما قدمناه. ومن كان قصده الجدال والقيل والقال، لم يزده التطويل إلى الخروج عن سواء السبيل والله الموفق اهـ. وبعد: فهذه واحدة من تلك الرسائل التي كان الشيخ يشرح فيها دعوته ويبين عقيدته في باب الأسماء والصفات، وله رسائل أخرى أوضح فيها موقفه وعقيدته في الأبواب الأخرى، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وفي هذه الرسالة أثبت الشيخ أن من سبيل الصحابة الإيمان بصفات الله وأسمائه دون تأويل ودون تجاوز للكتاب والسنة. هذه طريقة الإمام أحمد بن حنبل ومنهجه، حيث يقول: "لا يتجاوز الكتاب والسنة في باب صفات الله" أو عبارة قريبة منها. أعود فأقول: أثبت الشيخ أن هذا سبيلهم ومذهبهم بقوله: "والدليل على أن مذهبهم ما ذكرنا أنهم نقلوا إليها القرآن العظيم وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم، نقل مصدق لها، مؤمن بها، قابل لها، غير مرتاب فيها، ولا شاك في صدق قائلها. ولم يؤولوا ما يتعلق بالصفات منها". إلى آخر ذلك الاستدلال الدقيق الذي يدل على فقه عميق، وهو يشبه كما ترى أسلوب شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستدلال وتلميذه ابن القيم رحمهم الله جميعاً اللذين تخرج الشيخ على كتبهما كما تقدم. وعلى الرغم مما كتبه الشيخ من الكتب والرسائل فقد كثر النـزاع حول دعوته ولا سيما في المسائل الآتية التي ركز الشيخ عليها: 1- توحيد العبودية، ويقال له الألوهية أيضاً، وقد كتب الشيخ في هذا التوحيد عدة رسائل وكتباً لأهميته وكتب فيه بعده أولاده وأحفاده بتوسع، وشرح بعضهم بعض كتب الشيخ في هذا التوحيد كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله قريباً. 2- منع التوسل المبتدع مع إقراره بالتوسل المشروع . 3- منع شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، بقصد العبادة في مكان ما. ولا يدخل في المنع سفر طلب العلم أو سفر التجارة وزيارة الأحياء كشيوخ العلم وعباد الله الصالحين، وما في معنى هذه الأسفار مما لا يقصد فيه مكان، بل مَنْ في المكان أو ما في المكان. 4- منع البناء على القبور وكسوتها وإسراجها، والعكوف عندها، لأن ذلك باب إلى الشرك وذريعة له كما هو معروف. 5- توحيد الأسماء والصفات، وهو الذي سجلنا فيه رسالته التي شرح فيها ذلك الشرح الوافي. 6- إنكار البدع المستحدثة في العبادة وهي أنواع كثيرة ومعروفة. وقد سبق الشيخَ في إنكارها غيرُ واحد من أهل العلم، كابن وضاح والشاطبي وغيرهما مستدلين بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". "ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" . فهذه أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الشيخ وعلماء وقته. ولا يزال النـزاع مستمراً، وإن كان قد خَفّت حدتُه كثيراً كما يظهر جلياً. استمرار الدعوة بعد وفاته، ووفاة مؤازرها: توفي الإمام المؤازِر للدعوة محمد بن سعود رحمه الله سنة 1179هـ، ثم توفي الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب سنة 1206 رحمه الله. وهل ماتت الدعوة بموتهما أو تأثرت؟ (لا). مما يلاحظ في التاريخ أن أي دعوة يقوم بها بعض المصلحين أو المجددين تموت أو تضعف ثم تتلاشى مع الزمن، إذا مات صاحب الفكرة ومنشئ تلك الدعوة. وهناك دعوة لا تموت يموت الداعية المسئول عن الدعوة، فإذاً لا بد من معرفة الفرق بين الدعوة التي تموت بموت صاحبها، والدعوة التي تبقى بعده، بل تسير ولا تقف وتعمل عملها ولبيان ذلك نقول: هما دعوتان: 1- دعوة أنشأها مفكر مّا بعد أن فكر كثيراً وخطط ووضع لدعوته شروطاً ولوائح، حيث رأى أنها صالحة لخدمة الأمة، أو لخدمة جماعة من الناس، ثم سعى في إقناع مجموعة من الناس بفكرته وصالحيتها، وبيان أهدافها، فاتبعوه فصاروا من حزبه وأنصار دعوته، فلا يخلو الأمر بالنسبة لاستمرارية هذه الدعوة أو عدم استمراريتها بعد موت صاحبها من إحدى حالتين: الحالة الأولى: أن يموت صاحب الدعوة قبل أن يربي له من يخلفه، ويقود الدعوة من بعده. ففي هذه الحالة تموت الدعوة فور موت صاحب الفكرة، ولا محالة في قضية مسلمة عقلاً. الحالة الثانية: أن يكون صاحب الفكرة، وقد وجد من يخلفه وهو مؤهل للقيادة ومتفاعل مع الدعوة. ففي هذه الحالة قد تحيى الدعوة فترة من الزمن قد تطول، وقد تقصر، ولكنها تتلاشى مع الزمن وتتأثر وتفقد قيمتها، ثم تختفي. والتاريخ خير شاهد على ما قلت. لأن أساسها (فكرة) رجل وتخطيط بشر، والمفكر المخطط لها قد مات وانتهى، فهي إذاً لا بد أن تنتهي ولا محالة. والشواهد كثيرة في واقع العالم المعاصر ولا حاجة إلى سردها، بل أستحسن إجمالها. لأنتقل فوراً - بعد هذا الاستطراد- إلى الدعوة التي نحن بصدد الحديث عنها. 2- الدعوة الثانية: دعوة قام بها مصلح مجدد بيد أن معنى التجديد هنا يختلف عن معناه في الدعوة الأولى، فالدعوة الأولى -كما قلنا- أساسها فكرة بشر، وهي تحاول أو تدعي أو تأتي بجديد، وربما تأتي بجديد يقبل أو يرفض. أما الدعوة الثانية فأساسها دين إسلامي ثابت وقائم بالفعل، ولكن صاحبها لاحظ أن المسلمين هجروا تعاليمه أو بعضها إذ رآهم هجروا كتاب الإسلام (القرآن) وأهملوا سنة نبيهم، فلم يعد القرآن مرجعاً لهم في عقيدتهم، وفي عباداتهم ومعاملاتهم وغير ذلك، ولم تكن السنة ذات قيمة لديهم ومكانة. فدعاهم إلى العودة إلى الإسلام ليفهموا القرآن كما فهمه سلفهم، ويفسروه بالسنة كما فعل الأولون، ويطبقوا أحكامه ويعتقدوا عقيدته. وهذا هو معنى التجديد بالنسبة للدعوة الثانية. فليست الدعوة فكرة أو اختراعاً أو استحساناً قام به مفكر أو مصلح من عند نفسه مجتهداً لقصد الإصلاح. فمثل هذه الدعوة سوف تبقى بعد موت من قام بها، ودعا إليها -لأنها ليست (فكرة) كما قلت، وإنما هي دعوة إلى الله، وإصلاح ما فسد من شئون المسلمين وربطهم بإسلامهم ليسعدوا به في الدارين. فدعوة ابن عبد الوهاب من النوع الثاني - كما ترى- لهذا فإنها لم تمت بموت مؤازرها، والمدافع عنها بحسامه، الأمير محمد بن سعود، ثم مات المجدد المصلح الإمام محمد بن عبد الوهاب والدعوة الإسلامية السلفية باقية، وستبقى بإذن الله ما بقي الإسلام الذي هو أساس دعوته، وقام بتجديده بالعمل به وتطبيق شريعته لأنها دعوة إلى الإسلام لا إلى (فكرة رجل) كما سبق أن بينا. ولما توفي الإمام المجدد، وقبله الأمير المؤازر سَلّمَا (الأمانة) أمانة الدعوة والإصلاح، وأمانة مؤازرتها والدفاع عنها ورعايتها، إلى أيد أمينة، وهي أيدي ذريتهما المباركة. فقام علماء آل الشيخ وتلامذتهم - تحت رعاية ملوك وأمراء آل سعود ومؤازرتهم- بمواصلة مسيرة الدعوة، فلا تزال الدعوة بخير وعلى أحسن حال -بتوفيق الله- وتسير سيراً حثيثاً حتى بلغت اليوم إلى أماكن وأقطار ما كان يُظن أنها تبلغها في عرض الدنيا وطولها. وستواصل سيرها - بإذن الله وتوفيقه - حتى تزحزح جميع الأفكار الهدامة المعارضة لها، ليعم نور التوحيد الخالص أرجاء الدنيا لأن العاقبة للمتقين. آثار الدعوة في البلاد السعودية: لدعوة محمد بن عبد الوهاب آثار محلية في البلاد السعودية -وآثار خارجية. أما الآثار المحلية فمن أبرزها وأعمها نفعاً للبلاد والعباد: أ- (قيام دولة إسلامية سلفية في قلب الجزيرة العربية) التي أعلنت أن دستورها (القرآن الكريم) وحكمت بشريعة الإسلام فعلاً وحافظت على المقدسات الإسلامية - مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومكنها الله في الأرض، فأمرت بالمعروف ونهت عن المنكر، فمنحها الله من المنعة والمهابة والتوفيق ما لم يعط غيرها، فتمتع شعبها بما لم يتمتع به أي شعب آخر من نعمة الأمن والاستقرار والرفاهية في الحياة. كل ذلك بفضل الله تعالى ومنه وكرمه، ثم بفضل تحكيم شريعة الإسلام والتمسك بالعقيدة الإسلامية، والدفاع عنها ومؤازرتها، وتشجيع القائمين عليها. ولم توجد في العالم المعاصر دعوة إسلامية قامت على منهجها دولة إسلامية غير دعوة محمد بن عبد الوهاب. وكأن الله علم -والله هو العليم- من الإمامين: ابن سعود، وابن عبد الوهاب، الصدق والإخلاص له سبحانه في عملهما، فحقق لهما أمنيتهما فحقق على أيديهما للأمة السعودية هذا الخير، ثم بارك لهما في ذريتهما حتى واصلت المسيرة فها هي الآثار تتحدث بنفسها. هكذا تجسدت تلك الدعوة السلفية في قيام الدولة السعودية الإسلامية السلفية في قلب الجزيرة العربية لتكون ملجأ لكل مضطهد في دينه في أي أرض، ولله الحمد والمنة. ب- المنهج الدراسي المتبع في السعودية: التزمت الحكومة السعودية أن يكون المنهج المقرر بالنسبة للمواد الدينية (المنهج السلفي) في جميع مراحل التعليم، أي من المرحلة الابتدائية إلى الدراسات العليا. فالشاب السعودي يبدأ في دراسة العقيدة على المنهج السلفي من السنة الأولى الابتدائية، ثم يستمر في دراسة العقيدة والشريعة الإسلامية على المنهج نفسه بتوسع متفاوت ومطرد إلى درجه (دكتوراه) كما ينهج هذا المنهج الطلاب الوافدون من خارج البلاد للدراسة في الجامعات السعودية، ليتخرجوا على ذلك المنهج السلفي، وليطبقوه في بلادهم إذا رجعوا إليها ويرشدوا أمتهم إلى الخير، ويدعوهم إلى المنهج السلفي الذي أصبح غريباً لدى الكثيرين، ويدرس الطالب في المرحلة الجامعية الفرق والأديات والمذاهب الهدامة للاطلاع والازدياد من المعرفة، ومن باب: عرفت الشر لا للشر لكي أتقيه من لم يعرف الشر وقع فيه فلا يوجد في الجامعات السعودية -ولن يوجد إن شاء الله- منهج آخر يزاحم المنهج السلفي -كما أشرنا سابقاً- وذلك ثمرة جهاد الإمام المصلح الذي قضى على كل بدعة محدثة فإذاً يعتبر – بحق - المنهج السلفي من أعظم آثار تلك الدعوة المباركة. ومما يحرص عليه المربون دائماً أن يكون المنهج الدراسي صالحاً، لأن المنهج الصالح له أهميته وله نتائجه في تنشئة الأجيال. فإذا كان المنهج صالحاً والمعلم صالحاً، وقدوة حسنة، فقد تمت للتلميذ سعادته التعليمية، فينشأ شاباً صالحاً، وعضواً نافعاً في المجتمع. فالمجتمع الذي يتكون من مثل هؤلاء الشباب الصالحين الذين يتخرجون على أيدي الرجال الصالحين، ودرسوا ذلك المنهج السلفي الصالح، هو المجتمع المسلم حقاً الذي يفهم معنى الإسلام ويعتني به، ولا يرضى عنه بديلاً. وإذا تحققت هذه المعاني بإذن الله فيكون الفضل لله سبحانه أولاً، ثم للمصلح الذي دعا الناس إلى هذا الخير وذلك الهدى فيكون له أجر كل من عمل بذلك المنهج الذي دعا إليه، ولا ينقص من أجور العاملين شيء من الأجر، هكذا بشر الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام دعاة الحق حيث يقول: "من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة"، ويقول عليه الصلاة والسلام: "الدال على الخير كفاعله". فنرجو للشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يكون له مثل أجر كل من عمل بهذا المنهج السلفي بعده، إذ تعتبر دعوته حجر الأساس لما يتمتع به اليوم المجتمع السعودي من سلامة العقيدة والاستقامة على الدين وتطبيق الشريعة الإسلامية فيه، وما يتمتع به الطلاب السعوديون والوافدون على الجامعات السعودية من دراسة ذلك المنهج الصالح البريء من تلك السموم التي دست في كثير من المناهج الدراسية في كثير من الجامعات في العالم المعاصر، كما نسأل الله تعالى أن يثيب ذلك الإمام المجاهد محمد بن سعود وذريته المباركة، ملوك وأمراء آل سعود ويزيدهم من التوفيق وينصرهم وينصر بهم الإسلام. آثار الدعوة في العالم المعاصر: إن دعوة محمد بن عبد الوهاب تعتبر - كما يقول بعض الكتاب المعاصرين -: هي الشعلة الأولى لليقظة الإسلامية الحديثة، في العالم الإسلامي كله . ولقد تأثر بهذه الدعوة التي وصفها هذا الكاتب - بما سمعنا - رجال لامعون في العالم العربي، وغيره في ميدان الإصلاح. نلاحظ ذلك في أقطار كثيرة، في مصر والشام وفي العراق، والقارة الهندية، وقارة أفريقيا، وفي اليمن على تفاوتهم في التأثر والاستفادة من الدعوة. فنذكر على سبيل المثال (جمال الدين القاسمي) بالشام، و(الشوكاني) باليمن. والشيخ عثمان فوديو بأفريقيا، وكان هذا في أوائل الدعوة عندما كانت تذاع حولها دعاوى مضللة. أما الآن فقد ظهرت آثارها واضحة في العالم كله، حيث فتحت لها آفاق واسعة في أفريقيا، وانتشر منهجها انتشاراً يلفت النظر، فأخذت بعض المدارس الأهلية بل أكثرها تدرس نفس المتبع في المدارس السعودية. وهو المنهج السلفي الذي تحدثنا عنه في الصفحة السابقة، وكذلك الحال في القارة الهندية، حيث توجد في بعض ولايات الهند وفي باكستان مدارس وجامعات أهلية تدرس المنهج نفسه في جميع المواد الدينية، وكثر الذين ينهجون المنهج السلفي في القارتين الهندية والأفريقية من عامة الناس، ويعرفون في الهند وباكستان (بأهل الحديث)، وفي بعض البلدان يعرفون بالسلفيين، وبأنصار السنة المحمدية، وكلهم يدعون الناس إلى العودة إلى العقيدة السلفية والعمل بالشريعة الإسلامية عقيدة وأحكاماً. ولنشاط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، دور بارز في انتشار الدعوة السلفية في تلك المناطق النائية في أفريقيا وشرق آسيا، وفي بعض الدول العربية. يتمثل ذلك في الطلاب الذي يفدون على هاتين الجامعتين من تلك الجهات فيتخرجون منها كل عام بالعشرات، ثم يعودون إلى أوطانهم لنشر الدعوة وتعليم الناس دينهم عقيدة وشريعة، فنسأل الله تعالى أن يرزق القائمين على تلك الجامعات الإخلاص ويتقبل منهم عملهم، إنه سميع مجيب. المبحث الثامن: مناقشة موقف المعتزلة والأشاعرة من نصوص الصفات حقيقة المعتزلة والأشاعرة: قبل أن نشرع في مناقشة المعتزلة والأشاعرة في موقفهم من نصوص الصفات نستحسن أن نقول شيئاً عن حقيقتهم وعن أسباب التسمية لكل من الطائفتين. أولاً: الأشاعرة طائفة من أهل الكلام ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري الإمام المتكلم المعروف، وهذا اللقب ينصرف عند الإطلاق إلى أولئك الذين اتبعوه في فترة انتسابه إلى ابن كلاب، ولذا قد نطلق عليهم أحياناً "الأشعرية الكلابية". أما قبل ذلك فهو معتزلي بل إمام في الاعتزال نحواً من أربعين سنة، كما سيأتي. وبعد توبته من عقيدة الاعتزال وملازمته لابن كلاب فترة من الزمن رجع في آخر أيامه إلى مذهب السلف، فالمنتسبون إلى الأشعرية الآن هم أصحاب الطور الثاني. ثانياً: المعتزلة هم طائفة من أهل الكلام خالفت جمهور المسلمين في كثير من المعتقدات فهم أتباع أولئك الذين عرفوا بالجرأة على تأويل النصوص وعدم التقيد بظواهرها، مثل واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد وأمثالهما. وأما اعتزالهم فيدور على القواعد التالية: القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الله تعالى ذاتية أو فعلية بحيث لا يبقى إلا الوجود الذهني فيسمون ذلك توحيداً. القاعدة الثانية: القول في القدر بغير علم، حتى نفوا علم الله للأشياء أزلاً وكتابته للأمور كلها فتقديره لها بمقتضى حكمته. القاعدة الثالثة: القول بالمنـزلة بين المنـزلتين، أي تنـزيل مرتكب الكبيرة في منـزلة وهمية بين الكفر والإيمان! القاعدة الرابعة: الخوض فيما جرى بين الصحابة من الأمور الاجتهادية التي قد أدت إلى الحرب والقتال ، تلك الأمور التي سكت عنها المسلمون قائلين: وما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجر الاجتهاد نُثْبِت وأما سبب تلقيبهم بهذا اللقب، فإنه اعتزال واصل بن عطاء، ومعنى ذلك ما تذكره بعض المصادر التي تتحدث عن الفرق، أن واصل بن عطاء كان في مجلس الحسن البصري، حين سئل الحسن عن جماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العلم الصالح عندهم ليس شرطاً في الإيمان... الخ، فأخذ الحسن يفكر، وقبل أن يجيب قال واصل: أنا أقول: إن صاحب الكبيرة لا مؤمن مطلق ولا كافر مطلق، بل هو في منـزلة بين المنـزلتين، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن البصري، فأصغوا إليه فاستمالهم، فقال الحسن: اعتزل عنا (واصل)، فسمي هو وأصحابه (معتزلة) ، لأنهم اعتزلوا المسلمين في كثير من معتقداتهم كما اعتزلوهم في مجالسهم وفارقوهم. وقيل: إن من أول من سماهم بهذا الاسم قتادة بن دعامة السدوسي (الأكمه) حين دخل مسجد البصرة، فإذا هو بعمرو بن عبيد ونفر معه، قد اعتزلوا حلقة الحسن، فلما صار معهم - وهو لا يبصر- عرف أنها ليست حلقة الحسن، فقال: إنما هم المعتزلة. وهناك سبب آخر يذكره أهل العلم، وليس ببعيد من الأول: وهو اعتزالهم الطوائف الأخرى في حكم مرتكبي الكبيرة مثل المرجئة والخوارج وغيرهم. وقريب من هذا ما قاله البغدادي في كتابه (الفرق بين الفرق) حيث قال: ثم حدث في أيام الحسن البصري وواصل بن عطاء خلاف في القدر، وفي المنـزلة بين المنـزلتين، وانضم إلى واصل عمرو بن عبيد في بدعته فاعتزلا إلى سارية من سواري مسجد البصرة، فقيل لهما ولأتباعهما: معتزلة، لاعتزالهم قول الأمة في دعواهم أن الفاسق من أمة الإسلام ليس بمؤمن ولا كافر . وقال بعضهم: المعتزلة نسبة إلى الاعتزال، وهو (الاجتناب) والجماعة المعروفة بهذه العقيدة إنما سموا بهذا الاسم لأن أبا عثمان عمرو بن عبيد لما أحدث ما أحدث من البدع، واعتزل مجلس الحسن البصري وجماعة معه سموا (معتزلة) ، وهناك رأي آخر، وهو أنهم سموا معتزلة لقولهم: إن صاحب الكبيرة اعتزل عن الكافرين والمؤمنين، فالمعتزلة على هذا هم القائلون باعتزال صاحب الكبيرة عن الكفار والمؤمنين معاً، هذا بعض ما قيل في أسباب تسمية المعتزلة بهذا الاسم. أصولهم الخمسة: لما تكونت المعتزلة بالطريقة التي ذكرناها وضعوا لهم أصولاً خمسة، امتازوا بها من بين الناس وعرفوا بها، ودعوا إليها بكل جرأة، وهي: 1- التوحيد. 2- المنـزلة بين المنـزلتين. 3- العدل. 4- الوعد والوعيد. 5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه الأصول الخمسة يتفق عليها جميع طوائف المعتزلة على اختلاف بينهم بل لا يعتبر معتزلياً من لم يؤمن بها على تفسيرهم الفلسفي، ولو ادعى أنه منهم. يقول الخياط وهو أحد زعمائهم في القرن الثالث: "وليس يستحق أحد اسم (الاعتزال) حتى يجمع القول بالأصول الخمسة، فإذا اكتملت فيه هذه الخصال فهو معتزلي" اهـ. ومن تلك الأصول عندهم (التوحيد) حيث فسروه تفسيراً خاصاً وفلسفياً، وبالغوا في تحليله - في زعمهم- وفي فلسفته إلى أقصى حد وصوروا للناس معنى التوحيد بأنه سلوب محض، يقشعر جسم المؤمن الذي يقدر الله حق قدره عند قراءتها أو سماعها وهي سلوب لا تتضمن أي مدح أو كمال كقولهم: ليس بجسم ولا بذي عرض، ولا طول ، إلى آخر تلك السلوب التي أسرفوا فيه إسرافاً. ومن ثم نسب إليهم هذا التوحيد بهذا التفسير، وفي رأينا إنه ليس بتوحيد، بل هو شيء آخر غير التوحيد وإلا فلو بقي التوحيد في تصوره الصحيح وتفسيره الإسلامي السليم، الذي يتضمن النفي والإثبات والكمال المطلق لله، لما خصوا به لأنه بهذا المعنى معتقد كل مسلم، ولأنه معنى (لا إله إلا الله) بهذا المفهوم وهي كلمة التوحيد، هذا وإن الذي حمل القوم على هذا المعنى الفلسفي للتوحيد أنهم زعموا أن في القرآن آيات تتناقض في ظاهرها، إذ هناك آيات تدل على التنـزيه مثل قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وآيات ظاهرها يدل على التجسيم مثل قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} كما زعموا أن هناك آيات تدل على أنه ليس في جهة معينة، مثل قوله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}، وآيات ظاهرها يدل على الجهة مثل قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}، {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء}، هكذا زعموا، ما أفسده من زعم، وما أفظعه من جهل مركب جريء. التنـزيه عند المعتزلة: والتنـزيه في نظرهم نفي صفات الكمال، وصفات الله كلها صفات كمال وتعطيل البارئ عما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله المصطفى مثل السمع والبصر والعلم والعلو والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة، فهو عكس التنـزيه الصحيح لأنه إثبات تلك الصفات التي سبق ذكرها وغيرها من الصفات التي نطق بها الكتاب والسنة، وفي رأيهم أن كل من يثبت صفات الله التي وصف بها نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله المصطفى فهو مجسم ومشبه ممثل، والموحد عندهم هو ذلك الجريء الذي ينفي جميع الصفات بدعوى أن إثباتها يؤدي إلى تعدد القدماء. إنها حقائق معكوسة، وهذا يعني أن القوم لا يقيمون أدنى وزن للنصوص كما يدل بالمقابل على مدى غلوهم في تنـزيه العقول وتقديسها والركوع أمامها إذا اعتبروها أنها هي الحكم والمرجع لمعرفة ما يليق بالله، وما لا يليق به، ولمعرفة ما يجوز في حقه تعالى وما يمتنع، وقد صرحوا بهذا المعنى في غير موضع فيما نقل عنهم. وإن الدارس لكتبهم يدرك أن القوم آمنوا بالعقول إيمان غيرهم بالنصوص، وإلا فكيف يسوغ لمن يؤمن بأن القرآن منـزل من عند الله حقيقة، وأن السنة أوحاها الله إلى نبيه المختار الذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} ، كيف يسوغ لمن يؤمن هذا الإيمان أن يزعم أن في نصوص الكتاب والسنة ما يدل بظاهره على التجسيم؟ مدعين أنهم هم الذين استطاعوا وحدهم تصحيح ذلك التعبير الخاطئ بتأويلهم تلك النصوص تأويلاً يشبه التصحيح والتوجيه والاستدراك على الله يا سبحان الله {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} . ومن عدم التوفيق أن القوم أخطأوا في معنى (التنـزيه) وهذا الخطأ هو الذي أوقعهم في الأخطاء الناتجة منه، من اتهام النصوص، بدلالتها على التجسيم أو على أنه تعالى محصور في جهة معينة، وغيرها من تلك العبارات الجريئة. التنـزية عند السلف وبيان خطأ المعتزلة: حقيقة التنـزيه أن ينفي عن الله ما لا يليق بالله شرعاً، وعقلاً، كالولد والوالد والشريك، والند والتشبيه والتجسيم وغير ذلك مما نزه عنه نفسه في كتابه أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام. والله منـزه عن كل ذلك، لكماله في ذاته وصفاته في وحدانيته وقيوميته، ولغناه المطلق عن كل ما سواه في الوقت الذي يحتاج إليه كل ما عداه، وهذا التنـزيه في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، وهل يوجد تنـزيه أبلغ من هذا؟ وهو مشتمل على إثبات صفات الكمال، مع نفي ما لا يليق به سبحانه من معاني النقص والحاجة التي تتنافى والكمال المطلق لله سبحانه، هذا هو التنـزيه الحقيقي عند أتباع القرآن والسنة. وقد عرفنا قبلُ معنى التنـزيه عند المعتزلة. وخلاصته الإيمان بذاته تعالى مجردة عن جميع الصفات، بل موصوفة بأنواع من السلوب التي تجعل وجود الله وجوداً ذهنياً لا حقيقه له في الخارج، أو وجوداً مجرداً أشبه بالوجود الذي وصفه به أرسطو (التأمل المحض) أي الخيال المحض. يتضح من كل ما تقدم أن القوم أعطوا لأنفسهم حرية مطلقة لا تقف عند حد ليتصرفوا في النصوص كما يريدون، وليقولوا ما يشاءون من رد للأحاديث بدعوى أنها من الآحاد، أو تضعيف لها على خلاف القواعد المتبعة عند أهل هذا العلم أو طرحها جانباً بدعوى مخالفتها للبراهين العقلية القاطعة، هكذا أصبح رد الأحاديث من أسهل الأمور عندهم. وأما الآيات القرآنية فليس وزنها أثقل من وزن الأحاديث بكثير، لأنها خاضعة لقوانينهم الكلامية وفلسفتهم اليونانية، التي سيطرت على عقولهم، وزينت لهم سوء تصرفاتهم وعملهم في نصوص الكتاب والسنة بالتحريف فيها، وإخضاعها لعقولهم التي أصبحت الدليل المعول عليه في دينهم. والقاعدة عند أهل السنة والجماعة أنه (لا يثب قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، وفي هذا المعنى روى الإمام البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمهما الله أنه قال: "من الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم" اهـ. وهو كلام جامع ونافع كما ترى، بإذن الله. وهذا هو الموقف السليم شرعاً وعقلاً لأن التسليم للمتكلم في معرفة مراده أمر ضروري عقلاً إذ دلالة اللفظ على المعنى إنما هي بواسطة دلالته على ما عناه المتكلم وأراده، وإرادته وما عناه في نفسه لا تعرف إلا بدلالة اللفظ بالوضع ابتداء، إلا إذا أخبر أنه أراد خلاف ذلك المعنى الذي دل عليه اللفظ، أو دل عليه بقرينة واضحة. ومن زعم أنه قد يفهم من كلام المتكلم خلاف ما دل عليه اللفظ دون إخبار منه أو دلالةٍ عليه بقرينة تبين أنه أراد خلاف ظاهر اللفظ، فخرج باللفظ عن ظاهره بتأويل وتكلف -كما تفعل المعتزلة- فقد أبعد النجعة، وأخطأ الطريق، وقال على الله بغير علم، وارتكب كبيرة من كبائر الذنوب إذ يقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، ويقول عز من قائل: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ} . وفي ضوء هؤلاء الآيات يحدد المسلم موقفه من كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام وكلام غيرهما بحيث يلتزم اتباع ما أوحاه الله إلى رسوله قرآنا وسنة. وما سواهما من كلام سائر الناس ومعقولاتهم يجب عرضه على ذلك الكلام الموحى من عند الله العليم الحكيم فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطل {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} ؟! ومما يوضح ذلك أن هؤلاء المعتزلة الذين يرون وجوب تأويل نصوص الصفات تأويلاً يشبه الإنكار والرد على الله سبحانه يرون في الوقت ذاته الإيمان بنصوص المعاد دون أي تأويل، بل ينكرون على من يؤولها أشد الإنكار من الباطنية الذين يزعمون أن لكل نص باطناً، يختصون بفهمه وحدهم، ولا سبيل لغيرهم إلى فهمه. محاججة الباطنية للمعتزلة: ولو قالت الباطنية: - وهي تحاجج المعتزلة - إن تأويلنا لنصوص المعاد نظير تأويلكم لنصوص الصفات، بل إن نصوص الصفات أكثر وأصرح، فإذا جاز تطرق التأويل إليها فهو إلي غيرها أقرب تطرقاً، ولو حاججتهم الباطنية في هذا التناقض لوجدت المعتزلة مغلوبة مفحمة، وهو شأن كل مبطل أنكر على خصمه شيئاً، وحاول كسر باب غيره بحجر ناسياً أن باببه من (زجاج) قابل للكسر، ولنوضح المقام أكثر فأكثر نضرب مثلاً آخر فنقول: محاججة المعتزلة للأشاعرة: وللمعتزلة أن يحاججوا الأشاعرة بالأسلوب نفسه في تفريقهم بين الصفات بإمرار صفات الذات التي يثبتونها على ظاهرها على ما يليق بالله، وهي الصفات السبع التي يطلقون عليها صفات المعاني، مع دعوى وجوب تأويل صفات الأفعال كالاستواء والنـزول والمجيء مثلاً، للمعتزلة أن يلزموا الأشاعرة بأحد موقفين للخروج من هذا التناقض. 1- تأويل جميع الصفات دون تفريق بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية طرداً للباب، وهي الطريقة العملية مع بطلانها. 2- أن يغلقوا باب التأويل ويمروا نصوص الصفات على ظاهرها على ما يليق بالله فيلحقوا بالمثبتة من سلف هذه الأمة الذين عافاهم الله مما ابتلي به غيرهم من التناقض لتسليمهم لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام هذا المنهج السليم الموافق للعقل السليم والنقل الصحيح، ولسلامة هذا المنهج وبعده من التناقض ومن التكلف رجع إليه كثير من علماء الكلام في آخر حياتهم كما سيأتي. ولأبي الوليد الأندلسي موقف فريد من المؤولة الذين يسرفون في التأويل كالمعتزلة ويدعون الناس إلى الأخذ بتأويلهم ويضرب لذلك مثلاً رائعاً حيث يقول: "ومثال من أول شيئاً من الشرع وزعم أن ما أوله هو ما قصد الشرع وصرح بذلك التأويل للجمهور، مثال من أتى إلى دواء قد ركبه طبيب ماهر ليحفظ صحة جميع الناس أو الأكثر فجاء رجل فلم يلائمه ذلك الدواء المركب العظيم لرداءة مزاج كان به ليس يعرض إلا للأقل من الناس، فزعم أن بعض تلك الأدوية، الذي صرح باسمه الطبيب الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركب لم يرد به ذلك الدواء الذي جرت العادة أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أريد به دواء آخر مما يمكن أن يدل عليه بذلك الاسم باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعل في بدل الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيب، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيب الأول فاستعمل الناس ذلك الدواء المركب على الوجه الذي تأوله عليه المتأول، ففسدت به أمزجة كثير من الناس، فجاء آخرون شعروا بفساد أمزجة الناس من ذلك الدواء المركب، فرأوا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواء آخر غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوع من المرض غير النوع الأول، فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب غير التأويل الأول والثاني فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين، فجاء متأول رابع فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة، فعرض منه للناس نوع رابع من المرض، غير الأمراض المتقدمة، فلما طال الزمان بهذا المركب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيروها وبدلوها، عرض منه للناس أمراض شتى حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس، ثم قال أبو الوليد: وهذه هي حال الفرقة الحادثة في هذه الطريقة مع الشريعة، وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلاً غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه الذي قصده الشرع، حتى تمزق كل ممزق، وبعد جداً عن موضعه الأول. ولما علم صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام أن مثل هذا يعرض - ولا بد - في شريعته قال: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" اهـ. نقول تعليقاً على هذا المثل المضروب للمتأولة: "اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً". وأبو الوليد له تجربة طويلة مع علماء الكلام وله معهم صولة وجولة، فهو خير من يشهد لهم أو عليهم. واستشهادنا بكلامه لا يعني أنه محل رضانا مطلقاً، بل يؤخذ من كلامه ويرد كغيره من الرجال، بل هو فيلسوف أرسطي ومع ذلك له كلام يؤخذ بل يقدر كما رأيت. وقريب مما أنكره ابن رشد على أهل الكلام من الإسراف في التأويل، قول سهل بن عبد الله التستري حيث يقول: لا يخرجنكم تنـزيه الله إلى التلاشي ولا يخرجنكم تثبيته إلى الجسد، أي التجسيد (الله يتجلى كيف يشاء) . الخلاصة: ولو فحصنا الموقف جيداً لظهر لكل ذي لب فهيم مزود بالإنصاف و(الإنصاف من الإيمان) أن كل من رد النقل الصحيح بدعوى أنه دليل لفظي لا يفيد اليقين، فقد رد العقل الصريح - وهو لا يشعر- ولم يبق لديه دليل يستدل به أو يحاجج به، إذ مما اتفق عليه العقلاء أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، علماً بأن النقل هو الأصل لأنه من المتفق عليه أن العقل لا سبيل له لإثبات المطالب الإلهية، على سبيل الاستقلال، بل الطريق لإثبات الصفات ينحصر في التالي: 1- صفات يكون إثباتها بالنقل والعقل معاً، وهي كثيرة مثل صفة الحياة والقدرة، والعلم والعلو مثلاً، وهي المعروفة عند الأشاعرة بصفات المعاني. 2- صفات يكون إثباتها بالنقل فقط، ولولا النقل لعجز العقل عن إثباتها مثل صفة النـزول والمجيء والاستواء على العرش مثلاً، ولا توجد صفة يتم إثباتها عن طريق العقل فقط دون النقل، فالقسمة إذاً ثنائية فقط، كما ترى. وعلى هذا فإن ما تزعمه المؤولة من المعتزة وأشباههم، من أن الدليل العقلي وهو العمدة في باب الصفات، بحيث لو تعارض العقل والنقل قدم العقل، لأنه الأصل، فزعم باطل، لما عرفنا مما تقدم من عدم التعارض بين الدليلين. وهذه خلاصة ما كان عليه سلف هذه الأمة، كما أوضحنا في بيان منهج السلف في إثبات الصفات وهو واضح جداً كما تقدم. أما المعتزلة فنختم مناقشتهم بالآية الكريمة من سورة النجم: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} ، لإعراضهم كلياً عن النصوص واستخفافهم بها من الغلو في تقديس آراء الفلاسفة والركوع أمامها... كما يظهر جلياً أنهم قطعوا علاقتهم بسلف الأمة إذ تراهم دائماً ينهجون منهجاً مخالفاً لمنهج السلف الصالح الذي هو التقيد بالكتاب والسنة مع اعتقاد أن العقل في حال سلامته يتبع النقل ولا يخالفه. المبحث التاسع: الفصل الأول سبب انتشار العقيدة الأشعرية واشتهارها في أثناء مناقشتنا موقف المعتزلة والأشاعرة تبين لنا أن الأشاعرة على الرغم من إثباتهم كثيراً من الصفات الذاتية، إلا أنهم ليسوا على منهج السلف الصالح في موقفهم من كثير من نصوص الصفات، إذ رأيناهم يتصرفون في النصوص بأهوائهم فيفرقون بينها، منها ما يجب تركها على ظاهرها، على ما يليق بالله تعالى، وهي النصوص التي تتضمن الصفات التي يسمونها صفات المعاني، والصفات السلبية والصفة النفسية، ومنها ما يجب تأويلها ولا يجوز إبقاؤها على ظاهرها في زعمهم لأن ظاهرها يدل على ما لا يليق بالله. بل يزعمون أن ذلك الظاهر غير مراد لله تعالى، وهي النصوص الواردة بالصفات الخبرية وصفات الأفعال ولهم تناقض ينفردون به في بعض الصفات مثل صفة الكلام وإثبات رؤية الله تعالى، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه. ومع كل ما ذكر نرى انتشار العقيدة الأشعرية بشكل ملموس بل اشتهارها بين جمهور المسلمين بأنها عقيدة أهل السنة والجماعة، وما هي أسباب هذا الذيوع؟! يذكر بعض المختصين المهتمين بشأن العقيدة الإسلامية لهذا الانتشار والشهرة الأسباب التالية: أ- كثرة الحق الذي عندهم بالنسبة للباطل الكثير الذي عند غيرهم، لأنهم يثبتون كثيراً من الصفات مثلاً، وزد على ذلك أن موقفهم من الصحابة يوافق موقف أهل السنة والجماعة، وموقفهم من نصوص المعاد موقف سليم أيضاً، وقد سلمت نصوص المعاد عندهم مما أصيبت به عند غيرهم من الباطنية ومن تأثر بهم من التحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل. وقد انخدع بهم كثير من علماء الفقه والحديث، فوافقهم في بعض ما ابتدعوه. ب- استعمالهم الأدلة العقلية في مواجهة المعتزلة مما أكسبهم الشعبية مع ما في طريقتهم من كثير البدع . جـ- ضعف الآثار النبوية في تلك العصور، والآثار هي التي تنير للناس سبيل الحق حتى لا يقعوا في الشبهات والبدع، على الرغم من كونها مدونة في الصحاح والمسانيد، لأن اشتغال الناس بها ليس بالمستوى المطلوب، إذ كان العمل في الغالب بآراء الفقهاء واجتهاداتهم. د- العجز والتفريط الواقعان في المنتسبين إلى السنة والحديث، حيث يروون تارة ما لا يعلمون صحته من الآثار والأحاديث وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة على حقائق الأمور . ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي وقعت كثيراً من الناي في التفويض المحض. هـ- انتساب الأشعري إلى معتقد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله في آخر أمره كما سيأتي بيان ذلك. و- اعتناق بعض الحكام عقيدته واعتبارها عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها والدعوة إليها بشدة إلى درجة استباحة دم من خالفها كما فعل (تومرت وأتباعه في المغرب)، وستأتي الإشارة إلى هذه النقطة قريباًَ. بهذه الأسباب توارثت الناس هذه الطريقة المزدوجة التي تشتمل على بعض الحق وفيها الشيء الكثير من الباطل، فانتشرت في مصر والشام والعراق باسم عقيدة أهل السنة والجماعة حيث (خلا الميدان لأبي حمدان) كما يقول المثل السائر، ولم يوجد لها منازع في تلك العصور فانتقلت العقيدة من العراق إلى المغرب بواسطة بعض الرحالات من المغرب ونشرها بين المغاربة فأخذها المغاربة بحماس شديد وبقوة حتى استباحوا دم كل من يخالف تلك العقيدة . فمجموع هذه الأسباب هي التي جعلت العقيدة الأشعرية تنتشر هذا الانتشار الواسع فتشتهر هذه الشهرة العالمية بيد أن الحق لا يعرف بالانتشار ولا بالاشتهار بل للحق ميزان يوزن به، وللباطل علامات يعرف بها. وبعد: هل آن الأوان لنمكن شبابنا من دراسة العقيدة السلفية المستندة إلى الكتاب والسنة بدلاً من هذه الآراء المضطربة التي لا تستند في الغالب الكثير إلى الوحي، ولكن إلى خيالات علماء الكلام التي سموها قطعيات، تسمية للأشياء بغير أسمائها لتروج وتستساغ. الفصل الثاني:حديث مستفيض عن كبار شيوخ الأشاعرة ومنهج السلف كبار شيوخ الأشاعرة والمنهج السلفي : وإذا كان بعض الكتاب المعاصرين أخطأوا في تصور حقيقة مذهب السلف والسلفيين - كما تقدم - فلنثبت هنا طائفة من كلام بعض أهل العلم من أولئك الذين أكرمهم الله بالتوبة عن علم الكلام في آخر أعمارهم، فتحدثوا عن مذهب السلف وأثنوا عليه بما هو أهله، وفي مقدمتهم ذلكم: 1- الإمام المقدم أبو الحسن الأشعري: الذي تغني شهرته عن ترجمته، وقد نقل غير واحد من أهل العلم بالتاريخ وعلم الرجال، رجوع أبي الحسن الأشعري عن الاشتغال بعلم الكلام ، إلى الانتصار لمذهب السلف والدفاع عنه وأنه ألف في ذلك مؤلفات من أهمها آخر كتاب ألفه في إثبات صفات الله تعالى دون تفريق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، وبعبارة أخرى بين الصفات العقلية والصفات الخبرية السمعية وهو كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وستأتي قريباً بعض النقول من هذا الكتاب إن شاء الله. وممن ذكر توبة الإمام أبي الحسن الأشعري، الحافظ ابن عساكر المتوفى 571هـ في كتابه (تبيين كذب المفتري على أبي الحسن الأشعري)، وقام في هذا الكتاب بالدفاع عن الإمام وعقيدته وزيف كل ما قيل في عقيدته وأثبت رجوعه عن الاعتزال بعد أنا أقام عليه 40 سنة وكان لهم إماماً، ثم ذكر قصة رجوعه بالتفصيل مما يدل على أنه لم يترك مذهب الاعتزال إلا بعد أن خَبَرَه، وأدرك حقيقته واطلع على عواره من فساد الاعتقاد والجرأة علي الله وعلى كتابه وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ثم تاب الله عليه فتاب، فحسنت توبته، فصار بمثابة كتابي أسلم وحسن إسلامه بعد أن أدرك عوار اليهودية أو النصرانية، فأخذ يبين للناس فساد اعتقادهم فهو أعدى الخلق إلى أهل الذمة، وأبو الحسن كذلك أعدى الخلق إلى المعتزلة، ولذلك يشنعون عليه وينسبون إليه الأباطيل افتراء عليه كعادة أهل الباطل قديماً وحديثاً. وممن ذكر رجوع أبي الحسن عن اعتزال إلى مذهب السلف أبو العباس بن خلكان ، حيث قال: كان أبو الحسن الأشعري معتزلياً، ثم تاب، ومنهم الحافظ ابن كثير صاحب التفسير المعروف إذ يقول: إن الأشعري كان معتزلياً فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم، ومنهم الحافظ الذهبي وأخيراً جاء المحدث المصري والسلفي الأثري محب الدين الخطيب ليؤكد تلك النقول في تعليقه على المنتقى حيث يقول محب الدين رحمه الله: إن الأشعريين منسوبون إلى أبي الحسن الأشعري، وقد علمتَ أن أبا الحسن الأشعري كانت له ثلاثة أطوار: أولها: انتماؤه إلى المعتزلة. ثانيها: خروجه عليهم ومعارضته لهم بأساليب متوسطة بين أساليبهم ومذهب السلف. والطور الثالث: انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه في ذلك كتابه (الإبانة في أصول الديانة) وأمثاله، وقد أراد أن يلقى الله على ذلك اهـ. وقال رحمه الله في موضع آخر في تعليقه على المنتقى: أما الأشعرية اسم المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري في علم الكلام، فكما أنه لا يمثل الأشعري ما كان عليه في طور اعتزاله فإنه ليس من الإنصاف أن تلصق به الأشعرية بعد أن رجع إلى عقيدة السلف التي أراد أن يلقى الله بها، بل إن المذهب الأشعري المنسوب إليه إنما ينسب إلى ما كان عليه ابن كلاب البصري المتوفى سنة 240هـ كما أوضح ذلك تقي الدين ابن تيمية في كتابة (العقل والنقل) 2/5 طبعة الشيخ حامد الفقي رحمه الله، ثم عدل أبو الحسن في آخر حياته عن كثير من تلك التأويلات وأثبت جميع الصفات، وأمرّها دون تأويل، وأثبتها دون تشبيه على ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وهكذا ختم الله له بالحسنى . وهاك بعض النقول من أول كتابه (الإبانة): باب في إبانة قول أهل الحق والسنة: ثم قال رحمه الله - وهو يعلن إنكار ما قالته طائفة من أهل الكلام ويبين ما يقوله هو وأهل الحق والسنة: "فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، ودياناتكم التي به تدينون؟ قيل له: قولنا الذي نقول به، ودياناتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، وفتاوى عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أظهر به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين وزيْف الزائفين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم مفخم. ثم قال الأشعري رحمه الله: فجملة قولنا أن نقر بالله وملائكته وكتبه... إلى أن قال: وما رواه الثقات عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا نرد من ذلك شيئاً، ثم استطرد قائلاً: وأن الله مستو على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، وأن له وجهاً كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً. وأن لله علماً كما قال: {أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} ،، وكما قال: {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} ، ونثبت لله السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجمهية والخوارج، ونثبت لله قوة كمال قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} ، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لم يخلق شيئاً إلا وقد قال له: كن كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} ، إلى آخر كلامه. ومن أراد مزيد الاطلاع على درر كلامه المدعم بآيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، فعليه بالإبانة التي تحدثنا عنها ونقلنا منها بعض النقول وغيرها مثل مقالات الإسلاميين. 2- الإمام الجويني (الأب): وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة 438هـ، وقد كان إمام في التفسير والفقه والأصول، بل له يد طولى في أكثر العلوم المعروفة في زمانه، وقد تخرج على يده خلق كثير وفي مقدمتهم ولده إمام الحرمين الذي يأتي ذكره بعده إن شاء الله، وقد ألف في كثير من العلوم، وأما الذي يهمنا هنا فرسالته اللطيفة، وهي عظيمة الفائدة تحت عنوان (رسالة في إثبات الاستواء والفوقية ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد، وتنـزيه البارئ عن الحصر والتمثيل والكيفية)، هكذا بهذا العنوان الطويل وهي ليست طويلة بل صغيرة جداً، لا تتجاوز (15) صفحة ولكنها تعالج وتحقق نقاطاً تعجز عن تحقيقها بل عن تصورها كثير من الموسوعات على سعتها. والرسالة المذكورة تعالج صفة الفوقية والاستواء وصفة الكلام، وهاتان الصفتان قد ضل فيهما كثير من علماء الكلام واضطرابهم فيهما أسوأ من اضطرابهم فيما عداهما، وقد وصف المؤلف الحيرة التي استولت عليه عندما ظهر له الحق في هاتين الصفتين، وغيرهما من الصفات الخبرية التي يصعب على أهل الكلام سماعها فضلاً عن إثباتها كما سنرى عندما ننقل منها بعض النقول لنستشهد بها على ما نقول حول عقيدته وموقفه من علم الكلام بعد رجوعه. وميزة هذا الإمام أنه لم يمنعه التعصب والتقليد من اتباع الحق لما تبين له الحق بل اتبعه وأعلن به ودعا إليه، وجادل فيه شيوخه، وهو موقف لا يوفق له كل من عرف الحق. ولقد كانت دعوته ومناقشته لشيوخه تحمل في طياتها الشفقة عليهم والتلطف بهم دون أن يتهجم عليهم أو يهاجمهم ويعنف عليهم وهو ديدن العلماء العاملين الذين همهم بيان الحق والدعوة إليه دون تجريح أو تنفير عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام: "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" ، ولهذا المعنى الذي أشرت إليه والميزة التي نوهت بها أود أن أورد مقتطفات من كلامه ومختارات من عباراته في رسالته الموجهة إلى شيوخه وإخوانه. وسوف أثبت هذه المقتطفات في آخر الرسالة إن شاء الله ملحقاً لها. 3- الجويني (الابن): وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 478هـ، ينسب الإمام إلى مسقط رأس أبيه بلدة (جوين) بفارس، لأنه لما مات والده عبد الله بن يوسف جلس ولده عبد الملك مجلسه للتدريس فانتقلت إليه هذه النسبة، وقيل: كان عمره عشرين سنة عندما جلس للتدريس في مجلس والده، ولقب بإمام الحرمين لأنه كما قيل: جاور مكة أربع سنوات كان خلالها يناظر ويدرس، ثم عرج على المدينة المنورة. وقد ألف الإمام الجليل مؤلفات كثيرة في فنون مختلفة، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه الكبير (الغياثي) ألفه لغياث الدولة الذي هو نظام الملك (الوزير) وهو الحسن بن علي بن إسحاق بن العباس الطوسي أبو علي الوزير العادل صاحب المدارس التي عرفت باسمه (النظامية) وأحد الزهاد العباد المعروفين، وناصر السنة وأهلها وحامي الفقهاء من بطش المبتدعة والزنادقة وأحد فقهاء الشافعية. تولى الوزارة للسلطان (السلجوقي) (ألب أرسلان) ثم من بعده لابنه ملكشاه. ولد الوزير سنة 408هـ وتوفي سنة 485هـ. كما أن الكتاب (الغياثي) منسوب لهذا الوزير الصالح الحسن بن علي الملقب (غياث الدولة)، فقد نسبت العقيدة النظامية إليه، لأنه يلقب أيضاً (نظام الملك) ونستحسن أن نثبت هنا بعض كلام الإمام نقلاً عن كتابه الكبير (الغياثي)، قال الإمام الجويني في الكتاب المذكور (رقم 279 ص190): "ومن رام اقتصاداً، وحاول ترقياً عن التقليد واستبداداً فعليه بما يتعلق بعلم التوحيد من الكتاب المترجم (بالنظامي)، فهو محتو على لباب للباب، وفيه سر كل كتاب في أساليب العقول" . والذي أذكره الآن لائقاً بمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذهب السلف السابقين قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن التعرض والتعمق في المشكلات والإمكان في ملابسة المعضلات والاعتناء بجمع الشبهات وتكلف الأجوبة عما لم يقع من السؤالات، إلى أن قال: "وما كانوا ينكفون رضي الله عنهم عما تعرض له المتأخرون عن عِيِّ وحَصْرِ، وتبلد في القرائح، هيهات قد كانوا أذكى الخلائق أذهاناً وأرجحهم بياناً، ولكنهم استيقنوا أن اقتحام الشبهات داعية الغوايات، وسبب الضلالات، فكانوا يحاذرون في حق عامة المسلمين ما هم الآن به مبتلون، وإليه مدفوعون. فإن أمكن حمل العوام على ذلك فهو الأسلم" ا.هـ وقال الإمام في العقيدة النظامية ص: 22-23: "وذهبت طائفة إلى التعطيل من حيث تقاعدت عقولهم عن درك حقيقة الإله، فظنوا أن ما لا يحويه الفكر منتف، ولو وقفوا لعلموا أنه لا تبعد معرفة موجود مع العجز عن درك حقيقته. والذي ضربناه من الروح مثلاً يعارض به هؤلاء، فليس لوجود الروح خفاء وليس إلى درك حقيقته سبيل ولا طريق إلى جحد وجوده للعجز عن درك حقيقته، الأكمه يعلم بالتسامع والاستفاضة الألوان ولا يدرك حقيقتها، فهذا سبب زيغ المعطلة وهم على مناقضة المشبهة. وأما فئة الحق فهدوا إلى سواء الطريق، وسلكوا جُدُد الطريق وعلموا أن الجائزات تفتقر إلى صانع لا يتصف بالصفات الدالة على الافتقار وعلموا أنه لو اتصف الصانع بها لكان شبيهاً بمصنوعاته، ثم لم يميلوا إلى النقي من حيث أن يدركوا حقيقة الإله، ولم يتعدوا موجوداً يجب القطع به مع العجز عن درك حقيقته، إذ وجدوا في أنفسهم مخلوقاً لم يستريبوا في وجوده، ولم يدركوا حقيقته، ونحن الآن نذكر عبارة حرية بأن يتخذها مولانا في هذا الباب هجيراً فهي لعمري المنجية في دنياه وأخراه، فنقول: من نهض لطلب مدبره، فإن اطمأن إلى وجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، وإن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل، وإن قطع بموجود واعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد، وهو معنى قول الصديق رضي الله عنه إذ قال: "العجز عن درك الإدراك إدراك". فإن قيل فغايتكم إذا حيرة ودهشة، قلنا العقول (عاجزة) في درك الحقيقة قاطعة بالوجود المنـزه عن صفات الافتقار" اهـ. قلت: فإمام الحرمين عبد الملك قد سلك مسلك والده الإمام أبي محمد الجويني في إعلانه أن فهم السلف هو الحق وحده فيما يعتقد العبد نحو ربه سبحانه، وما سواه باطل لا محالة لأنه إما تشبيه أو تعطيل أو توقف وهو يشبه أباه في هذا الموقف بالجملة "من يشابه أبه فما ظلم" وإن لم يبلغ درجة أبيه، حيث يوجد في كلامه بعض الثغرات التي يستطيع أن ينفذ منها بعض المغرضين المنحرفين ليعبثوا بكلامه بالتحريف فيه، وحمله على غير محمله، لخلاف كلام والده فإنه لم يترك مدخلاً لداخل يدرك ذلك من يقارن بين ما جاء في العقيدة النظامية للجويني (الابن) وما جاء في (رسالة إثبات الاستواء والفوقية للجويني) (الأب) وعلى كل حال فإن إمام الحرمين بحر لا ساحل له في علمه تدل على ذلك كتب التراجم ومؤلفاته المتنوعة، وكان رحمه الله يكره التقليد والتعصب، ومما نقل عنه قوله: "لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الطاهرة، وركبت البحر الخضَم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه، كل ذلك في طلب الحق. وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد" اهـ. وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه عبارات صارخة بالندم والتوبة ومتضمنة للنصيحة لأصحابه من علماء الشافعية - لو سمعوا نصيحته- إذ يقول رحمه الله: "يا أصحابنا: لا تشتغلوا بعلم الكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ، ما اشتغلت به. وقال عند موته: (لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، كل ذلك اجتهادٌ في طلب الحق، فالآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان" . وهي عبارات، كما ترى في غاية الصراحة في الندم والتوبة ولعل الله تقبل توبته ولا عذر لأصحابه بعد ذلك في بقائهم في أحضان علم الكلام وقد وضح لهم أنه ضار غير نافع... والله الموفق. 4- أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي الطوسي الملقب بحجة الإسلام (505هـ): بدأ في طلب العلم في بلده طوس، ثم قدم نيسابور فتردد على دروس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فلازمه وجد في طلب العلم حتى تخرج في مدة قريبة وبرز في الفقه والأصول وعلم الكلام، ونبغ نبوغاً منقطع النظير حتى كان الجويني يعتز به إلى أن توفي رحمه الله وبعد وفاة شيخه خرج الغزالي من نيسابور إلى بلدة يقال لها (العسكر) ولقي الوزير (نظام الملك) فأكرمه وعظمه وبالغ في إكرامه إلى أن فوض إليه التدريس في مدرسته النظامية (ببغداد)، وللوزير مدارس تسمى (بالنظامية) في عديد من البلاد والمدن رحمه الله. وللإمام الغزالي مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم، ومما يتصل ببحثنا هذا من مؤلفاته كتابه اللطيف (إلجام العوام عن علم الكلام) الذي أشاد فيه بمذهب السلف، وتحدث عن حقيقته مبيناً أنه هو الحق وأن من خالف السلف فهو مبتدع لأنه مذهب الصحابة والتابعين، وقد أُخِذَ من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، فكل خير في اتباعهم وكل شر في الابتداع بعدهم، وقد تحدث فيه بإسهاب عن مذهب السلف وحقيقة مذهب السلف هو الاتباع دون الابتداع. وللإمام الغزالي رسالة سماها (بغية المريد في رسائل التوحيد) وهي جملة رسائل مفيدة وجليلة ومشتملة على كثير من المعاني اللطيفة وما يجب على المخلوق للخالق جلَّ شأنه وعلى ما يجب معرفته على كل إنسان من علم التوحيد. وقد تحدث فيها عن تنـزيه الخالق، وأنه لا يشبهه شيء، ولا يشبه شيئاً، وكل ما خطر بالبال والوهم والخيال من التكييف والتمثيل، فإنه سبحانه منـزه عن ذلك. وقد نص في هذه الرسالة على نفي شبهة خطرة وهي: ما قد يتوهمه بعض الناس من أن إثبات الاستواء على العرش يلزم منه أن العرش يحمل الرب سبحانه وتعالى الله عما زعموا علواً كبيراً، وهو جملة من الأخطاء التي يتورط فيها أولئك الذين لا يكادون يفهمون صفات الله سبحانه وتعالى إلا كما يفهمون صفات خلقه من التحديد والإحاطة بالحقائق. وفي نفي هذا الوهم يقول الإمام الغزالي: "وليس العرش بحامل له سبحانه، بل العرش وحملته يحملهم لطفه وقدرته، وأنه تقدس عن الحاجة إلى مكان قبل خلق العرش وبعد خلقه، وانه يتصف بالصفات التي كان عليها في الأزل". وقال في موضع آخر من الرسالة نفسها: "وهو سبحانه مقدس من صفات المخلوقين، منـزه وهو في الدنيا معلوم وفي الآخرة مرئي، كما نعلمه في الدنيا، بلا مثل ولا شبه، لأن تلك الرؤية لا تشابه رؤية الدنيا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}" . وسبق أن نقلنا بعض عباراته عن كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام، وما هنا أوسع) . 5- أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم الشهرستاني: ولد سنة 467هـ وتوفي سنة 548هـ وهو فقيه شافعي متكلم، وله مؤلفات كثيرة في الفقه. وهو صاحب الملل والنحل، وكتاب في علم الكلام لعله آخر مؤلفاته (نهاية الإقدام في علم الكلام) وهو الذي ذم فيه علم الكلام وحذر منه وأوضح أن علم الكلام إنما يورث الحيرة، وليس لدى أربابه يقين في عقيدتهم. وقد أثبت في أول الكتاب المذكور بيتين في وصف حال أهل الكلام قائلاً: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعاً سن نادم ولم يذكر أن البيتين لمن؟ وسواء كان هذا كلامه أو كلام غيره، فإنه ينص بهذين البيتين على سوء حال أهل الكلام، وما ينتهي إليه أمرهم من الحيرة والضلال، واضطراب العقيدة. فنسأل الله تعالى العافية والسلامة. 6- أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الطبرستاني الرازي المولد، الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي: قال فيه صاحب وفيات الأعيان: إنه فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات، وعلم الأوائل وله تصانيف كثيرة ومفيدة في فنون عدة، ولعل أقرب كتاب من كتبه الكثيرة إلى الموضوع الذي نحن بصدده، كتابه في المعقولات (كفاية العقول) وكتاب (البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان). ومما يقال: إنه يحفظ (الشامل) لإمام الحرمين في علم الكلام، هذا، وذكر صاحب وفيات الأعيان أن له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين العربي والعجمي، إلى أن قال: ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنة. وقد نظم بعض الأبيات في وصف حال أهل الكلام بعد أن تاب الله عليه فتاب، قائلاً: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا هذا وقد ذكر الإمام فخر الدين أنه اشتغل في علم الأصول على والد ضياء الدين عمر، وأخذ والده على أبي القاسم الأنصاري، وأخذ الأنصاري على إمام الحرمين أبي المعالي وهو على الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي وتتلمذ الباهلي على شيخ السنة أبي الحسن الأشعري...الخ ولقد طوف هذا الإمام في علم الكلام ما طوف وخب ووضع، ثم تاب الله عليه فتاب -فيما يظهر لنا من كلامه- وقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه، بعض العبارات التالية: "لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما رأيتها تروي غليلاً ولا تشفي عليلاً، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، و {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} ، واقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} ، ثم قال في حسرة وندامة: "ومن جرب تجربتي عرف معرفتي" ا.هـ وبعد: فليس بغريب ولا عجيب أن يصاب هؤلاء الأئمة الفضلاء الذين تحدثنا عنهم بذلك الداء، داء علم الكلام والخوض في صفات الله ظناً وتخميناً في تلك العصور الخالية، إذ اشتغلوا به طلباً للحق، كما قال الإمام الجويني أبو المعالي وأكثر ما حملهم على ذلك الخوض مع مصادمته لنصوص الكتاب والسنة، تلك النصوص التي تثبت لله صفات الكمال -وصفات الله كلها كمال- الذي حملهم على ذلك في الغالب الكثير هو التقليد، تقليد شيوخهم لما لهم من المنـزلة والمكانة في نفوسهم، ولما أراد الله لهم اتباع الحق أعانهم على مخالفة مشايخهم وزملائهم وأصدقائهم إيثاراً للحق الذي اتضح لهم من تدبر آيات الكتاب العزيز ومن النظر في السنة المطهرة، كما صرح بذلك والد إمام الحرمين أبو محمد الجويني في رسالته التي تحدثنا عنها عند ترجمته، نعم ليس بغريب أن يحصل كل ما حصل وذلك بتقدير الله تعالى وإرادته الكونية، ثم تاب الله عليهم فتابوا بتوفيق الله، لأن المرض الغريب الطارئ قد ينتشر بين الناس فجأة قبل أن تعرف أعراضه لجهل الناس بحقيقته حتى يقابلوه بالوقاية قبل نزوله ثم بالعلاج إذا نزل، ولكن العجيب والمثير للدهشة أن يعرف وخطورته بإخبار أولئك المرضى الذين تحدثوا - بعد أن عافاهم الله - عن سوء حالهم ووحشتهم عندما كانوا مصابين، فقدموا للناس واجب النصح وحذروهم من أن يتعرضوا لأسباب ذلك المرض، وبعد هذا كله يأتي أناس يتجاهلون تلك النصائح والتحذير فيتعرضوا لأسباب المرض، فيمرضون ثم يتجاهلون مرضهم فلا يسرعون إلى العلاج، بل يبقون حتى تشتد عليهم وطأة المرض ولا يزال يفتك بهم من حيث لا يشعرون أو من حيث يشعرون. هذا هو حال علم الكلام ومثل علماء الكلام بعد توبة إمامهم أبي الحسن الأشعري ومن بعده من كبار أئمة علماء الكلام الذين تابوا وتحدثوا عن مآل علم الكلام، وأوضحوا عواره وحذروا الناس من قربانه بعبارات صريحة لا سيما ما جاء في نصيحة الإمام الجويني أبي محمد والد إمام الحرمين، وما جاء في كلام الإمام الغزالي، وقد تقدم ذلك كله مفصلاً وبعد: يتضح جلياً من دراسة أطوار حياة هؤلاء الأئمة الذي تقدم ذكرهم ومعرفة ما انتهى إليه أمرهم، ومعرفة نوع العقيدة التي ختم الله لهم بها حياتهم وهي العقيدة التي كان يعتقدها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، من كل ذلك يتضح لك دون شك أن العقيدة الأشعرية المعروفة اليوم عند الناس هي التي رجع عنها الإمام أبو الحسن الأشعري، ومن ذكروا بعده من كبار الشيوخ، فإذاً نسبه هذه العقيدة إلى أبي الحسن الأشعري نسبة غير صحيحة، لأنه لا يمثلها بعد أن رجع عنها قطعاً كما لا يمثل الاعتزال الذي كان إمام فيه إلى أن رجع عنه، فمن الإنصاف ألا ينسب إليه ما كان عليه في الطور الثاني، ثم رجع عنه بل هو معدود من أعيان أئمة السلف. الباب الأول: الكلام على الأسماء الحسنى والصفات العلا وبيان الفرق بينهما بين يدي المبحث قبل أن نشرع في الكلام على مبحث الأسماء والصفات وتعدادها يحسن بنا أن ننبه على بعض النقاط المهمة التي لها صلة وثيقة بالموضوع. أ- إن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود، والقائم بالنفس والمخالف للحوادث، فإن هذه الألفاظ يخبر بها عن الله تعالى، ولا تدخل في باب أسمائه الحسنى، ولفظ (القديم) من هذا الباب لعدم ورود النص به، وباب الأسماء والصفات توقيفي، كما لا يخفى. ب- إن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه تعالى، بل يطلق عليه منها كمال فقط، وهذا كالمريد والفاعل والصانع عند الإطلاق، بل هو فعال لما يريد. فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، فيقال لفاعل الخير فاعل كما يقال لفاعل الشر فاعل، وكذلك المريد والصانع، ولهذا إنما أطلق الله على نفسه من ذلك أكمله. جـ- لا يلزم من الإخبار عنه تعالى بالفعل مقيداً أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط بعض المتأخرين، فجعل من أسمائه الحسنى، المضل والفاتن والماكر، والمستهزئ والساخر مثلاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة. والله أعلم. د-لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه في تعداد الأسماء الحسنى التسعة والتسعين وحصرها وهي التي من حفظها دخل الجنة، أو في غيرها من أسمائه الكثيرة التي سمى الله بها نفسه فأنزلها في كتابه أو علمها أحداً من خلقه، ولكن اعتماد أهل العلم في ذلك على الكتاب العزيز مع بعض الآثار التي يشهد لها الكتاب، فأسماؤه من كمالاته، وكمالاته لا تدخل تحت الحصر، وقد أطال الكلام بعض أهل العلم في الأسماء الحسنى حتى ذكر ابن العربي في شرح الترمذي عن بعضهم أنه جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله تعالى ألف اسم . ﻫ- قال الحافظ ابن حجر في التلخيص - بعد أن ذكر أقوال بعض أهل العلم في تعداد الأسماء الحسنى: "وقد عاودت تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حررتها منه تسعة وتسعين اسماً، ولا أعلم من سبقني إلى تحرير ذلك، فإن ما ذكره ابن حزم لم يقتصر فيه على ما في القرآن الكريم" إلى آخر كلامه. و- حديث أبي هريرة في تعداد الأسماء الحسنى الذي اعتمد عليه كثير من الناس في تعداد الأسماء الحسنى مثل القشيري والرازي والقرطبي والغزالي، ضعيف، وعلته (الوليد بن مسلم) والحديث الثاني الذي صححه (الترمذي) أضعف وعلته (عبد العزيز بن حصين). قال الحافظ: متفق على ضعفه، ووهّاه البخاري ومسلم ، وقد زلت أقدام كثير من أهل الكلام في هذا المبحث على اختلاف مواقفهم، منهم من أثبت أسماء مجردة عن المعاني والأوصاف، كأعلام محضة وزعم أن الله سميع بلا سمع، عليم لا علم، مثلاً إلى آخر الصفات. ومنهم من ينفي الصفات والأسماء، ليزعم تصور وجود ذات مجردة عن الأسماء والصفات معاً، وهو من أفسد مزاعمهم، لأنه ضرب من المحال، فلنسمع الحافظ ابن القيم وهو يناقش هذه المزاعم ويفندها ليكشف عوارهم إذ يقول رحمه الله - وهو يتحدث عن دلالة الأسماء على صفات الكمال -: إن أسماء الله تبارك وتعالى دالة على صفات كماله، فهي مشتقة من الصفات فهي أسماء وهي صفات، وبذلك كانت حسنى، إذ لو كانت ألفاظاً لا معاني فيها لم تكن حسنى، ولا كانت دالة على مدح ولا كمال ولساغ وقوع الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان، وبالعكس فيقال: اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت المنتقم، واللهم أعطني، فإنك أن الضار المانع، ونحو ذلك. ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها قال تعالى: {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ، ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها وأثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} ، فعلم أن (القوي) من أسمائه ومعناه الموصوف بالقوة، وكذلك قوله: {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} ، وساق أمثلة كثيرة من القرآن والأحاديث الصحيحة إلى أن قال: لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنها بأفعالها. فلا يقال: يسمع ويرى ويعلم ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع من ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة، استحال ثبوت حكمها، وأيضاً فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت كلها سواء ولم يكن فرق بين مدلولاتها: وهذه مكابرة صريحة، وبهت بيّن. فإن من جعل معنى اسم (القدير) هو معنى اسم (السميع البصير)، ومعنى اسم (التواب) هو معنى اسم (المنتقم)، ومعنى اسم (المعطي) هو معنى اسم (المانع)، فقد كابر العقل واللغة والفطرة. فنفي أسمائه من أعظم الإلحاد فيها: والإلحاد فيها أنواع، هذا أحدها، والثاني تسمية الأوثان بها، كما يسمونها آلهة إلى أن قال رحمه الله: وحقيقة الإلحاد فيها العدول بها عن الصواب فيها، وإدخال ما ليس من معانيها فيها وإخراج حقائق معانيها عنها. هذه حقيقة الإلحاد اهـ. وقال في موضع آخر من كتابه (مدارج السالكين): "إن الاسم من أسمائه تبارك وتعالى، كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة ، فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم. فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم. فإن اسم (السميع) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة، وعلى الذات وحدها، وعلى السمع وحده بالتضمن، ويدل على اسم (الحي) وصفة الحياة بالالتزام وكذلك سائر أسمائه وصفاته اهـ. هذا وقد أفاض الحافظ ابن القيم في هذا المبحث في كتابه (مدارج السالكين) بما لعله لا يوجد لغيره مجتمعاً في موضع واحد. وقد أشار الإمام البيهقي إلى هذا المعنى الذي أفاض فيه الحافظ ابن القيم رحمه الله، حيث يقول: "فلله عَزَّ اسمه، أسماء وصفات، وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه" ا.هـ وأما الفرق بينهما، فإن الصفات إنما هي من معاني أسمائه الحسنى، والأسماء دالة عليها كما تدل على الذات، إما بالمطابقة أو بالالتزام على ما تقدم بيانه في كلام ابن القيم قريباً. وهذا معنى قول الإمام البيهقي: "وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه". من هنا يتضح جلياً بطلان مذهب المعتزلة وتناقضهم، حيث ينفون الصفات مع إثباتهم لأحكامها، لأنه من المعلوم ضرورة إذا عدم الوصف الذي منه الاشتقاق، فالاشتقاق منه مستحيل، فإذا لم يقم العلم والقدرة بذات مثلاً استحال أن نقول: هي عالمة وقادرة، ولست أدري كيف استساغت عقول المعتزلة وهضمت هذا التناقض، حيث يقولون: إن الله تعالى قادر وعالم لكن لا بقدرة ولا بعلم!! وأنا أعتقد جازماً أن البدوي الجالس أمام خيمته وعند غنمه لو سمع هذا التناقض الذي استساغه العقل المعتزلي، لأنكره ذلك البدوي وسخر منه، لأنه خلاف المنطق، وخلاف العقل السليم الذي يتبلبل بعد بعلم الكلام الاعتزالي وتناقضاته، فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من عباده. وسوف نورد بعض النصوص التي تدل على الأسماء الحسنى منها: 1- قوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} . 2- قوله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} . 3- قوله تعالى: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} . 4- حديث حذيفة بن اليمان الذي يقول فيه: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه قال: "اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" . 5- حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي يقول فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فلا يضره شيء" . 6- حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" ، وزاد في بعض الروايات: "وهو وتر يحب الوتر". 7- حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر، وهو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، وفي رواية المغيث بدل: المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الولي، المتعال، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع ، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث الرشيد، الصبور، الكافي" ا.هـ قال الإمام البيهقي بعد أن ساق عدة روايات في هذا الباب وفيها: "من أحصاها دخل الجنة"، قال رحمه الله: وليس في قوله عليه الصلاة والسلام: "إن لله تسعة وتسعين اسماً" نفي غيرها، وإنما وقع التخصيص بذكرها لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني. وفيها ورد الخبر أن من أحصاها دخل الجنة. وفي رواية سفيان: "من حفظها" وذلك يدل على أن المراد بقوله: "من أحصاها" من عدها. وقيل: من أطاقها بحسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، في معاملة الرب بها سبحانه، وقيل معناه: من عرفها وعقل معانيها، وآمن بها والله أعلم اهـ. وبعد أن انتهى الإمام البيهقي من سرد الأسماء ذكر معاني الأسماء بالجملة، ثم فصل القول فيها تفصيلاً لم يسبق إليه فيما نعلم حيث نوع الأسماء تنويعاً: نوع يتبع إثبات الباري جل ثناؤه مثل (القديم) ، وإن كان هذا الاسم غير معدود من أسماء الله الحسنى، ولكنه ذكر بالمعنى لأنه بمعنى "الأول الذي ليس قبله شيء" وقد مثل لهذا النوع بعدة أسماء ثم عقد فصلاً آخر لنوع آخر من الأسماء يتبع إثبات وحدانيته عز وجل ومثّل لهذا النوع بعدة أسماء منها: (الواحد) ومنها (الوتر) (الكافي) إلى آخر تلك الأسماء الكثيرة التي وزعها على عدة فصول في أول كتابه (الأسماء والصفات). ومما يشهد للإمام البيهقي فيما ذهب إليه -وهو الحق- من أن أسماء الله الحسنى لا تنحصر في الأسماء التسعة والتسعين المذكورة في بعض الأحاديث السالفة الذكر التي يفهم منها من أول وهلة أن أسماء الله الحسنى هي هذه فقط، التي يمكن حفظها وإحصاؤها - مما يشهد للإمام فيما ذهب إليه حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يقول فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كثر همه فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، وفي قبضتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو ألهمت عبادك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وفي لفظ: في مكنون الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء همي وغمي، ما قالها عبد قط إلا أذهب الله غمه وأبدله فرجاً"، وفي بعض النسخ (فرحاً) بالحاء المهملة، رواه رزين . والحديث يدل بكل وضوح على أن أسماء الله كثيرة ومتنوعة حسب توزيع الحديث المذكور وهو أمر واضح، لأن كمالات الله لا تتناهى، بل هو موصوف بكل كمال سبحانه {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} . هذا، وإتماماً للفائدة ولإعطاء هذه النقطة ما تستحق من البحث، أنقل هنا ما ذكره الحافظ ابن القيم عند قوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} الآية، لنقف على حقيقة الإلحاد وأنواعه، علماً بأنه قد تقدم بعض ما ذكره هنا فيما أسلفنا. وهاك ملخص كلامه رحمه الله - وهو يتحدث عن معاني الإلحاد-: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} . ومن أعظم أنواع الإلحاد في أسمائه تعالى إنكار حقائقها ومعانيها والتصريح بأنه مجازات، وهو أنواع: وهذا أحدها. وثانيها: إنكار الأسماء كلية، وهذا يصدق على الجهمية الذين ينفون الأسماء والصفات معاً، وهم أسوأ حالاً من المعتزلة الذين ينفون الصفات، مع إثباتهم للأسماء، ولو شكلياً حيث يزعمون أنه تعالى سميع بلا سمع، عليم بلا علم. وثالثها: تشبيه الله تعالى في صافته، وفي معاني أسمائه بصفات المخلوقين وأسمائهم، وهذا النوع من الإلحاد يشمل المشبهة الذي يشبهون الله بالمخلوق في أسمائه وصفاته، ويشمل المعطلة الذي يشبهونه أولاً حيث زعموا أنهم لا يفهمون من الأسماء والصفات إلا الحقائق التي تليق بالمخلوق، ثم ينفون أسماء الله وصفاته بدعوى التأويل لأن إثباتها على ظاهرها يوقع في التشبيه ولهذا يقال فيهم: إنهم يشبهون أولاً، ثم يعطلون ثانياً، ويقال: كل مشبه معطل، وكل معطل مشبه، لأن المشبهة قد عطلوا البارئ عما يليق به بتشبيههم إياه بالمخلوق. كما أن المعطلة قد شبهوه بتعطيله عن صفات الكمال - وصفاته كلها كمال- بجمادات لا توصف بأي صفة لا بالعلم، ولا بالبصر مثلاً. وقد أورد هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من كتبه كالحموية والتدمرية، وقد أنكر الحافظ ابن القيم وجود طائفة معينة تعتقد أن الثابت لله تعالى من صفاته مماثل للمعاني الثابتة للمخلوق فيجعل هذا مذهباً له ويقف عند هذا الاعتقاد دون تأويل كما فعلت المعطلة، هكذا يرى الإمام ابن القيم، ولكننا إذا راجعنا معتقدات بعض الطوائف المنحرفة في عقيدتها نجد (الهشامية) وهم أتباع هشام بن الحكم الرافضي يزعمون أن معبودهم (جسم وله نهاية، وله حد، طوله كعرضه وعمقه) إلى آخر كلام طويل كله تشبيه وتجسيم. وزعيمهم (هشام بن الحكم) أول من أظهر إطلاق لفظ (التجسيم) من متكلمة الرافضة . وهناك خمسة فرق من الروافض ولكنهم يقولون بالتجسيم مع اختلافهم في الأسلوب والتفسير، وتوجد هشامية أخرى أتباع هشام بن سالم الجواليقي، التي تزعم أن معبودها على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحماً ودماً، إلى آخر تلك الأوصاف الكفرية، فهما طائفتان جمعهما الإلحاد بالتشبيه والتجسيد وفرقتهما كيفية ذلك التشبيه والصورة. ولعل الإمام ابن القيم يرى أن معبودهم الذي بتلك الصفات ليس هو رب العالمين -وهو الواقع- حتى يقال: إنهم شبهوا الله بخلقه، ولكنهم اتخذوا معبوداً آخر بتلك الصورة. والله أعلم. وإلا فإنهم قد شبهوا أقبح التشبيه، ثم لم يؤولوا كما أولت المعطلة. ويجزم الإمام ابن القيم أن المراد بالمشبهة الذين عُنيَ القرآن بالرد عليهم هم أولئك الذين يثبتون للمخلوق علماً كعلم الخالق، وقدرة كقدرة الخالق، وتصرفاً في الكون كتصرفه حتى عبدوا مخلوقاً مثلهم بعد هذا الغلو فيه، كما يعبد الموحد ربه سبحانه بأنواع العبادات من التذلل والخضوع والذبح والنذر وغير ذلك. ويرى ابن القيم أن هذا هو الواقع من بني آدم قديماً وحديثاً يشبهون أوثانهم وأصنامهم ومعبوداتهم بالخالق. وقطعاً لا يعرف إبّان نزول القرآن غير هذا النوع من التشبيه، وهذا ما يعنيه ابن القيم. وقد ساق عدة آيات مؤيداً بها ما ذهب إليه. مثل قوله تعالى: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، أي من يساميه ويماثله، وقوله تعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . قال ابن القيم - وهو يلخص معنى الآيات الثلاث التي ساقها مؤيداً بها مذهبه وهو الصواب - فيما يظهر لنا- فنفي عن المخلوق مماثلته، ومكافأته ومساماته الذي هو أصل شرط بني آدم، فضرب المتكلمون عن ذلك صفحاً وأخذوا يبالغون في الرد على من شبه الله بخلقه، يقول الإمام ابن القيم: "لا نعلم فرقة من بني آدم استقلت بهذه النحلة وجعلتها مذهباً تذهب إليه، حتى ولا المجسمة المحضة الذين حكى أرباب المقالات مذاهبهم كالهشامية والكرامية ، الذين قالوا: إنه جسم لو يقولوا: إنه مماثل للأجسام بل صرحوا بأن معنى كونه جسماً أنه قائم بنفسه موصوف بصفات" اهـ. وله رحمه الله كلام نفيس في كتابه (شفاء العليل) عند الكلام على حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره أن يقول رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: "أسألك بكل اسم هو لك سميت له نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثر به في علم الغيب عندك". قال رحمه الله: إن كانت الرواية محفوظة هكذا ففيها إشكال، فإنه جعل ما أنزله في كتابه أو علّمه أحداً من خلقه، أو استأثر به في علم الغيب عنده، قسيماً لما سمى به نفسه! ومعلوم أن هذا التقسيم تفصيل لما سمى به نفسه، فوجه الكلام أن يقال: سميت به نفسك، فأنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما سمى به نفسه. وأجاب الحافظ على هذا الإشكال بجواب مستفيض وحقق تحقيقاً قلّ ما يوجد له نظير - فيما علمنا- وملخصه هو الآتي: إن العطف بين هذه الجمل من باب عطف الخاص، لأن كل جملة أخص من التي قبلها، والمعهود في باب عطف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف إلا أن العطف بـ"أو" على العام له فائدة أخرى غير الفائدة التي في العطف بالواو. وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع كما بنى عليه تاماً. فيقال: سميت به نفسك فإما أنزلته في كتابك. وإما علمته أحداً من خلقك اهـ. قلت: ولا يستبعد لو قيل: إن "أو" هنا معنى الواو، وهو أسلوب متبع معروف عند أهل اللغة. ثم انتقل ليذكر لنا فائدة أخرى في الحديث، وملخص ذلك: أن الحديث يدل على أن أسماء الله غير مخلوقة، بل هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه، ولهذا لم يقل: كل اسم خلقته لنفسك، ولو كانت مخلوقة لم يسأله بها. فإن الله (لا يقسم عليه) بشيء من خلقه، فالحديث صريح في أن أسماء الله ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم، ويدل أيضاً على أن الأسماء مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة قائمة به تعالى فأسماؤه غير مخلوقة اهـ. فإن قيل: فالاسم عندكم هو المسمى أو غيره؟! قيل: طالما غلط بعض الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه. فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه وسمع الله ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، أو الرحيم من أسماء الله، وما في هذا المعنى فالاسم ها هنا هو اللفظ الدال على المسمى، ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى، فحق. وإن أريد أن الله كان وليس له أسماء حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد اهـ. ثم واصل كلامه قائلاً قوله: "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتعسين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره. وعلى هذا فقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" لا ينفي أن يكون له سبحانه غيرها والكلام جملة واحدة اهـ. قلت: وعلى هذا يكون إعراب الجملة هكذا: لله جار ومجرور حال مقدمة على صاحبها، وتسعة وتسعون مبتدأ ، وسوغ الابتداء بالنكرة تقدم الحال وهو جار ومجرور، وهو المسوغ أيضاً لكون صاحب الحال نكرة، وجملة من أحصاها دخل الجنة خبر المبتدأ. ويكون المعنى هكذا: تسعة وتسعون اسماً حال كونها ثابتة لله مخبر عنها بدخول الجنة لمن حفظها وأحصاها، مؤمناً بها دون إلحاد فيها، والله أعلم. وقد أشار الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلى هذا المعنى نقلاً عن الخطابي. وقد أوضح ابن القيم هذا المعنى بقوله: "كما يقال لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة، وله مائة فرس أعدها للجهاد. قلت: ألا ترى أن هذا التركيب لا يمنع أن يكون لزيد عبيد آخرون أعدهم للخدمة، أو يكون له عدد آخر من الفرس أعدها لغرض آخر غير الجهاد. وكذلك الحال هنا إذ لا مانع أن يكون لله أسماء غير هذا العدد المذكور في الحديث". بل صرح الحافظ ابن القيم أن هذا رأي الجمهور وما خالفهم في ذلك إلا ابن حزم فزعم أن أسماء الله تنحصر في هذا العدد اهـ. وسيأتي نص كلامه رحمه الله إن شاء الله. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني - وهو يتكلم على حديث أبي هريرة الذي نحن بصدد شرحه: ""لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً"الحديث وقد اختلف في هذا العدد: هل المراد به حصر الأسماء الحسنى في هذه العدة أو أنها أكثر من ذلك؟ ولكن اختصت هذه بأن من أحصاها دخل الجنة، فذهب الجمهور إلى الثاني ونقل النووي اتفاق العلماء عليه فقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى وليس معناه أنه ليس له اسم غير التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنة. فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء اهـ. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه أحمد وصححه ابن حبان: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت له نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وعند مالك عن كعب الأحبار في دعاء "أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم" وأورد الطبري عن قتادة نحوه. ومن حديث عائشة أنها دعت بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام نحو ذلك. وقال الخطابي في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد وليس فيه منع ما عداها من الزيادة، وإنما التخصيص لكونها أكثر الأسماء وأبينها معاني. وخبر المبتدأ في الحديث هو قوله: "من أحصاها" لا قوله: "لله" . قلت: وقد تقدم الكلام على هذت الإعراب المشار إليه بالتفصيل، ولله وحده الحمد والمنة، والمعنى الذي ذكره الخطابي قد ذكره أيضاً القرطبي وابن بطال نقلاً عن القاضي أبي بكر الطيب وسبق أن نقلناه عن الحافظ ابن قيم الجوزية، وقد نوه أنه رأي الجمهور ولم يخالفهم إلا ابن حزم، رحمه الله: حيث يقول: "قال أبو محمد بن حزم رحمه الله: وأن له عز وجل تسعة وتسعن اسماً مائة إلا واحداً، وهي أسماؤه الحسنى، ومن زاد شيئاً من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه. وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة" هذا نص كلام أبي محمد. ثم ساق حديث أبي هريرة بإسناده، قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة ألا واحداً، من أحصاها دخل الجنة"، ثم ذكر الزيادة التي يقول: "إنه وتر يحب الوتر"، وهي زيادة صحيحة وردت في بعض طرقه قم قال: وقد صح أنها تسعة وتسعون اسماً فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسما زائد لأنه صلى الله عليه وسلم قال: مائة غير واحد. فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد، لكانت مائة اسم. ولو كان هذا لكان قوله صلى الله عليه وسلم: "مائة إلا واحداً" (كذباً) ومن أجاز هذا فهو كافر اهـ. عفا الله عن أبي محمد لقد بالغ في هذا الإنكار، والتكفير ليس بالأمر الهين، فنعتذر له قائلين، لعل الذي حمله على هذه المبالغة حرصه الشديد على التقيد بالنصوص، وهو أمر مطلوب بل واجب، ولكنه كان يسعه غير هذا الأسلوب بأن يقول: إن الزيادة غير جائزة ما لم يرد ما يدل عليها، كان يسعه هذا المقدار من التقييد، ولكنه أبى إلا أن يبالغ عفا الله عنا وعنه . وأما النص الذي اعتمده الجمهور والذي فهموا منه أن حديث أبي هريرة وما في معناه لا يمنع أن يكون لله اسم آخر أو أسماء وهو حديث ابن مسعود الذي نحن بصدد مناقشته. فقد اتضح من استعراض أقوال أهل العلم ومناقشتهم للحديثين، حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود اللذين ظاهرهما التعارض قبل استيضاح المراد من حديث أبي هريرة في حفظ عدد كثير من الأسماء الحسنى، اتضح أن الصواب مع الجمهور، وأن التوفيق بين الحديثين بالطريقة التي سلكوها أمر لا بد منه ليمكن العمل بهما معاً، وهي طريقة أهل الحديث المعروفة -والتي بها يمنع التضارب بين النصوص الصحيحة عند ما يظهر لأول وهلة التعارض بينها رحمهم الله. قال الحافظ ابن حجر: ظاهر كلام (ابن كج) حصر أسماء الله في العدد المذكور، وبه قال ابن حزم، ونوزع. ويدل على صحة قول من خالفه حديث ابن مسعود في الدعاء الذي فيه: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" كما يدل على عدم الحصر أيضاً اختلاف الأحاديث الواردة في سردها، وثبوت أسماء غير ما ذكرت في الأحاديث الصحيحة الأخرى . قال القرطبي: "فأسماء الله وإن تعددت فلا تعدد في (ذاته) ولا تركيب لا محسوساً كالجسميات ولا عقلياً كالمحدودات. وإنما تعددت الأسماء بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات. ثم هي من جهة دلالتها على أربعة أضرب: 1- ما يدل على الذات مجردة، كالجلالة فإنه يدل عليه دلالة مطلقة غير مقيدة. وبه تعرف جميع أسمائه. فيقال: الرحمن مثلاً من أسماء الله ولا يقال: الله من أسماء الرحمن ولهذا كان الأصح أنه اسم علم غير مشتق وليس بصفة " اهـ قلت: لا يمنع هذا أن يكون أصل (الله) (إله) وهو المألوه، أي المعبود، وقد تقدم تحقيق ذلك في المبحث الأول. 2- ما يدل على إضافة أمر ما إليه كالخالق والرازق (مثلا). 3- ما يدل على الصفات الثابتة للذات كالعليم والقدير والسميع والبصير (مثلا). 4- ما يدل على سلب شيء عنه كالعلي والقدوس (مثلا) . وهذه اٍلأسماء الأربعة منحصرة في النفي والإثبات ا.هـ قال الفخر الرازي في شرح الأسماء الحسنى: "الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة: 1- ثابتة في حق الله قطعاً. 2- ممتنعة قطعاً. 3- ثابتة ولكن مقرونة بكيفية. فالقسم الأول: فيه ما يجوز ذكره مفرداً ومضافاً وهو كثير جداً، كالقادر والقاهر. ومنه ما يجوز مفرداً ولا يجوز مضافاً إلا بشرط، كالخالق فيجوز (خالق) ويجوز خالق كل شيء مثلاً ولا يجوز خالق القردة " اهـ. قلت: وإنما منع ذلك تأدباً مع الله سبحانه وتقديراً له جل وعلا، وإلا فإن القردة داخلة في عموم قوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}. ومنه عكسه. يجوز مضافاً، ولا يجوز مفرداً كالمنشئ، ويجوز منشئ الخلق، ولا يجوز منشئ فقط، قلت: لأنه إنما يستعمل في حقه تعالى من حيث المعنى لا لأنه من أسمائه الواردة (لأن أسماء الله توقيفية عند أهل السنة بخلاف المعتزلة). وقد استطرد الحافظ ابن حجر إلى ذكر (الاسم الأعظم) الذي إذا دُعي به لا يرد، وذكر اختلاف أهل العلم فيه منهم من أنكره مثل أبي جعفر الطبري، وأبي الحسن الأشعري، وجماعة بعدهما كأبي حاتم ابن حبان، والقاضي أبي بكر الباقلاني، فقالوا: لا يجوز تفضيل بعض الأسماء على بعض، ونسب ذلك بعضهم لمالك لكراهته أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور (لئلا يظن أن بعض القرآن أفضل من بعض)، فيشعر ذلك باعتقاد نقصان المفضول، وحملوا ما ورد من ذلك على أن المراد بالأعظم العظيم، (وجعلوا اسم التفضيل على غير بابه) (وهو أسلوب معروف عند علماء العربية)، وأن أسماء الله كلها عظيمة. وقال ابن حبان: "الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك. كما إذا أطلق ذلك في القرآن، المراد به مزيد ثواب القارئ، وقيل: المراد بالاسم الأعظم، كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد به مستغرقاً بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله تعالى، فإن من تأتى له ذلك استجيب له، ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق، وعن الجنيد وعن غيرهما. وقال آخرون: استأثر الله تعالى بعلم الاسم الأعظم، ولم يُطْلِعْ عليه أحداً من خلقه وأثبته آخرون، واضطربوا في ذلك "اهـ. ثم ذكر أربعة عشر قولاً فرأيت أن أقتصر على أحد عشر قولاً فقط، وهي الأقوال التي تطمئن إليها النفس تقريباً، نسردها فيما يلي: 1- إن الاسم الأعظم (الله) لأنه لم يطلق على غيره سبحانه، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه. 2- (الله الرحمن الرحيم) ولعل مستند هذا القول ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها: "أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمها الاسم الأعظم، فلم يفعل"، فصلّت ودعت: "اللهم أني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم بأسمائك الحسنى كلها، ما علمت منها ومالم أعلم" الحديث، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: "إنه في الأسماء التي دعوتِ بها"، قال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى " اهـ. ولعل ذلك النظر الذي أشار إليه الحافظ رحمه الله: أن عائشة إنما دعت بالله، والرحمن، والرحيم، وجميع الأسماء الحسنى ما علمت منه وما لم تعلم. فالاستدلال بالحديث على بعض ما دعت به دون بقية الأسماء غير وارد. والله أعلم. 3- (الرحمن الرحيم، الحي القيوم) لما أخرج الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}، وفاتحة سورة آل عمران {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}"، أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي، وحسنه الترمذي بل قد (صححه)، وفيه نظر لأنه من رواية شهر بن حوشب. 4- (الحي القيوم) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي أمامة: "أن الاسم الأعظم في ثلاث سور: البقرة، وآل عمران، وطه"، قال القاسم الراوي عن أبي أمامة: التمست منها فعرفت أنه (الحي القيوم)، وقواه الفخر الرازي واحتج بأنهما يدلان على صفة العظمة بالربوبية ما لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما. 5- (الحنان، المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، الحي القيوم)، ورد ذلك مجموعاً في حديث أنس عند أحمد والحاكم وأصله عند أبي داود والنسائي وصححه ابن حبان. 6- (ذو الجلال والإكرام) أخرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل. قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: يا ذا الجلال والإكرام) فقال: "قد استجيب لك فسل" واحتج له الفخر الرازي بأنه يشمل جميع الصفات المعتبرة في الإلهية، لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام إشارة إلى جميع الإضافات. 7- (الله لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، من حديث بريدة، وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك. 8- (رب رب) أخرجه الحاكم من حديث أبي الدرداء وابن عياض، بلفظ (اسم الله الأكبر رب) وأخرجه ابن أبي الدنيا عن عائشة: إذا قال العبد يا رب يا رب، قال الله تعالى: "لبيك عبدي سل تعط"، رواه مرفوعاً وموقوفاً. 9- دعوة ذي (النون) أخرجه النسائي والحاكم عن فضالة بن عبيد – رفعه - دعوة ذي النون في بطن الحوت {لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ولم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له. 10- هو مخفي في الأسماء الحسنى ويؤيده حديث عائشة المتقدم لها دعت ببعض الأسماء الحسنى، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لفي الأسماء الحسنى التي دعوت بها". 11- كلمة التوحيد، نقله عياض اهـ. هكذا ينتهي الكلام على الباب الأول (الأسماء الحسنى والصفات العلى والفرق بينهما) بعد أن أثبتنا أن أسماء الله تعالى مشتقة من صفاته أو تدل على صفاته تعالى على اختلاف أنواعها. والله الموفق. الباب الثاني: أنواع الصفات عند السلف والخلف أ- الصفات السلبية: أما السلف فإنهم لم يتوسعوا في تقسيم الصفات وتنويعها، إذ ليس من عاداتهم الإسراف في الكلام في المطالب الإلهية، بل لا يكادون يتجاوزون الكتاب والسنة في مبحث الصفات، إلا أن أولئك الذين حضروا زمن الفتنة (بعد نشأة علم الكلام في عهد العباسيين) وابتلوا بمناقشة علماء الكلام وجدالهم بأسلوبهم اضطروا للخوض في تقسيم الصفات بِقَدَرٍ، كما سيأتي بيان ذلك عند الكلام على الصفات الخبرية إن شاء الله. وأما الخلف ، فقد أولعوا بتقسيم الصفات وتنويعها، ومن ذلك تنويعهم الصفات إلى نفسية وسلبية وصفات معان، ومعنوية وصفات فعلية، وصفات جامعة، والصفة الإضافية وهي تتداخل مع الفعلية كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله. أما الصفات السلبية فهي خمس صفات عند الأشاعرة: 1- القدم. 2- البقاء. 3- الوحدانية. 4- المخالفة للحوادث. 5- الغنى المطلق، المعروف عندهم (القيام بالنفس). قال العلامة الشيخ محمد أمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان: "اعلم أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام: 1- صفة نفسية. 2- صفة سلبية. 3- صفة معنى. 4- صفة معنوية. 5- صفة فعلية. 6- صفة جامعة. مثل العلو والعظمة مثلاً. 7- الصفة الإضافية هي تتداخل مع الفعلية. لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة. وتنفرد الفعلية في نحو الاستواء وتنفرد الإضافية في نحو كونه تعالى موجوداً قبل كل شيء، وأنه فوق كل شيء، لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية وليستا من صفات الأفعال اهـ. وضابط الصفة السلبية عندهم: هي الصفة التي لا تدل بدلالة المطابقة، على معنى وجودي أصلاً، وإنما تدل على المعنى السلبي غير الثبوتي كالقدم يدل على ما سبق العدم، والبقاء يدل على عدم لحوق الفناء إلى آخر الصفات الخمسة التي تقدم ذكرها. وقال بعضهم: هي التي تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله والتعريفان متقاربان كما ترى. وهناك صفات سلبيات أخرى غير الصفات السلبيات التي اصطلح عليها الأشاعرة التي تقدم الحديث عنها، ونعني بالسلبيات هنا الصفات التي تدخل عليها (أداة) النفي مثل (لا)، و (ما) و(ليس) وهذا النوع من السلوب والنفي كثير في القرآن، وإنما يقع النفي في القرآن لتضمنه كمال ضد الصفة المنفية، بل لقد ثبت (بالاستقراء) أن كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، كقوله تعالى: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ، لكمال عدله، وقوله تعالى: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ} ، لكمال علمه، وقوله: {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} ، لكمال قوته، وقوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} ، لكمال حياته وقيوميته، وقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} ، لكمال جلاله وعظمته وكبريائه، وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه، ألا ترى أن قول الشاعر: قُبَيِّلَة لا يَغْدِرَون بذمِّة ولا يظلمون الناس حبة خردل لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده، وتصغيرهم بقوله: (قُبَيِّلَة) عُلِمَ أن المراد عجزهم وضعفهم لا كمال قدرتهم، وقول آخر: لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء وإن هانا لما اقترن بنفي الشر عنهم ما دل على ذمهم علم أنّ المراد عجزهم وضعفهم أيضاً، ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كاتب الله مفصلاً والنفي مجملاً عكس طريقة أهل الكلام المذموم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، يقولون: ليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة لحم، ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض إلى آخر تلك السلوب الكثيرة التي تمجها الأسماع وتأنق من ذكرها النفوس والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حق قدره، وهذه السلوب نقلها أبو الحسن الأشعري رحمه الله عن المعتزلة، وهي لا تخلو من الحق، ولكن فيها من الباطل الشيء الكثير، ويظهر ذلك لمن يعرف أسلوب الكتاب والسنة في هذا الباب. وهو التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي كما تقدم. ثم إن هذا النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه، فيه إساءة أدب مع الله سبحانه. فإنك لو قلت لسلطان: أنت لست بزبَّال ولا كسّاح ولا حجام ولا حائك لأدبك على هذا الوصف وإن كانت صادقاً، وإنما تكون مادحاً إذا أجملت فقلت: أنت لست مثل أحدٍ من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجل، فإن أجملت في النفي أجملت في الأدب. والتعبير على الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الإلهية هو سبيل أهل السنة والجماعة . والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع في الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها ويجعلون ما يبتدعونه من المعاني والألفاظ هو الحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده. "والمقصود: أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا، وأما الإثبات فهو قليل، وهو أنه عالم، قادر حي" اهـ . فلنكتف بهذا المقدار من الصفات السلبية لنأخذ في الحديث في الصفات الثبوتية في الفصل التالي (مستعينين بالله وحده). ب- الصفات الثبوتية: إذا علم مما تقدم أن الصفات السلبية هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله كالقِدّم الذي ينفي عن الله عدم الأولية والبقاء الذي ينفي عن الله لحوق العدم، أي عدم الآخرية، أو التي تقع في سياق النفي، أي بعد أداة النفي مثل (لا) و (ما) و (ليس) كقوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} ، وقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، إذا علم ذلك فإن الصفات الثبوتية هي التي تدل على معنى ثبوتي ووجودي. ومن الصفات الثبوتية تلك الصفات السبع المعروفة عند الأشاعرة بصفات المعاني: كالقدرة والإرادة والسمع والبصر والعلم والحياة والكلام، وهذه الصفات وأمثالها تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي مع تضمنها سلب أضدادها، فالقدرة مثلاً تدل على معنى وجودي لأنها صفة بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة وفي الوقت نفسه تدل على سلب العجز عن الله تعالى ضرورة استحالة اجتماع الضدين عقلاً، وهكذا بقية الصفات الثبوتية، وهذه الصفات محل إجماع بين الصفاتية من أتباع السلف الصالح والأشاعرة وغيرهم من مثبتة الصفات، لذلك لسنا بحاجة إلى سوق الأدلة لإثباتهان وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع بين أهل الإثبات على اختلافهم فيما عداها كما سيأتي قريباً. ج- صفات الذات: يقال للصفات الثبوتية: صفات الذات إضافة إلى الذات العلية لملازمتها للذات لأنها لا تتجدد تجدد صفات الأفعال، فهي بهذا الاعتبار ذاتية، ومن حيث دلالتها على معنى ثبوتي ووجودي يقال: (ثبوتية، كالعلم والسمع والبصر والعزة والحكمة) وغيرها. وهي بهذا الاعتبار تقابل السلبية وقد تقدم الكلام عليها. ومن الصفات الذاتية صفات شرعية وعقلية مثل الصفات السلبية الخمس المعروفة عند الأشاعرة وصفات المعاني التي تقدم الكلام فيها، ومنها صفات خبرية محضة وهي الصفات التي الأصل في إثباتها الخبر عن الله عز وجل أو عن رسوله المعصوم مثل الوجه واليد والقدم والساق والأصابع هذه صفات ذاتية ملازمة للذات العلية وثابتة ثبوت الذات، فإذا هي ثبوتية وذاتية وهي معروفة بالصفات الخبرية، وسيأتي تفصيل الكلام فيها وهي تقابل الصفات الفعلية المتجددة كما تقابل الصفات السلبية من حيث الدلالة، والله أعلم. د- صفات الفعل: أما الصفات الفعلية فقد اختلف أهل العلم في تعريفها، وفي التفريق بينها وبين الصفات الذاتية. وهي من الصفات الثبوتية التي تقدم ذكرها. قال (ملا علي القاري) الحنفي المتوفى سنة (1001هـ) رحمه الله في شرحه على (الفقه الأكبر) للإمام أبي حنيفة رحمه الله (المتوفى سنة150هـ). قال (ملا) في تعريف الصفات الفعلية: "وهي التي يتوقف ظهورها على وجود الخلق"، ثم قال: "اعلم أن الحد بين صفات الذات وصفات الفعل مختلف فيه. فعند المعتزلة: ما جرى في النفي والإثبات فهو من صفات الفعل، كما يقال خَلَقَ لفلان ولداً، ولم يخلق لفلان، ورزق زيداً مالاً ولم يرزق عمراً. وما لا يجري فيه النفي فهو من صفات الذات، كالعلم والقدرة، فلا يقال: لم يعلم كذا، ولم يقدر على كذا. والإرادة والكلام من صفات الفعل عند المعتزلة بخلاف غيرهم من أهل السنة والأشاعرة قلت: على تفصيل معروف عند كل طائفة. وأما عند الأشعرية فالفرق بينهما أن ما يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الذات، فإنك لو نفيت الحياة يلزم الموت، ولو نفيت القدرة يلزم العجز، وكذا العلم مع الجهل وما لا يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الفعل. ولو نفيت الإحياء أو الإماتة أو الخلق أو الرزق لم يلزم من نفيه نقيضه، كما لا يخفى. فعلى هذا الحد لو نفيت الإرادة لزم منه الجبر والاضطرار، ولو نفيت عنه الكلام لزم منه الخرس والسكوت فثبت أنهما من صفات الذات، لا كما تقول المعتزلة كما تقدم، ثم قال القاري: وعندنا – يعني (الماتريدية)- أن كل ما وصف به ولا يجوز أن يوصف بضده فهو من صفات الذات، كالقدرة والعلم والعزة والعظمة، وكل ما يجوز أن يوصف به وبضده فهو من صفات الفعل كالرأفة والرحمة والسخط والغضب" اهـ. هذه اصطلاحات وقد لا يختلفون في جوهر المسألة... مناقشة أقوال الثلاثة عند إمعان النظر في الأقوال الثلاثة في تحديد صفة الفعل وبيان الفرق بينهما وبين صفة الذات، وعند إمعان النظر في تلك الأقوال نجد أن الخلاف لفظي تقريباً، لأن المعتزلة الذين قد يثبتون الأسماء أو أحكامها أحياناً، أو يلزمهم ذلك- يمثلون للصفات الفعلية بالخلق والرزق مثلاً، وكذلك فعلت الأشاعرة أيضاً كما يتفق الفريقان على أن القدرة والعلم والعزة مثلاً من صفات الذات. وكذلك الماتريدية تتفق مع الفريقين في أمثلة الصفات الذاتية، هذا بالجملة، وأما عند التفصيل فنجد اتفاقاً أحياناً واختلافاً وتداخلاً أحياناً، لأنه أقوال ترجع في غالبها إلى الاصطلاح والاصطلاحات قد تتفق وقد تختلف، كما هو معروف، ولا يمس ذلك جوهر المسألة كما أسلفنا. فالقول الإجماع لهذه الأقوال - في فهمنا- أن صفات الأفعال أو الصفات الاختيارية تختلف عن الصفات الذاتية الثبوتية التي تتعلق بها مشيئة الله تعالى لا بأعيانها ولا بأنواعها، كالقدرة والإرادة والعلم والسمع، والبصر والحكمة والعزة والوجه واليد وغيرها، بل هي صفات تتعلق بها مشيئة الله، وتتجدد حسب المشيئة، كالمجيء والاستواء والغضب والفرح والضحك. أما صفة الكلام فهي من صفات الذات باعتبار أصل الصفة، ومن صفات الأفعال باعتبار أنواع الكلام وأفراده، والله أعلم. هذا ما يدل عليه كلام أهل العلم من أتباع السلف عند التحقيق، وبالله التوفيق. الفصل الأول: الصفات الشرعية العقلية والصفات الخبرية تتنوع صفات الرب تعالى من حيث ثبوتها إلى نوعين: النوع الأول: الصفات الشرعية العقلية، وهي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة وهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثبوتية يشترك فيها الدليلان السمعي والعقلي، وقد تقدم الحديث عنها في غير موضع. النوع الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية، وهي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع، والخبر عن الله، أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم، أي لا سبيل للعقل على انفراده إلى إثباتها، لولا الأخبار المنقولة عن الله، وعن رسوله عليه الصلاة والسلام، وهي خبرية محضة بيد أن العقل السليم لا يعارض فيها الخبر الصحيح كما هو معروف، وأمثلتها كالآتي: 1- الوجه، 2- اليد، 3- العين، 4- الغضب، 5- الرضا، 6- الفرح، 7- القَدَم. 8- الاستواء، 9- النـزول، 10- المجيء، 11- الضحك. وهي تنقسم إلى قسمين: أ- صفات فعلية تجدد حسب مشيئة الله وهي: 1- النـزول، 2- الاستواء على العرش، 3- المجيء لفصل القضاء بين عباده سبحانه يوم القيامة كما يليق به، 4- الغضب، 5- الفرح، 6- الضحك كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، نثبتها كلها ونؤمن بها لورود الخبر، وصحته ولولا ذلك لأمسكنا عن الكلام في هذه الصفات وغيرها من الصفات والأسماء، لأنها توقيفية، هذا ما نعنيه بالخبرية ولا يمنع ذلك إثبات الصفات الخبرية بالأدلة العقلية مع الأدلة النقلية التي هي الأصل، وسيأتي ذكر الأدلة بالتفصيل في آخر فقرة من فقرات هذا الباب إن شاء الله. ب- صفات ذاتية قائمة بذاته العلية وهي قديمة قِدَم الذات مثل الوجه واليد والعين والقَدَم: وهذه الصفات وإن كانت تعد في حق المخلوق جوارح وأعضاء وأبعاضاً وأجزاء ولكنها في حق الله تعالى صفات أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، لا نخوض فيها بأهوائنا وآرائنا، بل نفوض كنهها وحقيقتها إلى الله تعالى لعدم معرفتنا لحقيقة الذات، لأن معرفة حقيقة الصفة متوقفة على معرفة حقيقة الذات كما لا يخفى، بل نثبتها ونؤمن بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف وتجسيم وتشبيه. وهكذا يقال في الرحمة والمحبة والرضا، وسائر صفات الرب تعالى. وهذه الصفات وكثير من صفات الله قد تشترك مع صفات خلقه في اللفظ وفي المعنى العام المطلق قبل أن تضاف صفات الله إلى الله، وتضاف صفات المخلوق إلى المخلوق، وبمجرد الإضافة تختص صفات الخالق بالخالق، وصفات المخلوق بالمخلوق، فصفات الله كما يليق بعظمته وجلاله، وصفات المخلوق كما يليف بحدوثه وضعفه ومخلوقيته، ولا يغيب عن بالنا- ونحن نتحدث عن صفات الله- ولا ينبغي أن يغيب- ما قاله أحد الأئمة الأربعة المشهود لهم بالإمامة، بل هو أحد أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين (وهم الثوري بالعراق، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، ومالك بالحجاز) ، وهو المعروف بإمام دار الهجرة، أجل لا يغيب عن بالنا ما قاله هذا الإمام عندما سئل عن كيفية استواء الله على عرشه، حيث قال السائل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ هكذا نص السؤال. وقد اندهش الإمام مالك من هذه الجرأة، ثم أجاب قائلاً: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، وهذا الجواب مشهور عن الإمام مالك، رواه غير واحد من أهل العلم، ويروى عن شيخه (ربيعة) وقبله عن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذا الجواب صالح لكل سؤال يوجه، وهو يبحث عن كيفية صفة من صفات الله تعالى، مثل النـزول، والمجيء، والوجه، واليد، وغيرها (وبالله التوفيق). الفصل الثاني: مبحث التجدد في الصفات والأفعال قبل أن أقول شيئاً من عند نفسي ومن فهمي أستحسن أن أنقل هنا قطعة قصيرة من كلام الإمام الطحاوي في عقيدة مفسرة بكلام الشارح وموضحة. قال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزلياً كذلك لا يزال عليها أبدياً"، وهذا كلام موجز جداً، ولكنه مليء يحمل في طياته معنى عظيماً وعميقاً. قال الشارح - وهو يشرح هذا الكلام ويوضحه: أي أن الله سبحانه وتعالى، لم يزل متصفاً بصفات الكمال، صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله اتصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها، لأن صفاته سبحانه صفات كمال، وفقدها صفة نقص، فلا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده. ثم قال الشارح: ولا يرد على هذه (القاعدة) صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها، كالخلق والتصوير، والإحياء والإماتة والقبض، والبسط والطي والاستواء، والإتيان والمجيء والنـزول والغضب والرضى، ونحو ذلك مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا كما قال الإمام مالك رضي الله عنه ورحمه لما سئل عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فقال الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". ثم قال الشارح: "وإن كانت هذه الأفعال تحدق في وقت دون وقت كما في حديث الشفاعة: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" . لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع، ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن، ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس لا يقال: إنه حدث له الكلام، ولو كان غير متكلم لآفة كالصغر والخرس ثم تكلم، يقال: حدث له كلام، فالساكت لغير آفة يسمى متكلماً بالقوة، بمعنى أنه يتكلم إذا شاء، وفي حال تكلمه يسمى متكلماً بالفعل اهـ. وفي ضوء كلام الإمام الطحاوي: "ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه" إلى آخره، ثم كلام الشارح الذي أوضح المسألة بما لم يترك مجالاً للتساؤل أو التردد، نستطيع أن نقول: إن صفات الله تعالى ثابتة أزلاً وأبداً، ولا تتجدد سواء في ذلك صفات الذات – والأمر فيها واضح- أو صفات الفعل على ما تقدم، وفي ضوء ذلك نقول: إن تجدد صفات الفعل في وقت دون وقت لا يقال فيه: إنه تعالى اتصف بصفة كان فاقدها، أو كانت ممتنعة في حقه، أو فعل فعلاً كان ممتنعاً في حقه، كما يزعم بعض أهل الكلام المذموم، بل الفعل ممكن في حقه تعالى، في كل وقت لأنه لا يجوز أن يعتقد أنه تعالى كان معطلاً عن الفعل في وقت من الأوقات، لأن الفعل كمال، وعدمه نقص ، بمعنى أن الفعل كان ممتنعاً، ثم انقلب من الامتناع الذاتي، إلى الإمكان الذاتي، كما تقول المعتزلة: ومن إذا أراد أن يفعل فَعَلَ، ولا مانع له من الفعل، فهو فاعل باشَر الفِعْل، أو لم يباشر على ما تقدم في صفة الكلام، ولعل قوله تعالى: {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} يدل على هذا المعنى. وأحسب أن هذا ما يعنيه القائلون باستمرارية أفعال الرب تعالى، وأبديتها، بل وأزليتها، كما يقول ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وجمهور أهل العلم. وهذا المعنى وارد شرعاً وعقلاً كما ترى، وكيف يسوغ عقلاً أن يعتقد أن الله تعالى كان معطلاً عن الفعل في لحظة من اللحظات، فمن الذي يمنعه ويحول بينه وبين أن يفعل ما يشاء إذا شاء؟‍‍‍‍‍‍‍!! سبحانه وتعالى عما يزعمه المعطلون علواً كبيراً. وهنا مسألة في غاية الأهمية وهي أن بعض نفاة الصفات أو نفاة صفات الفعل قد يتذرع إلى نفي هذه الصفات بقولهم: لا يليق بالله أن نصفه بحلول الحوادث بذاته تعالى، هكذا يجملون القول، فيسلم السني للنافي ذلك على إجماله، ظناً منه أنه نفى عن الله سبحانه ما لا يليق بجلاله، ثم يحاول النافي أن يلزم السني نفي صفات الفعل، وهو غير لازم له عند التحقيق، ولكن السني أتي من تسليمه هذا النفي المجمل، وهو أنه تعالى لا تحل به الحوادث، فلو استفسر السني واستفصل لما ألزمه. ولذلك لا ينبغي استعمال هذه الألفاظ المجملة لا نفياً ولا إثباتاً، إلا بعد بيان المعنى المراد. ومسألة حلول الحوادث بذاته من المسائل، أو من التعبيرات التي أحدثها المتكلمون، وخاضوا فيها، وخدعوا بها من لا يفطن لأساليبهم، وهو تعبير لا وجود له لا في الكتاب، ولا في السنة لا نفياً ولا إثباتاً، وغير معروف عن سلف الأمة، وهذا النفي قد يكون صحيحاً بعد التفسير لأنه إن أريد به بأنه لا يحل بذات الله المقدسة شيء من المخلوقات المحدثة، أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن له من قبل، فهذا النفي صحيح على ما تقدم في معنى التجدد. وإن أريد بالنفي أن الله تعالى لا يفعل ما يشاء، ولا يتكلم بما شاء، إذا شاء، ولا يفرح ولا يغضب، ولا يرضى كما يليق به في ذلك كله، أي لا يوصف بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله من الصفات التي ذكرناها وغيرها كالاستواء والنـزول، والمجيء لفصل القضاء يوم القيامة فهذا النفي باطل. ولا يقال: إن من يثبت هذه الصفات، وما في معناها يقول بحلول الحوادث بالله تعالى، لأن التعبير اصطلاح جديد ابتدعه علماء الكلام بعد نشأة علم الكلام، وانتشاره في صفوف المسلمين المتأخرين (الخلف)، ولا ينبغي أن نجعل هذا الاصطلاح الحديث قاعدة نبني عليها نفي صفات الله التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله الأمين، ودرج المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين على إثباتها، والإيمان بها دون أن يَشِذّ فردٌ منهم، ولله الحمد والمنة على ذلك. ومما له صلة بهذه الفقرة مسألة: هل الصفة زائدة على الذات، أو هل هي غير الذات أم لا؟ وهذا أيضاً من الأساليب التي أحدثها علماء الكلام، ولا عهد لعلماء السلف بهذا الأسلوب، بل السلف يكرهون مثل هذه الألفاظ المجملة، رغبة منهم في الوقوف مع النصوص، وعدم الخروج منها في هذه المطالب الإلهية العظيمة. أما المتأخرون من أتباع السلف الذين اضطروا إلى الخوض مع أهل الكلام للذود عن العقيدة، وللحفاظ عليها فإنهم قالوا: إن أريد بقولهم بأن الصفة غير الذات أو زائدة على الذات أن هناك ذاتاً مجردة قائمة بنفسها، منفصلة عن الذات، فهذا غير صحيح. وإن أريد أن الصفات زائدة عن الذات بمعنى أن للذات معنى غير معنى الصفة ومفهوم الصفات زائد على مفهوم الذات، بيد أنها لا تنفك عن الذات، فهذا صحيح . ولكن لا ينبغي استخدامه إلا عند الحاجة، ومع التفصيل والبيان وبدون ذلك يعتبر خوضاً لا طائل تحته، والله أعلم. ومن هذا القبيل مسألة: هل الاسم غير المسمى، أو عين المسمى إذ قد يراد بالاسم المسمى نفسه، كأن يقال: الله مجيب الدعوات، الله لطيف بعباده، وقد يطلق الاسم مراداً به اللفظ المنطوق ذاته، كأن يقال: الله أكبر من ألفاظ الأذان أو الله أكبر كلمة يدخل بها في الصلاة مثلاً. وقد تقدم هذا البحث عند الكلام على الأسماء الحسنى في الباب الأول فليراجع. وعلى كل حال، إن هذا النوع من الخوض قد يضطر إليه الإنسان المعاصر وهو كاره على حد قولهم: (مكره أخاك لا بطل). وبعد أن استعرضنا أنواع الصفات المصطلح عليها عند السلف والخلف وأدركنا أثناء الاستعراض أن هناك صفات مجمعاً على إثباتها عند جميع الصفاتية سلفاً وخلفاً، وهناك صفات يختلفون فيها، حيث يرى السلف إثباتها، وإمرارها كما جاءت، شأنها عندهم شأن الصفات الأخرى المثبتة بإجماع الطرفين، بينما يرى الخلف وجوب تأويلها، والخروج بها من ظاهرها. ففيما يلي نخص هذا النوع بالحديث لنحاول أن نعرف المعنى العام لكل صفة من تلك الصفات عند السلف مع تفويض كنهها وحقيقتها إلى الله سبحانه على منهجهم الواضح الذي سبق أن أوضحناه، ولنرى تكلف الخلف بالتأويل الذي هو تحريف الكلم عن موضعه تحت العنوان الآتي. الفصل الثالث:معاني الصفات الخبرية نتحدث عن معاني هذه الصفات على الوجه التالي: 1- الاستواء، 2- النـزول، 3- الرحمة، 4- المحبة، 5- الغضب، 6- اليد، 7- الفرح، 8- الرضا، 9- الضحك، 10- الوجه، 11- القَدَم، 12- الكلام، 13- المجيء، 14- إثبات النفس له تعالى، 15- إثبات الرؤية لأهل الجنة وغيرها من صفات الأفعال والصفات الخبرية التي سيأتي تفصيلها قريباً إن شاء الله. القاعدة العامة عند السلف في هذا الباب: أما السلف فلدقة فقههم في هذا الباب خاصة وفي الأبواب الأخرى عامة في الأصول والفروع، فقد سَلّموا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فيرون بأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله، كما لا يصفه من خلقه أعلم به سبحانه من رسوله، فَوقَفُوا مع نصوص الكتاب والسنة دون محاولة لتجاوزها فلم يخوضوا فيها بالتحريف بدعوى أن ظاهرها غير مراد، بل أمروا النصوص كما جاءت، كتفين بفهم المعنى العام الذي يدل عليه اللفظ بالوضع دون تعمق أو تفلسف، أثبتوا لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله الأمين، عليه الصلاة والسلام، دون أن يصل بهم هذا الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم، بل سلكوا طريقاً وسطاً بين التعطيل والتشبيه والتجسيم، وهو طريق السلامة كما ترى، وكما سيتضح عندما نأخذ في التفصيل إن شاء الله. وسر المسألة أن معرفة حقيقة الصفة وكيفيتها تابعة لمعرفة حقيقة الموصوف وكيفيته، فإذا كان إيمان العباد بالله إيمان إثبات وتسليم دون محاولة لمعرفة حقيقة ذاته سبحانه فيلزم أن يكون إيمانهم بصفاته كذلك إيمان إثبات وتسليم لله، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يسلم إيمان المرء إلا بهذا التسليم وحده، ذلك لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحذو حذوه، ولا فرق عندهم بين هذه الصفات الخبرية التي نتحدث عنها وبين الصفات الأخرى من صفات المعاني والمعنوية والسلبية التي تقدمت، وتقدم الحديث عنها في غير موضع من الرسالة إذ كلها تبقى على ظاهرها، الظاهر الذي يليق بالله تعالى، ولا يفهم من النصوص إلا ذلك الظاهر اللائق، بل لا يجوز أن يعتقد أن النصوص قد تدل بظاهرها على مالا يليق بالله، لما في ذلك من إساءة أدب، بل إساءة ظن بالله الذي أنزل تلك النصوص، وأوحى بها إلى رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام. وهل يجوز أن يعتقد أن الله ينـزل آيات، ويوحي إلى نبيه بأحاديث ظاهرها ضلال أو كفر؟ ثم إن الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام لا يبين المعاني الصحيحة الحقة لأصحابه؟!‍ فلازم ذلك أن الصحابة لم يفهموا هذه النصوص على حقيقتها، فكيف يفهمون لأن الرسول لم يبين لهم تلك الحقيقة التي فهمها الخلف فيما بعد، وليت شعري من أين فهموها؟!! وقصارى القول: أن صفة الاستواء وما ذُكر بعدها في الصفحة السابقة من الصفات تبقى على ظاهرها كما يليق بالله تعالى، هذا هو موقف السلف بالاختصار. ثانياً: موقف الخلف في الجملة: أما الخلف: فمرادنا بهم علماء الكلام على اختلاف مناهجهم ومشاربهم، فإنهم قد تكلفوا جميعاً، فخاضوا – وهم في غنى عن الخوض، لو وُفقوا- وقد ذهبوا في تكلفهم ذلك مذاهب مختلفة ومتعددة، منهم من يؤول صفات الأفعال، وبعض الصفات الخبرية، وهم الأشاعرة مع إثباتهم كثيراً من الصفات الذاتية، كما سيأتي تفصيل ذلك، ومنهم من ينفي هذه الصفات نفياً دون اكتراث، أو التفات إلى النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة التي نطقت بهذه الصفات بأساليب متنوعة بدعوى أنها أدلة لفظية لا تفيد العلم واليقين، وهي مع ذلك مخالفة للدليل العقلي القطعي الذي يدل على أن إثبات هذه الصفات يؤدي إلى أحد مستحيلين: 1- إما تعدد القدماء إن قلنا: إن هذه الصفات قديمة قدم الذات، لأن ذلك يتنافى مع التوحيد، هكذا زعموا لأن حقيقة التوحيد عندهم نفي الصفات وإثبات ذات مجردة ذهنية، لا وجود لها في الخارج. 2- أو حلول الحوادث بذاته تعالى، إن قلنا: إنها حادثة، وذلك محال على الله، لأنه يؤدي إلى القول بأن الله محل للحوادث. وما أدّى إلى المحال فهو محال. فإثابتها إذاً محال. هكذا زعموا‍‍.!! هذا موقف الجهمية والمعتزلة، وبهذه الثرثرة التي زعموها أدلة قطعية نفوا جميع صفات الكمال - وصفات الله كلها كمال- ولم يثبتوا له أي صفة حتى أصبح وجود الله عندهم، وفي زعمهم وجوداً ذهنياً، إذ لا يتصور في الخارج موجود مجرد عن الصفات. وإنما يفرضه الذهن فرضاً كما يفرض أو يتخيل أي محال. وهذه النتيجة الحتمية التي لا بد منها لكل من أعرض عن كتاب الله، وهدي نبيه واتبع هواه. مناقشة الأشاعرة بالأدلة العقلية: ومن وصل إلى هذا المستوى من الإعراض، قلّما تجدي معه المناقشة، فلنترك المعتزلة إذاً لنعود لمناقشة الأشاعرة لقربهم من الصواب نوعاً ما، وعلى الرغم مما نقوله، ويقوله غيرنا من أن الأشاعرة يعدون من المثبتة، أو من الصفاتية، لإثباتهم كثيراً من الصفات الذاتية التي يسمونها - في اصطلاحهم- صفات المعاني وغيرها. على الرغم من هذا النوع من الإثبات، فإنهم وافقوا المعتزلة في تأويل الصفات الخبرية ، ذاتية أو فعلية فبذلك وقعوا في تناقض لم يقع فيه أحد لا من المثبتة ولا من النفاة، لأنهم فرقوا بين ما جمع الله في كتابه، أو فيما أوحاه إلى رسوله عليه الصلاة والسلام، فتراهم يثبتون السمع والبصر مثلاً، ولا يخطر ببالهم شيء من لوازم سمع وبصر المخلوقين، بل يزعمون أنهم يثبتون هذه الصفات على ما يليق بالله، فما هو المانع العقلي إذاً من إثبات الوجه، واليدين، وغيرهما مما أوجبوا التأويل فيه من الصفات على ما يليق بالله؟!! فما المانع أن نثبت لله وجهاً يليق به، واستواء يليق به دون التفات إلى لوازم وجه المخلوق، ومجيء المخلوق، واستوائه؟!! وما الذي يمنعهم أن يثبتوا جميع الصفات الثابتة بالأدلة النقلية دون أن يفرقوا بينها؟!! في ضوء قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، والآية جمعت بين التنـزيه والإثبات كما ترى ومعها آيات أخرى كثيرة في هذا المعنى، هل لعدم الثقة في كلام الله، وكلام رسوله مع الثقة الكاملة فيما يقوله الشيوخ؟!! فادعوا وجوب تأويل قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، وقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}، وغيرها من نصوص الصفات مع عدم وجوب تأويل قوله تعالى: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وغيرها من النصوص التي بينت نوعاً خاصاً من الصفات، وهي صفات المعاني والصفات المعنوية على الاصطلاح الخاص بهم، وكذلك الصفات السلبية على تفسيرهم. إن هذه الدعوى، وهذا التصرف الأشعري أو الكلابيّ على الأصح - إنما هو تصرف يستند إلى مجرد التقليد، لا يستند إلى دليل نقلي، أو عقلي مقبول لدى غيرهم من العقلاء، بل الذي ثبت بالتجربة والدراسة أن اللاحق منهم يرث هذا المنهج من السابق. فما وجده في كتاب من سبقه، أو سمعه من شيوخه هو المذهب الصحيح وهو الدّين وهو العقيدة دون تفكير في الدليل، ومن جهة أخرى، إن ما نفاه الشيوخ هو المنفي، ولو دلت عليه آية صريحة أو سنة صحيحة. والشيخ لا يسئل ولا يناقش فيما أثبته أو نفاه، بدعوى أن المناقشة غير جائزة في مثل هذه الموضوعات، والأسلوب التقليدي المتبع هو (هكذا نقلنا عن مشايخنا، وهم أعلم منا)!! وبعد، فإن الأسلوب الذي أشرنا إليه هو الأسلوب الذي كان متبعاً، وملتزماً لدى مشايخنا الذين درسنا عليهم العقيدة الأشعرية، وإنما نوّهت به، أو رويته لأثبت بالعيان، لا بالإخبار، أن العقيدة الأشعرية كثيراً ما تعتمد على التقليد الوراثي كما أسلفنا، وهذا هو سر تناقضهم بالتفريق بين الصفات كما تقدمت الإشارة إلى الأمثلة، والذي يقتضيه المنطق السليم إما أن يثبتوا جميع الصفات الثابتة بالكتاب والسنة، دون تفريق بين صفة وصفة، وهو المنهج السلفي الذي عليه علماء الحديث والسنة قديماً وحديثاً، وهو الذي يساير العقل والنقل كما علمنا مما تقدم، وفيه السلامة والعافية من القول على الله بغير علم، وهو موقف خطير جداً كما لا يخفى. وإما أن ينفوا جميع الصفات دون تفريق بين الذاتية والفعلية فيقفوا مع المعتزلة صفاً واحداً، ليتجه المصلحون السلفيون اتجاهاً واحداً ويواجهوا جبهة واحدة تنفي جميع الصفات ولا تؤمن إلا بالوجود الذهني هذا هو المفترض، ولكن الواقع خلاف هذا المفترض كما رأيت. خلاصة مواقفهم من معاني تلك النصوص: 1- هناك خلف يتناقض، فيثبت بعض الصفات مع اعتقاد وجوب تأويل بعض الصفات، والخروج بها ن ظاهرها، مع وجوب اعتقاد أن ظواهر تلك النصوص غير مرادة، فالتفويض محتم إذاً، ومعناه الإعراض عن تدبر النصوص، وفهم معانيها. وكل نص أوهم التشبيها أوّله أو فوّض ورم تنـزيها هكذا زعموا! {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} ؟!! 2- هناك خلف ذهب بعيداً عن النصوص، ولم يلتفتوا إلى الأدلة النقلية، فلم يثبتوا لله شيئاً من الصفات، لا الذاتية ولا الفعلية، بل وصفوا الله بسلوب كثيرة نقل كثيراً منها الإمام أبو الحسن الأشعري الذي عاش بينهم أربعين عاماً، ثم تاب الله عليه فتاب في آخر حياته، فنقل كثيراً من السلوب التي استخدمته الجهمية وهم غلاة المعتزلة التي تدل على أن القوم ليس لديهم مسكة من تقدير الله وتعظيمه تعالى، إذ يصرحون بعدم صلاحية النصوص في هذا الباب، فيعمدون إلى الإجمال في الإثبات، والتفصيل في النفي عكس طريقة القرآن إذ يقولون مثلاً: ليس بجسم، ولا عرض، ولا ذي برودة، ولا ذي حرارة، ولا لون، ولا طعم، ولا جثة، ولا دم...الخ. أين هذا من أسلوب القرآن، الذي يجمل النفي في مثل قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ، {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} ، {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} ، ويفصل في الإثبات: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} ، {الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، {الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، {ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} ، {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} . بين يدي الصفات المختارة فكمالات الله تعالى لا تدخل تحت حصر أو عدّ. فصفات الله العلي وأسماؤه الحسنى لا تحصى، ولكننا سوف نختار من صفات الله الكثيرة تسع عشرة صفة لنخصها بالحديث. وبيان موقف السلف والخلف من معانيها بإيجاز، ثم نتبعها بالحديث عن رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة فتصبح الصفات التي نتناولها بالحديث عشرين صفة، وسر اختيارنا إياها من بين الصفات الأخرى واهتمامنا بها دون غيرها، هو ما نعلمه من الخلاف الحادّ، والنـزاع المزمن بين السلف والخلف في معاني هذه الصفات المختارة بصورة لم تقع في أي صفة أخرى من صفات ربنا تعالى، إذ أجمع الخلف معتزليهم وأشعريهم على نفي هذه الصفات، أو تحريف نصوصها باسم التأويل، فصارت النتيجة استحالة هذه الصفات على الله في زعمهم وعدم جواز إثباتها لله تعالى بدعوى أنها لا تليق بالله، على تفصيل معروف في موضعه. هذا الموقف هو الذي حملنا على اختيار هذه الصفات لتكون موضوع حديثنا الرئيسي في هذه الرسالة، وهي زبدة الرسالة المقصودة بالذات. وأما الصفات التي يثبتها جميع الصفاتية من السلفيين، والأشاعرة، فسوف نمسك عن التوسع فيها لعدم الحاجة الملحة التي تدعو للخوض فيها. الفصل الرابع: معاني تلك الصفات بالتفصيل أ- الصفات الفعلية: الصفة الأولى: صفة استواء الله عز وجل على العرش وعلوه على خلقه: وقد ورد ذكر هذه الصفة في القرآن الكريم في عديد من الآيات القرآنية، وأما بصيغة (استوى) فقد ذكرت هذه الصفة في سبع آيات على النحو التالي على ترتيب السور: 1- آية سورة الأعراف: وهي قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (آية: 53). 2- آية سورة يونس: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} (آية: 3). 3- آية سورة الرعد: {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} (آية: 2). 4- آية سورة طه: {طه مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (آية 1-5). 5- آية سورة الفرقان: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} (آية 58-59). 6- آية سورة السجدة: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ} (آية 4-5). 7- آية سورة الحديد: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} (آية: 4). هذه الآيات الكريمات، وفي معناها عدة نصوص من الآيات والأحاديث الصحيحة التي يأتي ذكرها إن شاء الله، كلها تدل على علو الله تعالى على خلقه، كما يليق به، وأما هذه الآيات السبع فتنص على أن الله تعالى استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض استواء يليق به، ولا نعلم منه إلا المعنى العام المفهوم من الوضع، إذاً هنا صفتان: 1- صفة استواء على العرش: وهي صفة فعلية خبرية كما دلت عليه الآيات السابقة. 2- صفة العلو: وهي صفة ذاتية لازمة للذات بمعنى أنه تعالى لم يزل في علوه، وهي في الوقت نفسه عقلية وسمعية أي فهي ثابتة بالعقل والفطرة، والسمع، بل السمع جاء مؤكداً بما آمن به العباد بفطرهم، وبعقولهم من أن الله يدعى من فوق، وترفع إليه أكف الضراعة، وقلوب العباد مشدودة إلى فوق، ولو في حال وضعهم جباههم على الأرض ساجدين لربهم الأعلى الذي يراهم من فوقهم، ويجيب دعوتهم، وهم ساجدون له سبحانه. وهذا الاعتقاد ضروري لا يستطيع أي إنسان دفعه عن نفسه، ومن الحِكَم اللطيفة أن شرع الله لعباده أن يقولوا في سجودهم: "سبحان ربي الأعلى" شرع لهم ذلك على لسان نبيه، وفي هدي رسوله إشارة إلى علوه الدائم، حتى لا يفهم من سجود العبد على الأرض أن معبوده في أسفل منه – حاشاه - بل كلما يزداد العبد خضوعاً وتذللاً، لمعبوده العلي العظيم ازداد منه قرباً معنوياً ومعية خاصة، تخص خواص عباده المؤمنين، وفي هذا يقول رسول الهدى، ونبي الرحمة محمد عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد فأكثروا الدعاء" . ومن الآيات التي تدل على علو الله على خلقه، علاوة على الآيات السبع التي ذكرناها والتي تنص على استواء الله على عرشه كما يليق به، قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} ، وقد جاءت الفوقية في هذه الآية مقرونة بحرف (من) وهي مُعَيِّنة للفوقية (بالذات) ، وهو معنى معروف عند أهل اللغة، بخلاف قوله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ، وهي محتملة كما لا يخفى. 1- قوله تعالى: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} . 2- {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ} . 3- {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} . 4- {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} . 5- {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} . وبعد، فهذه طائفة من آيات الكتاب المبين وفي معناها آيات أخرى عديدة اقتصرنا على هذا المقدار خشية الإطالة، وكلها تدل دلالة واضحة على علو الله على خلقه، وأنه مستو على عرشه كما يليق به. ونضيف إليها بعض الأحاديث الواردة في هذا المعنى، ونقتصر على ما صح منها فقط، ففيها الكفاية مع الآيات السابقة للدلالة على المقصود، وهي كالآتي: 1- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لما قضى الخلق، كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبي"، وفي رواية: "غلبت غضبي" . 2- قول أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي تعتز وتفتخر على أمهات المؤمنين زوجات النبي رضي الله عنهن إذ تقول: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات" . يُستدل بقول أم المؤمنين زينب رضي الله عنها لأنها قالت ذلك اعتقاداً منها بأن الله فوق خلقه – وهو اعتقاد كل صاحب فطرة سليمة- وليس هو في كل مكان، كما تزعم بعض الجهمية وأتباعهم، وقد كان ذلك في زمن نـزول الوحي فهو إذاً اعتقاد فطري أثبته الشرع، ولله الحمد والمنة. وهو أخيراً يصور لنا فقه السلف في هذا الباب، وهم يفهمون معاني النصوص على ظواهرها مع التنـزيه بمعناه الصحيح، وهو إثبات لا يتضمن التشبيه. 3- قوله عليه الصلاة والسلام عند تفسير قوله تعالى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} ، "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" . وقد قال أهل العلم: المراد بالظهور عنا العلو، ومنه قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ} ، أي: يعلوه، وقالوا: فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منهما لأزلية الرب سبحانه وتعالى وأبديته، واسمان لعلوه وقربه) اهـ. فهو سبحانه قريب في علوه كما يليق به، وعلي في قربه. 3- قوله عليه الصلاة والسلام: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، فيصعد الذين باتوا فيكم فيسألهم"الحديث . 5- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً" . 6- إشارته عليه الصلاة والسلام إليه تعالى بأصبعه في حجة الوداع - وهو أعلم بربه سبحانه - وفي ذلك اليوم العظيم وفي المكان المقدس العظيم يرفع النبي عليه الصلاة والسلام إصبعه الكريمة إلى السماء يرفعها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلاً: "اللهم اشهد"، ونحن نشهد أنه عليه الصلاة والسلام بلغ البلاغ المبين، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وعرفهم بربهم الأعلى . وهذه مقتطفات من حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي شرح فيه حجة الوداع شرحاً كاملاً ووافياً، رواه مسلم وبعض أصحاب السنن. وقد خاطب النبي أصحابه في هذه الخطبة المشار إليها قائلاً: "إنكم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟" قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت" أعْظِمْ بها من شهادة لأعْظَم مشهود له. وبعد: فلا يخفى خطأ قول الذي قول: لا تجوز الإشارة الحسية إلى السماء، بل ربما قال: إن من اعتقد أن الله في السماء كفر، وإلا فهو فاسق . وما أشد خطأ قول الذين يزعمون أن الذي يشير بإصبعه إلى السماء عند قراءة قوله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ}، أو قوله تعالى: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} تقطع أصبعه، وربما نسبوا هذا القول إلى بعض الأئمة؟!! كالإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله، والنسبة غير صحيحة، بل نسبة باطلة وغير لائقة . وحديث جابر الذي تقدم فيه التصريح بأن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى السماء إشارة حسية، وهو يقول لربه سبحانه الذي يشير إليه: "اللهم اشهد"، وهو يرد هذا الزعم، والحديث مخرج في صحيح مسلم كما تقدم، ومتلقى بالقبول فكيف يعتذر لهؤلاء إذاً؟!! في نظرة خير ما يعتذر به لأمثال هؤلاء هو الجهل، وعدم الاطلاع على السنة، ثم التقليد المتوارث الذي تحدثنا عنه فيما تقدم وقررنا أنه هو المستند الوحيد للأشاعرة الجدد. 7- حديث الإسراء والمعراج وفيه عدة نقاط تدل على المقصود: أ- مجرد العروج إلى فوق السماء السابعة بل إلى حيث سمع صريف الأقلام، أقلام الملائكة الذي يكتبون ما يكتبون بأمر الله وإلى حيث سمع كلام الله وهو سبحانه يخاطبه في شأن الصلاة. ب- تردده عليه الصلاة والسلام بين موسى وبين ربه سبحانه في طلب تخفيف الصلاة عن أمته. جـ- ما جاء في الحديث: ثم رجع إلى المكان الذي كان فيه. أي حيث كلمه ربه، وفرض عليه الصلاة، وغير ذلك من النقاط في روايات الحديث المذكور في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما. 8- سؤال الجارية بلفظ (أين الله؟) في حديث صحيح عند مسلم، وهي قصة معروفة لجارية معاوية بن الحكم السلمي حيث قال النبي للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: اعتقها فإنها مؤمنة. ولقد ذكرني هذا السؤال النبوي الكريم والرحيم أيضاً عبارة تقليدية كنت درستها وأنا طالب صغير لم أبلغ الحلم، كنت درستها في ضمن ما درسته في بعض كتب الأشعرية وهي: لا يسئل عن الله بالألفاظ الآتية: 1- أين، 2- وكيف، 3- ومتى، 4-وكم كان من مشايخنا لا يسمحون لنا بشرح هذه الألفاظ، والسؤال عن الجواب لو سئل الإنسان عنها، ويقولون: هكذا تؤخذ، ولا تناقش لأن النقاش في هذه المواضيع غير جائز. وقد كان المفروض بل الواجب أن يكون طالب العلم على شيء من المعرفة ليتولى الإجابة على كل سؤال إذ لا بد أن يكون لكل سؤال جواب، فمثلاًَ لو سئل الإنسان: (أين الله)؟ فهو لفظ سأل به رسول الله الجارية التي يريد مولاها عتقها، إن كانت مؤمنة، وهو لا يعلم هل هي مؤمنة أم لا، ولما عرض عتقها على رسول الله عليه الصلاة والسلام طلبها الرسول فوجه لها سؤالين فقط، اختباراً لإيمانها. السؤال الأول: "أين الله؟" الجواب: في السماء. السؤال الثاني: "من أنا؟" الجواب: أنت رسول الله. النتيجة: "أعتقها فإنها مؤمنة"، أي باقية على إيمانها الفطري الذي لم تلوثه الآراء الفاسدة، فليحذر الذين يحرمون استخدام هذه اللفظة في حق الله جهلاً منهم بأن الرسول استخدمها كما رأيت. - نعم لو سئل الإنسان أين الله؟ الجواب: في السماء. ولو سئل: (كيف الله)؟ الجواب: لا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه إذ لا يحيطون به علماً. ولو سئل: (متى الله)، الجواب: هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء. ولو سئل: (كم الله)؟ الجواب: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ}. هكذا يجب أن يُعدَّ العدة كل طالب علم، ويستحضر الأجوبة على كل سؤال مقدر وخصوصاً في هذا الزمن، زمن الكلام الكثير والعلم القليل، بصرف النظر هل هذه الأسئلة واردة، أو غير واردة أو هل هي مستساغة، أم لا؟ 9- قوله عليه الصلاة والسلام: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" . 10- قوله عليه الصلاة والسلام: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحاً ومساء" . الآثار المروية عن التابعين وتابعي التابعين في مسألة العلو: 1- عن كعب الأحبار قال: "قال الله عز وجل في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمر عبادي، لا يخفى عليّ شيء في السماء، ولا في الأرض" . 2- عن مسروق أنه كان إذا حدث عن عائشة قال: "حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات" . 3- أثر مقاتل بن حيان عن الضحاك في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} قال: "هو على عرشه وعلمه معهم"، وفي لفظ: "هو فوق العرش وعلمه معهم"، وفي لفظ: "هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا" . 4- أثر عبد الرحمن بن حبيب بن أبي حبيب عن أبيه عن جده قال: "شهد خالد بن عبد الله القسري - وخطبهم بواسط- فقال: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد علواً كبيراً، ثم نزل فذبحه". وهذه القصة ذكرها غير واحد من أهل العلم، وهي مشهورة، ذكرها البخاري في خلق أفعال العباد، والدارمي في الرد على الجهمية وإن كان في سندها كلام لبعض أهل العلم. 5- روى أبو عبد الله الحاكم عن الأوزاعي قال: "كنا - والتابعون متوافرون- نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" . 6- روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية: حدثني أبي (فذكر سنده) عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: "الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء" . 7- قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي والليث بن سعد ومالكاً والثوري عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك؟ فقالوا: "امضها بلا كيف" ، وفي لفظ: "أمروها كما جاءت بلا كيف"، وقولهم: "أمروها كما جاءت" يرد على المعطلة. وقولهم: "بلا كيف" يرد قول المشبهة . وبعد هذه أنواع الأدلة الثلاثة التي صنفناها على الوجه التالي: 1- آيات من الكتاب المبين اخترنا منها نحو ثلاث عشرة آية. 2- أحاديث صحاح انتخبنا منها عشرة أحاديث. 3- آثار وكلام أهل العلم من التابعين وتابعيهم، اقتصرنا منها على سبعة آثار على كثرتها، رغبة في الإيجاز. ولعل قائلاً يقول: ما هو الموجب لذكر الآثار بعد الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟!! الجواب: ذكر الآثار بعد النصوص يفيد أمرين مهمين: الأمر الأول: يفيد أن النصوص المذكورة لم تنسخ، بل هي محكمة باقية كما جاءت إذ تعتبر هذه الآثار تفسيراً وبياناً للنصوص. الأمر الثاني: تحديد مفهوم السلف، وأنهم كانوا يفهمون من هذه النصوص كتاباً وسنة ما تدل عليه بوضعها وبظاهرها باقية على حقيقتها، ولم يؤولوها ويخرجوا بها عن ظاهرها كما يزعم الخلف، والله أعلم. أعود فأقول: إن هذه الأنواع الثلاثة من الأدلة قليل من كثير من الأدلة الدالة على علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه على ما يليق به تعالى. إذاً إن صفة العلو أو الفوقية صفة كمال ثابتة بوابل من أدلة الكتاب والسنة ودرج على إثباتها على ظاهرها جميع الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، وليس فيها نقص ولا تستلزم نقصاً ولا توجب محذوراً، ولا تخالف كتاباً ولا سنة، بل توافقهما كما رأيت، وقد عقد عليها إجماع المسلمين الأولين كما علمت، وهم القوم الذين يحتج بإجماعهم، لأنهم خير هذه الأمة "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ، وإذا كان الأمر كذلك فما هي شبهة الأشاعرة والحالة ما ذكر؟!! خلاصة شبهتهم انهم تصوروا – خطأ - أن النصوص التي نطقت بأن الله في السماء تدل بظاهرها على أنه تعالى مظروف في جوف السماء فشبهوه بمخلوق داخل مخلوق آخر، كما فهموا – خطأ - أيضاً من قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، وما في معناه من النصوص أنه تعالى جالس على العرش، وأنه محتاج إليه، فشبهوه بإنسان جالس على سريره، محتاجاً إليه، فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي وقعوا فيه لسوء فهمهم، فوقعوا في التعطيل. وأما النصوص فلا تدل على ما لا يليق بالله دائماً – وحاشاها - فأمرهم يتردد إذاًَ بين التشبيه والتعطيل. ولو وقفوا حيث وقف السلف من قبلهم، وهو الموقف الذي اختار الله للإمام أبي الحسن الأشعري في آخر أطواره، نعم لو وَقَفوا حيث وقف القوم، فسلموا لله ولرسوله، لما وقعوا فيما وقعوا فيه من الاضطراب في العقيدة، وعدم اليقين فيما يعتقدون نحو ربهم وخالقهم. وعدم اليقين فيما يعتقد العبد نحو ربه أمر له خطورته في أي جزئية فيما يجب إثباته لله عز وجل أو نفيه عنه. ثم إنهم اختلفوا بعد ما نفوا صفة العلو والاستواء اختلافاً خطيراً، حيث زعم بعضهم بأنه سبحانه وتعالى في كل مكان بذاته، بينما يزعم الآخرون بأنه تعالى: ليس فوق العرش، ولا تحت العرش، ولا يمينه، ولا يساره. ونص كلام بعضهم هكذا: "فليس الله عن يمين العرش، ولا عن شماله، ولا أمامه، ولا خلفه، ولا فوقه، ولا تحته، فليحذر كل الحذر مما يعتقده العامة من أن الله تعالى فوق العالم، ثم استدرك قائلاً: لكن الصحيح أن معتقد الجهة لا يكفر" ، وهذه العبارة كان يحفظها أطفالنا حفظ الفاتحة ظناً منهم ومن مشايخهم أنها عقيدة سلف هذه الأمة، التي بلغها لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا تزال تدرس في كثير من معاهدنا وجامعاتنا العربية والإسلامية على حساب عقيدة أهل السنة والجماعة. فعقيدة الجماعة مجهولة لديهم، لأنهم لا يدرسونها، وتلك الشبهة التي أدّت إلى هذا المصير، وهو الاضطراب والتردد – كما رأيت - شبهة واهية على خطورتها، لا تثبت أمام تلك الأدلة المتنوعة التي سبق أن ذكرنا بعضها أو طرفاً منها كما نقلنا أقوال بعض الأئمة في هذا المعنى عند مناقشتنا موقف المعتزلة والأشاعرة في المبحث الثامن من المدخل. قال الحافظ ابن القيم: إن الأحاديث الصحيحة التي وردت في إثبات استوائه تعالى بلغت خمسين حديثاً، ثم ذكر بعدها أقوال عدد كبير من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم في إثبات الاستواء، وله رحمه الله كلام طويل ونفيس في هذه الصفة وغيرها من صفات الأفعال التي أنكرتها الأشاعرة في كثير من كتبه القيمة ، وبعد، فإنني لعَلَى يقين لا يخالطه شك في أن كل من ينفي علو الله تعالى بلسانه تقليداً، أو مسايرة لجمهور أهل الكلام فإن ضميره يكذبه من داخله، وهو متكلف يهرف بما لا يعرف، وأن قلبه يلتفت إلى فوق عندما يشرع في الدعاء، والتضرع إلى الله، قبل أن يرفع يديه إلى السماء، وهو يعلم ذلك من نفسه، ولكن التقليد وتقديس الآراء والاعتقاد في الشيوخ، ومسايرة الجمهور، كل ذلك حال دون اتباع الحق الذي نطق به الكتاب والسنة، ودلت عليه الفطرة، وأجمع عليه المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين، وسبق أن ذكرنا قول الإمام الأوزاعي وهو يخبر ما كان يقوله أتباع التابعين ويعتقدونه إذ يقول: "كنا - والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن ما وردت به السنة من الصفات" . نقل هذا التصريح غير واحد من أهل العلم مثل الذهبي، والبيهقي، وأخيراً الإمام ابن تيمية في الحموية الكبرى، وهذا التصريح -كما ترى يعني إجماع التابعين، وهو مبني على إجماع الصحابة المستند إلى صريح الكتاب وصحيح السنة، وهو أقوى إجماع عرف -فيما أعلم- وقد ذكر الأوزاعي هذا الإجماع للرد على عقيدة الجهمية التي أخذت تظهر في عصر تابعي التابعين ليبين للناس أن ما يدعو إليه (جهم) وأتباعه مخالف لإجماع الصحابة والتابعين وأئمة تابعي التابعين. وبعد: فإن صفة استواء الله على عرشه، وصفة الكلام، وموضوع إثبات رؤية الله للمؤمنين يوم القيامة هذه المسائل التي كثر فيها اضطراب الأشاعرة وتناقضهم، ولذلك كثر حديث الأئمة وكلامهم فيها ومناقشتهم للأشاعرة بأساليب مختلفة، وجمعوا فيما ألفوا من الكتب في الرد عليهم أدلة عقلية ونقلية، فهذا الحافظ ابن القيم يناقش الأشاعرة، ويبطل دعواهم بأن معنى (استوى) في الآيات التي سبق أن سقناها بمعنى (استولى) أو مجاز عن الملك والسلطان، يبطل هذه الدعوى باثنين وأربعين وجهاً . ويثبت بأن الفعل (استوى) في مثل سياق الآيات السبع المذكورة لا يكون إلا بمعنى (علا) و (ارتفع)، هذا ما يدل عليه اللفظ بالوضع، ويجب أن ينتهي إلى هنا علم العباد، وأما ما زاد على هذا القدر من محاولة إدراك حقيقة الصفة، أو اللجوء إلى التأويل، والخروج باللفظ عن ظاهره، أو دعوى التفويض والإعراض عن المعنى الظاهر للفظ، فكل ذلك تكلف، نهينا عنه، أو قول على الله بغير علم. وهو من جملة ما حرم الله على عباده حيث يقول تعالى: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، ويقول: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} ، والله المستعان. الصفة الثانية: صفة المعية والقرب إذا كنا قد انتهينا من الكلام على صفة استواء الله على عرشه كما يليق به دون حاجته إليه، ليحمله، بل هو الحامل سبحانه للعرش، وما دون العرش بقدرته سبحانه، بعد هذا كله أرى من المناسب جداً أن نتحدث عن معية الله تعالى، وقربه من عباده كما يليق به، لما نلاحظ من أن بعض الناس يتصورن – خطأ - صعوبة التوفيق بين استواء الله على عرشه وأنه فوق جميع مخلوقاته، وبين قربه من عباده وأنه معهم حيثما كانوا!! علماً بأنه قد وردت نصوص قرآنية، وأخرى من الأحاديث النوبية لتثبت المعية والقرب كما أثبتت صفة العلو والفوقية. وبتتبع النصوص المشار إليها، وتدبرها يتبين أن المعية تنقسم إلى قسمين: 1- معية عامة تثبت أحكامها لجميع الخلق بمعنى أن الله مع جميع ما خلق يعلم ما هم عليه، ولا تخفى عليه منهم خافية في الأرض، ولا في السماء، بل قد أحاط كل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. ومن نصوص المعية العامة قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} . 2- القسم الثاني: المعية الخاصة: وهذا القسم لخواص عباده تعالى الذين خصهم بالتوفيق فتحلوا بالتقوى، والإحسان والصبر وجميع الشمائل الكريمة، ومن أمثلة هذا القسم قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} ، وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، ومن أوضح أمثلة هذا القسم تلك المعية العظيمة التي كان يخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه في الغار أبا بكر الصديق رضي الله عنه، ويطمئنه بها إذ يقول له: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} ، ما أعظمها من معية وأعظم به من قرب، حيث يكون الله وحده صاحبهما في ذلك السفر، وخليفتهما في الأهل وهو معهما بنصره وتأييده وحفظه والدفاع عنهما، وهما في غاية العجز والضعف في تلك اللحظة الحاسمة، وهو مع من خلّفاهم في مكة بالحفظ والكلأ، وبالربط على قلوبهم حتى يأتي الله بالفرج، مهما طال الليل إذ لا يد من الصبح، هذه أحكام المعية الخاصة بالاختصار. والمعية لنوعيها لا تفيد المخالطة، والممازجة الذاتية لا شرعاً، ولا لغة بل تمنع ذلك باعتبار إضافتها إلى الله تعالى. أما لغة فإن لفظة (مع) لا تدل إلا على مطلق المصاحبة والمقارنة، وهذه المقارنة أو المصاحبة أعم من أن تكون بالذات أو بمعان أخر، وإن السياق والقرائن التي تحيط بالمقام هي التي تعين نوع تلك المصاحبة، فإذا وصف الله نفسه بالمعية في عديد من الآيات القرآنية وجاء ذكرها فيما صح عن رسوله عليه الصلاة والسلام فعلينا أن نؤمن بأن معيته سبحانه إنما هي معية علم واطلاع وإحاطة إن كانت عامة على ما تقدم من التفصيل، وتزيد عليها معنى الحفظ والنصر والتأييد إن كانت خاصة. ولا ينبغي أن نفهم منها أيّ معنى من المعاني التي لا تليق بالله تعالى، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ورضي عنه: "فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب، والسنة وإجماع سلف هذه الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، وهؤلاء يقولون أقوالاً متناقضة" ا.هـ إذ لا يوجد نص صحيح وصريح من كاتب أو سنة يشير إشارة، ولو خفية إلى أن الله في كل مكان بذاته، بل النصوص تدل دلالة واضحة على خلاف ذلك، كما تقدم في غير موضع. وربما يفهم بعض الناس من كلام شيخ الإسلام حيث يقول: "إن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة" قد يفهم من هذا الكلام بأن ابن تيمية ممن يقول بأن الله تعالى بذاته معنا في الأرض، أو في كل مكان، وهو بعيد من مثل هذا الحلول رحمه الله. وكلامه الذي نقلناه آنفاً الذي يقول فيه: "فكل من قال: إن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب والسنة"... الخ يمكن أن يصحح هذا المفهوم الخاطئ، ويرد هذا الاتهام، والحقيقة التي يعنيها شيخ الإسلام هي الحقيقة التي يتصورها كل من فهم معنى كلمة (مع) وفهم أحكامها، لأن أحكامها يختلف باختلاف الموارد، وسبق أن مثلنا لذلك عند تقسيم المعية إلى العامة والخاصة. شبهة القائلين بأنه في كل مكان بذاته إذ برأنا ساحة ابن تيمية من القول بأن الله في كل مكان بذاته، حيث شرحنا كلامه بكلامه، ينبغي أن نعرف ما هي الشبهة التي أوقعت بعض الناس في هذا الاعتقاد؟!! بعد البحث ما وسعنا البحث في هذه النقطة لم نجد لهم متمسكاً إلا التعلق ببعض العمومات في بعض النصوص التي ذكر المعية أو ذكر القرب، وهي التي تقدم ذكر بعضها، وسيأتي ذكر البعض الآخر، لأنهم لم يفهموا المراد منها، ومراد المتكلم - كما يقول شيخ الإسلام - إنما يفهم بتفهيم من المتكلم نفسه، وبتصريح منه بأنه أراد بكلامه كذا وكذا إن كان في كلامه إجمال وإبهام، أو يحف كلامه بقرائن تعين مراده من كلامه، وليس في كتاب الله أو في سنة رسول الله إبهام يصل بالقارئ والمطلع إلى درجة الحيرة والوقوع في الاعتقاد الفاسد، إذا حالفه التوفيق من الله فجمع بين النصوص بالطرق المعروفة عند أهل العلم. أما في هذه المسألة فإن الجمع والتوفيق بين نصوص الفوقية والعلو وبين نصوص المعية والقرب، ففي غاية الوضوح لمن وفق لفهم نصوص المسألة، وملخصه كالآتي: أ- إن الله تعالى أخبرنا بأنه فوق خلقه مستو على عرشه وهو في العلو لا في السفل، أخبرنا عن ذلك بأساليب مختلفة ومتنوعة في كتابه وفيما أوحاه إلى رسوله وأمينه على وحيه: 1- مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . 2- {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} . 3- {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} . 4- {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} . 5- {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} . هذه آيات من القرآن الكريم أما من السنة فمنها ما يلي: 1- "إن الله كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي - أو غلبت غضبي" . 2- وفي آخر حديث الأوعال: "الله فوق العرش وعلمه في كل مكان"، وفي لفظ: "ولا يخفى ما أنتم عليه" . 3- حديث الإسراء والمعراج بكامله ، وفيه نقاط تعتبر نصاً في الموضوع منها نقطة تتحدث عن لحظة فرض الصلوات الخمسين حيث خاطبه ربه سبحانه وأسمعه كلامه دون واسطة جبرائيل، ومنها تردده بين موسى وبين ربه سبحانه وهو يشفع لأمته في تخفيف عدد الصلوات المفروضة لتخفض من خمسين إلى خمس من حيث العدد، وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى. وهذه الآيات وتلك الأحاديث وما في معناها من نصوص كثيرة، وآثار، وأقوال السلف مستنبطة من النصوص لا تعتبر نصاً لا يقبل الجدل في أن الله تعالى فوق سماواته مستوٍ على عرشه كما يليق به، فاستواؤه معلوم المعنى من هذه النصوص، وكيفية استوائه مجهولة، ولكن الإيمان بذلك الاستواء واجب، والبحث والتنقيب عن الكيفية بدعة. فلا ينبغي أن يشك مسلم في ذلك. وقد تقدم البحث مستوفى في صفة استواء الله تعالى، وتقدم قول الإمام مالك الذي أشرنا إليه هاهنا. ب- إذا ثبت - دون شك - من هذه الأدلة أن الله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه (بذاته) بائن من خلقه، ثم وردتنا نصوص تثبت أنه تعالى مع جميع خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمورهم وشئونهم. وخص خواص عباده بأنه معهم في ظروف خاصة تتطلب النصر والتأييد والحفظ والكلاء، والدفاع عنهم حتى ينتصروا، وينتصر بهم دين الله وشريعته، إذا ثبت ذلك لا يفهم من مجموع هذه النصوص إلا أن الله لا يزال ولم يزال أبداً في علوه وفوقيته سبحانه، وهو مع ذلك لا يزال معهم في كل لحظة إما بالمعية العامة، وإما بالمعية الخاصة في ضوء البيان الذي تقدم، وبهذا وحده تجتمع النصوص وتفهم وتطمئن النفوس إلى معاني تلك النصوص التي إذا لم تجمع بمثل هذا الجمع أوهمت الغِرَّ الساذج أنها في غاية من التضارب والاصطدام، ويقف موقف المتفرج الجبان، ولسان حاله يقول: اللهم سلم سلم. وفي واقع الأمر ليس هناك إلا السلامة لو كان يفقه. وأما نصوص المعية والقرب التي يتعلقون بعمومها كما تقدم، والتي يحاولون أن يفهموا منها بأن الله في كل مكان بذاته - وهي لا تدل على ذلك، لو فهموها حق فهمها- وتلك النصوص هي: 1- {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . 2- {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} . والمعية في الآيتين معية عامة -كما تقدم- فآية سورة الحديد يخبر الله فيها بأنه سبحانه عالم بكل ما يجري في العالم السفلي والعلوي بالتفصيل، وهو مع عباده أينما كانوا لأنه بصير بجميع أعمالهم خبير بها، فذِكْرُ العلم في أول الآية قبل ذكر المعية ثم تذييل الآية بأنه بصير بأعمالهم قرينة واضحة بأن المراد بالمعية معية العلم والإحاطة، أما قرينة آية سورة المجادلة فإنها أقوى وأصرح، حيث بدأت الآية الحديث بالعلم، وختمت بالعلم أيضاً. وإذا أمعنا النظر في أحكام المعية في الآيتين الكريمتين، وأضفنا إليهما النصوص التي جاء فيها ذكر قرب الله تعالى من بعض عباده في كتابه، وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام نستطيع أن نفهم منها ما فهمنا من الآيتين السابقتين، لأن القرينة المذكورة هناك سوف تجري في بقية النصوص التي فيها ذكر المعية أو القرب إن جاءت خالية من القرينة، فيضاف إلى ذلك إخبار الله عن نفسه بأنه فوق سماواته، وقد تقدم ذلك قريباً، مع ما فطر الله عليه عباده من أنه تعالى يدعى من فوق، لا من أسفل، بل يعتبر هذا علماً ضرورياً لا يمكن تجاهله إلا لمن أنكر نداء فطرته، متأثراً بعلم الكلام وفلسفة الفلاسفة، فبهذا الجمع والتوفيق بين نصوص العلو، وبين نصوص المعية تلتئم النصوص، وتنسجم، وتفسر بعضها بعضاً، لا تتنافر ولا تتضارب، ولله الحمد والمنة. قال الحافظ ابن القيم -في صدد حديثه عن المعية والقرب: (وهذا القرب لا ينافي مباينة الله لخلقه واستوائه على عرشه بل يلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولكنه نوع آخر اهـ. وهذا المعنى هو الذي نحن بصدد تقريره بتوفيق الله. قال الحافظ ابن عبد البر - وهو يناقش نفاة العلو-: "وأما احتجاجهم بقوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} ، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله" . وهذا الكلام من ابن عبد البر لا يعني إلا الإجماع، وإذا أضفناه إلى ما تقدم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وكلام تلميذه ابن القيم، وكلام من نقلنا كلامهم من الأئمة والعلماء، إن مجموع ذلك يفيد ضرورة أن هذا المفهوم هو المفهوم الوحيد الذي كان عليه المسلمون الأولون قبل أن تظهر فرق أهل الكلام التي فرقت المسلمين بآرائها وفلسفتها، ولقد كان المسلمون في عافية من شرهم. وقبل نهاية حديثنا عن المعية والقرب نحن أن ننوه بفائدة تتعلق بهذه المسألة العظيمة. ذكر الله تعالى قربه من بعض عباده في حالتين اثنتين فقط: الأولى: ذكر في معرض إجابة دعاء من دعاه حيث يقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، ومعنى القرب هنا واضح، وهو قرب إجابة من دعاه، إذ هو معه، قريب منه، يرى مكانه، ويسمع دعاءه، ويعلم ما يريد العبد أن يقوله قبل أن يقوله لأنه هو الذي وفقه ليدعوه، ثم هو الذي يجيب دعاءه، فهذا قربه من داعيه. يقول بعض أهل العلم: إن الآية المذكورة نزلت جواباً للصحابة رضي الله عنهم حين سألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلين: "ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه"؟ فأنزل الله هذه الآية. الثانية: ذكر القرب في إثابة عابديه، والمتقربين إليه بالأعمال الصالحة، وذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد" ، وقال عليه الصلاة والسلام: "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر" . وورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي عليه الصلاة والسلام في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: "يا أيها الناس! أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" . هكذا ينتهي الحديث عن المعية والقرب معاً بهد التوفيق بينهما، وبين علو الله تعالى على خلقه، لنثبت بأنه تعالى مع عباده، وقريب منهم وهو في علوه، والعلو وصف ذاتي له سبحانه، دائماً وأبداً. الصفة الثالثة: صفة النـزول: هذه الصفة من صفات الأفعال التي كثر فيها النـزاع بين السلف والخلف، كاختلافهم في جميع الأفعال عامة، والأفعال اللازمة خاصة. مثل الاستواء والمجيء والإتيان. والقول الحق المؤيد بالأدلة هو الذي عليه سلف الأمة من أن الله تعالى تقوم به هذه الأفعال فيكون النـزول فعلاً فَعَلَه سبحانه وكذلك مجيئه وسائر أفعاله. يقول الإمام ابن تيمية في تأييد هذا القول: "وهذا قول السلف قاطبة وجماهير الطوائف" اهـ. وذلك لأنهم يأخذون النصوص على ما وردت دون أن يفرقوا بين ما جمع الله من الصفات والأسماء والأفعال، وأما الخلف فموقفهم مضطرب جداً في هذه الصفة كغيرها من صفات الأفعال منهم من ينكر النـزول إنكاراً فيقول: ما ثم نزول أصلاً. ومنهم من يقول: إنه ينـزل نزولاً بحيث يخلو منه العرش، وهذا يعني أن القوم يحاولون إدراك الكيفية وإلا فالإنكار السافر أو التشبيه، وهو موقف خطير على إيمان المرء. قال الإمام ابن تيمية: "إن أبا بكر الإسماعيلي كتب إلى أهل "جيلان" إن الله ينـزل إلى سماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} ، وقال: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، ولو شاء الله سبحانه أن يعين ذلك فعل. فانتهينا إلى ما أحكمه. وكففنا عن الذي يتشابه، ثم تلا قوله تعالى: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}" الآية. وقال عبد الرحمن بن منده بإسناده عن حرب بن إسماعيل، قال: "سألت إسحاق بن إبراهيم قلت: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ينـزل الله إلى السماء الدنيا؟" قال: نعم، ينـزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا، كما شاء، وكيف شاء. وقال عن حرب: "لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}" . وروى أيضاً عن حرب قال: "هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الحديث والأثر، وأهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم، كان قولهم: إن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} . وقال حماد بن زيد: "إن الله على عرشه، ولكن يقرب من خلقه، كيف شاء"، قال إبراهيم بن الأشعث: سمعت فضيل بن عياض يقول: "إذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء"، وروي مثل ذلك عن الأوزاعي وغيره من السلف أنهم قالوا في حديث النزول: يفعل الله ما يشاء. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات نزول الرب يوم القيامة كثيرة، وكذلك إتيانه لأهل الجنة كيوم الجمعة اهـ. وهذه الأحاديث التي يحتج بها السلف جاءت موافقة للقرآن، وهذا ما احتج به الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الأمير عبد الله بن طاهر أمير خراسان، وذلك حين سئل إسحاق، سأله رجل في مجلس الأمير عن حديث النزول أصحيح هو؟ قال إسحاق: نعم، قال السائل: كيف ينزل؟!! قال إسحاق أثبته فوق، حتى أصف لك النـزول، فقل له الرجل: أثبته فوق، فقال إسحاق: قال الله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب! أهذا يوم القيامة، قال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يأتي يوم القيامة فمن يمنعه اليوم...؟ وأما السؤال: فهل نزل يخلو عنه العرش أم لا؟ إن المفروض عدم ورود هذا السؤال، وهي مسألة قد خاض فيها الناس بل حتى بعض السلفيين المعاصرين، وقد كان الواجب الإمساك عن الخوض في هذه النقطة التي سكت عنها السلف. يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة: "إن الصواب المأثور عن سلف الأمة وأئمتها أن الله سبحانه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو منه العرش مع دنوه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء في الكتاب والسنة، وليس نـزوله كنـزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم" ، بل الله منزه عن ذلك، فالله سبحانه وتعالى قريب في عُلُوّه وعليُّ في قربه، وهو مع جميع مخلوقاته بعلمه واطلاعه على تفاصيل أحوالهم، وهو مع الصابرين والمحسنين والمتقين من عباده بالكلأ والحفظ والنصر {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. إذاً فإن السلف انطلاقاً من إيمانهم بتلك الأحاديث التي أشرنا إليها والتي يأتي الكلام عليها - إن شاء الله - إنهم يثبتون نزول الرب سبحانه إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما يليق بجلاله وعظمته، ويثبتون المعنى العام للنزول دون الخوض والتنقيب عن الكيفية إيماناً منهم بأن معرفة كيفية الصفة متوقفة على معرفة كيفية الموصوف، فحيث آمنا بالله إيمان تسليم دون بحث عن كنه ذاته سبحانه، فيجب الإيمان بجميع الصفات التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وصفة النـزول إلى سماء الدنيا من الصفات التي أخبر عنها الرسول، ويشهد له القرآن حيث أخبر الرب سبحانه عن مجيئه يوم القيامة كما تقدم . فنستطيع أن نقول: إن النـزول ثابت بالكتاب والسنة، ولولا هذه النقول لكففنا عن إثباتها. هذا هو الذي نعني بأنها خبرية محضة، إلا أن العقل الصريح والفطرة السليمة لا يرفضان كل ما ثبت بالنقل الصحيح، ولا يعدانه مستحيلاً، كما يزعم بعض الزاعمين، لأن العقل يشهد أن الذي يفعل ما يشاء أن يفعل مثل النزول والاستواء والمجيء مثلاً، والقادر على كل شيء أكمل من الذي لا يفعل كل ما يريد فعله لأنه {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} ، هكذا بصيغة "فعال" وهي تدل على كثرة الفعل، وقد يفهم من الكثرة التنوع، والله أعلم. هكذا يجتمع العقل والنقل على الدلالة على صفات الأفعال بما في ذلك نزول الرب سبحانه إلى السماء الدنيا كيف يشاء، ولله الحمد والمنة. ذكر بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب: وقد وردت في إثبات صفة النـزول أحاديث كثيرة، وصفها الإمام ابن تيمية بالتواتر، وذكر الحافظ ابن عبد البر بأنها منقوله عن طريق متواتر ووجوه كثيرة من أخبار العدول، وللإمام الذهبي كلام يؤيد ما قاله الإمامان ابن تيمية، وابن عبد البر رحمهم الله، إذ يقول: "وقد ألفت أحاديث النـزول في جزء، وذلك متواتر أقطع به" ومن هذه الأحاديث المشار إليها: 1- حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام: "ينـزل ربنا عز وجل كل ليلة إذا مضى ثلث الليل الأول". وفي رواية: "حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: أنا الملك من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك". قال الذهبي: رواه أحمد، وإسناده قوي اهـ. 2- حديث أبي هريرة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: "ينـزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" . قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: "هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، رواه أكثر الرواة عن مالك... إلى أن قال: وفيه دليل على أن الله في السماء على عرشه، من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكان، وليس على العرش، والدليل على صحة ما قالوه أهل الحق في ذلك قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}" ، ثم ساق عدة آيات في هذا المعنى، وهي التي سبق ذكرها. وقد ناقش الحافظ ابن عبد البر مسألة الاستواء على العرش، ومسألة النزول وربط بينهما، ونقل نقولاً مثبتة وأخرى نافية، ومن أغرب تلك النقول ما نقله عن وكيع أنه كان يقول: كفر بشر بن المريسي في صفته هذه، قال: هو في كل شيء، قيل له: وفي قلنسوتك هذه؟ قال: نعم، قيل له: وفي جوف حمارك؟ قال: نعم، وقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . قلت: وقد صدق، ولا يشك في صحة قول ابن المبارك وصدقه من سمع كلام بشر السابق آنفاً ذلك الكلام الذي يقشعر جلد المرء عند النطق به، ويقف شعره، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلي به بشراً وأمثاله. ثم قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: "وأما قوله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث: "ينـزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا" فقد أكثر الناس في التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يكيفون، والقول في كيفية النـزول، كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة، وقد قال قوم من أهل الأثر أيضاً: إنه ينزل أمره وتنزل رحمته، وروى ذلك عن حبيب كاتب مالك. وغيره. وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء، لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبداً في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمراً قال له: كن فيكون في أي وقت شاء" اهـ. قلت: حبيب بن أبي حبيب هذا الذي روي عنه الأثر السابق هو أبو محمد المصري متروك، كذبه أحمد وأبو داود وجماعة، توفي سنة 216هـ . وهذا التأويل الذي يتوارثه النفاة فيما بينهم في معنى النـزول قد ناقشه الإمام ابن تيمية في كتابه الفريد في بابه "شرح حديث النزول" وأبطله من عدة وجوه، ومن ذلك أن سياق الحديث يأبى ذلك التأويل، فإن قوله تعالى: "أنا الملك" إلى آخر الحديث صريح في أن الله هو الذي ينزل كيف يشاء، ومما ذكره شيخ الإسلام حول هذا المعنى أنه قال: "وقد سئل بعض نفاة العلو عن النـزول فقال: ينزل أمره - فقال له السائل: فممن ينزل؟!! إن عندك فوق العالم شيء فممن ينـزل الأمر؟ من العدم المحض؟ فبهت" اهـ. ويكون معنى الكلام إذا كنت لا تؤمن بأن الله في العلو، فكيف تزعم بأن الأمر ينـزل. فممن ينزل الأمر، فإن الله ليس فوق العالم في زعمك؟ وهو سؤال مفحم كما ترى، ولذلك بهت الذي نفى العلو، ثم زعم نزول الأمر، لأن النزول لا يكون في اللغة إلا من فوق، وهذا السؤال يمكن أن يوجه أيضاً إلى القائلين بأنه تعالى ليس فوق العرش، ولا تحت العرش، ولا يمين العرش، ولا يساره، وهذا الوصف لا ينطبق إلا على العدم، فيكون وجود الرب تعالى عند هؤلاء وجوداً ذهنياً ولا وجود له في الخارج كما لا يخفى، فإذاً ممن ينزل الأمر أو ممن تنزل الرحمة، والحالة ما ذكر؟!! وقال الحافظ ابن القيم: "إن نزول الرب تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا قد تواترت الأخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواها عنه نحو 28 نفساً من الصحابة، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يبلغه في كل موطن ومجمع اهـ. ثم سرد أحاديث الصحابة ابتداء من حديث أبي بكر ثم علي إلى آخر العدد المذكور مع الشرح والتعليق. وقال محمد بن جرير الطبري - بعد كلام طويل حول نصوص الصفات: "وأهل العلم بالكتاب والآثار من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك، ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم. ويمرون الأحاديث الصحيحة كما جاءت من رسول الله عليه الصلاة والسلام" اهـ. قلت: بما في ذلك صفة النزول. قال الحافظ ابن القيم: اختلف أهل السنة في نزول الرب تعالى على ثلاثة أقوال: 1- أحدها: أنه ينزل بذاته، قال شيخنا: وهذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين. 2- وقالت طائفة منهم: لا ينزل بذاته. 3- وقالت طائفة أخرى: نقول: ينزل، ولا نقول بذاته، ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم ونسكت عما سكت عنه اهـ. وهذا ما يفهم من قول الإمام الأوزاعي وحماد بن زيد وإسحاق بن راهويه، وقد سبق نقل أقوالهم، وقد سئل الإمام أحمد فقال السائل: يا أبا عبد الله أينزل إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم، ثم قال السائل: نزوله بعلمه أم ماذا ؟!! فقال الإمام: "اسكت عن هذا" فغضب غضباً شديداًَ ثم قال: امض الحديث على ما روي اهـ. وموقف الإمام أحمد هنا شبيه بموقف الإمام مالك بن أنس في مسألة الاستواء، وهو موقف معروف رحمهما الله تعالى، بل هذا موقف أئمة السلف قاطبة في جميع صفات الله تعالى لأن المعروف عنهم أنهم لا يتجاوزن الكتاب والسنة في جميع المطالب الإلهية. ومما يشهد لما ذكرنا ما قاله الحافظ ابن القيم بعد ذكر أقسام الناس في مسألة الانتقال والحركة - وأما الذين أمسكوا عن الأمرين فقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، ثم قال رحمه الله: تظهر صحة هذه الطريقة ظهوراً تاماً فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، مثل لفظ الجسم والحيز والأعراض، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل، قبل التفصيل، فهذه لا تقبل مطلقاً، ولا ترد مطلقاً لأنها لم يرد إثباتها ولا نفيها اهـ. والذي يظهر لي أن لفظ الحركة والانتقال من الألفاظ التي يجب عدم إطلاقها لا نفياً ولا إثباتاً، فيسعنا ما وسع السلف فيها وفي غيرها، وذلك أسلم، والله أعلم. ومن أقوال هؤلاء الأئمة ومواقفهم يتضح جلياً موقف السلف الصالح من هذه الصفة وغيرها من جميع الصفات الإلهية، وهو الاكتفاء بفهم المعاني العامة للصفات، والإمساك عن الخوض فيما وراء ذلك، فهم لا يبالغون في الإثبات إلى حد التشبيه والتجسيم كما لا يبالغون في النفي إلى حد التعطيل، بل يقفون مع ظاهر النصوص، ولا يتجاوزونها، وبالله التوفيق. وأما موقف الخلف هنا كموقفهم في جميع الصفات على ما تقدم تفصيله من وجوب التأويل وعدم اعتقاد ظاهر النصوص، أما النزول فقد أولوه بنزول الملائكة تارة، وبنزول الأمر تارة أخرى، وقد سبق أن ناقشنا غير مرة، وبيّنا أنه يؤدي إلى القول على الله بغير علم، مع بعده عما كان عليه المسلمون الأولون من الصحابة والتابعين. وهم الناس الذي يقتدي بهم في هذا الباب وغيره، ومخالفتهم تعتبر اتباع غير سبيل المؤمنين، وهو أمر في غاية الخطورة، كما لا يخفى. وختاماً نقول قول الإمام مالك في صفة الاستواء: "النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، رحم الله سلفنا ما أقل كلامهم، وما أغزر معناه. الصفة الرابعة: صفة مجيء الله تعالى يوم القيامة: وإذا كنا قد تحدثنا عن استواء الله على عرشه كما يليق به سبحانه، ثم أتبعنا ذلك بالحديث عن معية الله تعالى العامة مع خلقه، بعلمه واطلاعه والخاصة مع خاصة عباده بعلمه، وبنصره وتأييده، ثم أثبتنا نزوله سبحانه إلى سماء الدنيا كل ليلة على ما يليق بعظمته وجلاله رحمة لعباده، يجيب دعوة الداعين، ويعطي السائلين. وبعد الحديث عن هذه الصفات الثلاث فلنتبع ذلك بحديث موجز عن مجيء الرب تعالى يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده في ضوء الكتاب والسنة دون أن نتجاوزهما، لأنهما نورنا الذي نستضيء به في عملنا هذا، فإتيان الله تعالى يوم القيامة ثبت بآيات من الكتاب العزيز، وبأحاديث نبوية صحيحة تلقاها علماء السلف بالقبول، ونقلوها إلى من بعدهم كما فهموها، ودرج على الإيمان بها من بعدهم وإقرارها، وإمرارها كما جاءت، وكما تلقوها. وهم خير القرون، بل هم الناس الذين يسألون عن فهمهم للنصوص كيف فهموها، وكيف عملوا بها، ليقتدى بهم، ولا سيما باب الأسماء والصفات، فالخير والهدى والاطمئنان في اتباعهم، والتأسي بهم، والشر والضلال والاضطراب وعدم اليقين في الدين محقق في مخالفتهم واتباع غير سبيلهم. فعلى هذا المفهوم نتحدث عن هذه الصفة كما تحدثنا عن غيرها على المفهوم نفسه، وبالله التوفيق. الآيات في صفة المجيء: جاءت في كتاب الله عدة آيات تخبرنا عن مجيء الله يوم القيامة ليفصل بين عباده وليحكم بينهم، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ، وقوله سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ} ، وقوله سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} . ومن التقاليد الموروثة لدى كثير من المفسرين الذين ينهجون منهج الخلف أن يفسروا "المجيء" المذكور في سورة الفجر {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}، بمجيء أمر الله سبحانه - وقبل أن أواصل الحديث على هذه النقطة وما بعدها أريد أن أسأل أصحاب هذا الرأي: من أين يأتي أمر الله؟! فلا بد أن يكون الجواب: يأتي أمر الله من عند الله، فهو جواب لا بأس به. وبقي سؤال آخر: أين الله؟ الذي يأتي الأمر من عنده؟ هنا يضطرب النفاة، فأول ما يفعله النفاة من مثل هذا الموقف أن يقولوا: لا يسأل عن الله بأين؟ هكذا يفهمون!! وبذلك يبرهنون على بعدهم عن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الذي هو أول من سأل عن الله بأين ليختبر إيمان تلك الجارية التي يريد مولاها أن يعتقها لو كانت مؤمنة. والقصة معروفة لدى طلاب العلم. أعود إلى السياق لأقول: إذا كان النفاة لا يثبتون علو الله على خلقه، فلا معنى لقولهم: "جاء أمر ربك"!! لأنهم لا يدرون من أين يأتي الأمر؟ اللهم إلا إذا زعموا أن الأمر يأتي من كل مكان. ولا نعلم أحداً قال بهذا القول!! وعلى كل حال، فإنهم إن عالجوا هذه الآية بهذا التهرب عن الحقيقة، ثم عالجوا آية سورة البقرة بالأسلوب ذاته، فما يصنعون بقوله تعالى في سورة الأنعام {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}!!. أما المفسرون الذين ينهجون منهج السلف الذين يفسرون القرآن تفسيراً لغوياً وأثرياً فيطبقون على أن معنى الآية هكذا. هل ينتظر هؤلاء الذين يعدلون بربهم الأوثان والأصنام ويكفرون بلقاء الله، وجزائه، إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم، أو أن يأتيهم ربك "يا محمد" يوم القيامة بين خلقه أو أن يأتيهم بعض آيات ربك، من أظهرها طلوع الشمس من مغربها . هذا قول شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري مع التصرف في العبارة، ثم نقل ابن جرير تفاسير بعض الصحابة والتابعين، ثم سرد عدداً من الأحاديث المرفوعة والموقوفة تأييداً لتفسيره. ثم إنني تتبعت أقوال المفسرين عند غير ابن جرير فلا يكادون يختلفون. وقد نقل الإمام الشوكاني في تفسيره عند الآية المذكورة تفاسير كبار المفسرين مثل مقاتل، وابن مسعود، وحديثاً موقوفاً عن أبي سعيد الخدري في تفسير الآية، في معنى مجيء الملائكة، ومجيء الله تعالى، ومجيء بعض آياته دون أدنى اختلاف إلا ما كان في العبارة والأسلوب لأنهم يستقون جميعاً من معين واحد، وهو "الوحي" الذي يستوحون منه مراد الله من كلامه سبحانه، ثم يستوضحون ما أشكل عليهم من سنة نبيهم، فلا يقولون على الله بغير علم. وبعد: فليس لدى النفاة - فيما أحسب- جواب بالنسبة لهذه الآية ما لم يركبوا رؤوسهم، إذ لم يبق هناك من يضيفون إليه المجيء لأن الآية قطعت عليهم خط الرجعة -كما يقولون- حيث ذكرت مجيء الملائكة لقبض الأرواح، ثم ذكرت مجيء الرب سبحانه للحساب والقضاء ثم ذكرت مجيء أمر الله تعالى بأمره سبحانه، فأين يذهبون؟!! وماذا يصنعون؟ ولعلهم يَسألون فيقلون: إذا قلتم: ينـزل الرب، ويجيء يوم القيامة، فهل معنى ذلك أن هذا المجيء مجيء بانتقال؟ وهل يخلو منه العرش عندئذ؟ الجواب: هذا نوع من الخوض الذي ناقشناه في صفة النزول، فخرجنا منه بالقول بأن أسعد الناس بالدليل هم الممسكون عن القول بانتقال أو عدم انتقال، والممسكون عن القول بخلو العرش، أو عدم خلوه، لأنهم سكتوا عما سكت عنه الكتاب والسنة. هذا ملخص ما قلناه هناك، وبه نقول هنا، ونزيد أن محاولة معرفة هذه النقطة فيها محاولة الإحاطة بالله علماً، وذلك مستحيل شرعاً وعقلاً. إنما الواقع أن الله هو الذي يحيط خلقه بعلمه، أما هو سبحانه يُعْلَم ولا يحاط به علماً، {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء}، ولا يحيطون بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله علماً، فالنزول والمجيء من أفعال ربنا تعالى فينتهي علمنا فيهما وفي غيرهما من أفعال ربنا بمعرفة المعنى العام وكفى. هذا هو مسلك سلفنا الصالح، فيسعنا ما وسعهم. فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف ومما يؤمن به أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يُحدثُ من أمره ما يشاء، ومما يحدثه في نهاية المطاف لهذه الدار أن يأمر الشمس أن تطلع من مغربها بدل مشرقها، إعلاناً لنهاية هذه الحياة، من هنا يغلق باب التوبة، ولا يقبل إيمان أو عمل صالح ممن يريد أن يؤمن، أو يعمل صالحاً بعد هذا الطلوع الغريب. ثم إذا جمع الله الأولين والآخرين يأتي يوم القيامة ليحاسب عباده {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ، هناك يتميز المؤمن الصادق الذي كان يعمل بصدق ويقين {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} ، فيأتي الرب تعالى فيعرفه المؤمنون بعلامته الخاصة فيسجدون له سبحانه سجود تعظيم وشكر في آن واحد، فيحاول المراؤون أن يتظاهروا كعادتهم بالسجود الأجوف، ولكن الله يفضحهم حيث تصبح ظهورهم. طبقاً فلا يستطيعون السجود بل يسقطون على ظهورهم. هكذا يأتي الله ويحاسب عباده ويفصل بينهم، وسيأتي مزيد بحث لهذه النقطة عند الكلام على الرؤية إن شاء الله تعالى في نهاية الكلام على الصفات المختارة، والله ولي التوفيق. الصفة الخامسة: صفة الكلام: هذه الصفة من الصفات التي ضل فيها كثير من الناس عن الصواب، وهي من هذه الناحية تشبه صفة "الاستواء"، بل تفرق الناس فيها أكثر من تفرقهم في صفة "الاستواء"، إذ تفرق الناس فيها إلى تسع فرق كلها تائهة عن الجادة إلا واحدة، وهي التي تمسكت بما كان عليه سلف هذه الأمة وخيرها، وأمسكت عن الخوض تأدباً مع نصوص الكتاب والسنة، وإيماناً منها بتلك النصوص المتضافرة والأدلة المتنوعة التي سوف تمر بنا إن شاء الله قريباً، وللإمام الطحاوي عبارة لطيفة في هذا المعنى إذ يقول: ولما أوعد الله بسقر لمن قال: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} ، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر" اهـ. وصفة الكلام - عند التحقيق- صفة ذاتية قديمة قائمة بذاته تعالى باعتبار نوع الكلام، وهي صفة فعل تتعلق بها مشيئة الله تعالى باعتبار أفراد الكلام، لأن الكلام الذي خاطب الله به نوحاً عليه السلام في شأن ابنه: {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، غير الكلام الذي خاطب به موسى عليه السلام: {أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، وهو غير الكلام الذي خاطب به عيسى عليه السلام: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ} ، وهذا الكلام كله غير الكلام الذي خاطب الله به خاتم رسله، وإمامهم محمداً عليه الصلاة والسلام ليلة الإسراء والمعراج في شأن الصلاة "لقد خففت عن عبادي، وأمضيت فريضتي" . وهذا كله غير القرآن الذي أنزله عليه وختم به كتبه، هذا المعنى، وهذا الفهم هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة. وهم الفرقة الناجية التي تمسكت بما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام فيما نعتقد، وهذا يعني أنهم يثبتون لله كلاماً حقيقياً يسمعه المخاطب، وأن هذا القرآن الذي نقرأه بألسنتنا، ونحفظه في صدورنا ونكتبه في ألواحنا وكتبنا أنه كلام الله حقيقة لفظه ومعناه، ولا يبحثون عن كيفية تكلمه تعالى به، لأننا نؤمن به، ولا نحيط به علماً، هذا هو موقف السلف من صفة الكلام بإيجاز، لعلمهم بأن الوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص، ولا يختلف العقلاء في ذلك، وكلنا نعلم أن معبود قوم موسى الذي اتخذوه من حليهم مما عيب عليه عدم الكلام، بل يستدل بذلك على أنه ليس بإله، إذ يقول الله تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} . 1- ومن أقوى الأدلة على أن الله يتكلم حقيقة، قوله تعالى: {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، حيث أكد الكلام بالمصدر المثبت للحقيقة النافي للمعنى المجازي، وهو أسلوب معروف عند أهل اللغة، فمن قال: قتلت العدو قتلاً لا يفهم من كلامه إلا القتل الحقيقي الذي هو إزهاق الروح، بخلاف ما لو قال: قتلت العدو فسكت، فإنه يحتمل القتل الحقيقي، ويحتمل الضرب الشديد المؤلم جداً، ولعله واضح. ومما يحكى في هذا الصدد أن بعض المعتزلة قال لأبي عمرو بن العلاء أحد القراء السبعة: أريد أن تقرأ {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} بنصب لفظ الجلالة، ليكون موسى هو المتكلم، لا "الله"!! فقال له أبو عمرو: هب أني قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} !! فبهت المعتزلي!! 2- قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} ، فأنت ترى أن الله عاقبهم وأهانهم بترك تكليمهم تكليم إكرام وإنعام، ولكنه سبحانه يكلمهم ويوبخهم بقوله: {اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} . 3- قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} . أما هذه الآية فمن أقوى الأدلة في أن هذا القرآن المقروء والمسموع كلام الله حقيقة، وهي رد مفحم لأولئك الذي يزعمون أن هذا القرآن ليس بكلام الله حقيقة، وإنما هو دال على كلام الله الحقيقي النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، أو هو عبارة عنه، يا ليت شعري من الذي عبر عما في نفس الله؟!! هذه عبارات تقليدية وموروثة يرددها المقلدون، وهم لا يفقهون ماذا تعني هذه العبارة؟!! وهي تعني - فيما تعني- الاستخفاف بالقرآن الكريم، وعدم احترامه الاحترام الذاتي، وإنما يحترم بواسطة غيره، وهو ذلك الكلام النفسي الذي يدل عليه. وهذا المعنى مصرح به في بعض كتبهم، وهم يضمرونه في أنفسهم، ولا يصرحون به في كل مكان إلا في مقام التعليم لبيان الواقع -كما يزعمون- هكذا يسيئون إلى كلام الله تأثراً بآراء أهل الكلام المذموم الذي يرجع سنده إلى ما وراء الإسلام، وهو دخيل على الإسلام، وليس من علوم المسلمين كما تقدم في أوائل الرسالة. هذه بعض آيات القرآن التي تدل على أن الله موصوف بصفة الكلام، ومنه القرآن، وهناك أحاديث في هذا المعنى منها: 1- قوله تعالى لأهل الجنة: "يا أهل الجنة هل رضيتم" الحديث، وهو حديث صحيح عن أبي سعيد الخدري. 2- قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئاً فإذا فُزّع عن قلوبهم، وسكت الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الْحَقَّ} . ويذكر عن جابر وعن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قرب، أنا الملك أن الديان". 3- قال الإمام البخاري: باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة، ثم ساق سنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله قد أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في أهل الأرض". 4- ثم ساق حديثاً آخر عن الأعرج عن أبي هريرة، وفيه: "ثم يعرج الذين باتوا فيكم - يعني الملائكة- فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم يصلون وأتيناهم يصلون". 5- قال الإمام البخاري: باب قول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه}، ثم ساق حديثاً مسنداً عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه: "يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي". 6- ثم قال الإمام البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه: باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. ثم ساق حديث الشفاعة بطوله وألفاظه المختلفة، وفي آخره يقول النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: "فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله" . هذه الأحاديث وأخرى كثيرة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وعند أصحاب السنن الأربعة تضاف إلى الآيات الكثيرة التي تثبت لله الكلام اللفظي الحقيقي، ومن ذلك القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى. هذه بعض الأدلة لأتباع السلف في إثبات صفة الكلام باقية على ظاهرها كما يليق بالله لا كما يناسب المخلوق. موقف الخلف من هذه الصفة ومناقشتهم أما الخلف فقد اختلفت آراؤهم، وتباينت مذاهبهم في هذه الصفة ولكنهم - على اختلافهم الشديد- متفقون على عدم إيمانهم بكلام الله الحقيقي اللفظي الذي يسمعه المخاطب والذي من جملته القرآن الكريم. فنخص منهم هنا بالحديث الأشاعرة لاعتبارات كثيرة، ليس هذا محل بيانها ومن أهمها: 1- أنهم هم الناس الذين لهم وجود جماعي، وبكثرة ملحوظة في دنيا المسلمين اليوم، لو كانت الكثرة لها اعتبار ما في المعنى الإيجابي بهذا الصدد. 2- ثم إنهم يهتفون بهتاف نحن "أهل السنة والجماعة" بصرف النظر هل "ليلى" تُقر لهم بهذه الدعوى أم لا؟!! وكل يدعي وصلاً لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك 3- أنهم أقرب من غيرهم نسبياً إلى منهج السلف، ولو في بعض المواقف ومع ذلك أن موقفهم من "معنى" كلام الله لغريب جداً، حيث زعموا أن كلام الله معنى واحد، قائم بذات الله تعالى، وهو الأمر والنهي والخبر والاستخبار إن عبر عنه بالعربية كان قرآناً، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة. فياليت شعري من المعبر عما في نفس الله باللغتين؟!! إنه لموقف غريب ولا مثيل له حتى في كلام أهل الكلام مع ما فيهم من التطرف في بعض النقاط، وهذه العقيدة كانت في الأصل لابن كُلاب، وتبعه فيها أبو الحسن الأشعري عقب رجوعه عن الاعتزال وقبل وصوله إلى منهج السلف الذي يعتبر آخر الأطوار الثلاثة له رحمه الله، كما تقدم غير مرة في هذه الرسالة نفسها، أما الأشعرية المعاصرة فعلى ما كان عليه أبو الحسن في الطور الثاني، ولذا نسميهم أحياناً "الأشعرية الكلابية" فليُعلم ذلك. شبهتهم في إنكار الكلام اللفظي: وأما شبهتهم فيما ذهبوا إليه أنهم يقولون: إن كان الله تعالى يتكلم بكلام له صوت وحرف، لزم من ذلك التشبيه والتجسيم، لأنه لا بد له حينئذ من مخارج الحروف من اللسان والشفتين وغيرهما. والله منزه عن ذلك. إلى آخر كلامهم المعروف. هذه شبهتهم وهي من أخوات ما تقدم من الشبهات ومن نسيج واحد. الجواب: إذا قلنا: إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله وعظمته، دون أن نلزم كلامه لوازم كلام البشر انتفت الشبهة. وقد جاء في القرآن الكريم أن بعض أعضاء بني آدم سوف تتكلم يوم القيامة كما ثبت في السنة كلام بعض الجمادات، وكل ذلك دون أن يكون لها مخارج الحروف، وإذا كنا نؤمن بكلام هذه الأشياء تصديقاً لخبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، فكيف نستبعد إذاً أن يتكلم الله كيف يشاء ومتى شاء، وهو على كل شيء قدير، أو كيف نحاول أن ندرك كيفية تكلمه؟ وإذا ما عجزنا عن الإدراك، نفينا كلامه، كأننا نكذب كتابه ورسوله الصادق الأمين. أو نتلاعب بالنصوص بعقولنا القاصرة بدعوى التأويل، ونحن عاجزون عن إدراك كيفية كلام الأشياء المذكورة، وهي من مخلوقات الله تعالى؟!! فكم كان حسناً بل من الإنصاف الواجب لو فكر القوم في الرجوع إلى الجادة، وهي خير من "بُنَيّات الطريق". وإليكم النصوص المشار إليها من الكتاب والسنة: 1- قوله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} . 2- قوله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} . 3- تسبيح الحصا، وتسبيح الطعام، وسلام الحجر على المبعوث بالمعجزات الباهرات محمد عليه الصلاة والسلام، كما أثبتت السنة ذلك، ونحن وإياكم نؤمن بذلك كله، فلنؤمن إذاً بكلام الله الذي أنطقها، وهو على كل شيء قدير. فقالوا: أما بالنسبة لهذا القرآن فهناك آية تدل على أنه مخلوق!! وهو قوله تعالى: {اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ، لأن القرآن شيء، فلا بد أن يدخل في عموم "كل" لأنها من ألفاظ العموم. والجواب على هذه الشبهة: أن هذا الاستدلال من أغرب أنواع الاستدلالات لما يأتي: أولاً: كيف يسوغ لهم الاستدلال بالقرآن المخلوق -في زعمهم- على أن القرآن نفسه مخلوق؟!! وبعبارة أخرى: إذا كان قوله تعالى: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، مخلوقاً -كما زعموا- فلا يصح أن يكون دليلاً لهم!! هذا، وإن كان القوم لا يصرحون بهذا المعنى إلا في مقام التعليم -كما يقولون- احتراماً لهذا الكلام اللفظي الدال على الكلام النفسي الحقيقي -كما يزعمون- ولكن واقع عقيدتهم في القرآن هو ما ذكرنا، لأنهم يتفقون مع المعتزلة في أن القرآن مخلوق ، وإن اختلفوا معهم في الأسلوب والطريقة لأن أولئك صرحاء فيما يعتقدون، كما تقدم البحث مفصلاً في مسألة الاستواء. ثانياً: هل هم جهلوا أو تجاهلوا تجاهل عارف أن عموم "كل" في كل موضع بحسبه يختلف باختلاف المواضع، يعرف ذلك بالقرائن؟!! ولو أخذ العموم هنا كما أرادوا لدخلت في هذا العموم جميع صفات الله تعالى، بل المفهوم الصحيح أن عموم "كل" هنا إنما يعني كل شيء مخلوق. فلا يدخل في العموم شيء من صفات الله، من الكلام وغيره، ومما يؤيد ما قلناه قوله تعالى في وصف الريح التي أرسلها الله إلى قوم "هود" {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ} ، وهي لم تدمر كل شيء موجود، وإنما دمّرت ما أراد الله تدميره من الأشياء التي تستحق التدمير. أما مساكنهم وأشياء كثيرة أخرى لم تدمر، وكذلك قوله تعالى وهو يخبرنا عن "بلقيس": {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} ، وهل أوتيت "بلقيس" من كل شيء في الدنيا أو حتى كل شيء في ناحيتها؟!! لا، وإنما أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في مملكتهم، وهو أمر واضح كما ترى، ولو أن إنساناً قال: قد حضر وليمة فلان كل الناس، إنما يفهم السامع أنه حضرها جميع المدعوين دون أن يتخلف أحد لديه "بطاقة" الدعوة. وبعد: فلما خنقتهم الأدلة، وضايقهم أتباع السلف بالمناقشة حول النصوص التي وضعوها في غير موضعها، وأساؤوا فهمها، لجأوا إلى بيت شعر هزيل، لا مستند له، لشاعر نصراني "الأخطل" حيث يقول: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعِل اللسانُ على الفؤاد دليلا لجوء الغريق في السيل الجارف إلى كل ما تقع عليه يده أياً كان نوعه، وهو يحاول أن يجد ما يتعلق به ليسلم من الغرق، وربما مد يده إلى ذلك "الزبد" الذي يعلو السيل، ويتجمع أحياناً في بعض المنعطفات، فإذا ما وصلت يده إليه، لم يجده شيئاً، بل يتبعثر ويذهب مع الماء. وبيت الأخطل كهذا الزبد أو هو كبيت العنكبوت {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ } فالاستدلال به في غاية الفساد للأوجه التالية: أولاً: أن المستدلين بهذا البيت قد ردوا، أو من أصولهم أن يردوا أحاديث نبوية مهما بلغت من الصحة، وتلقاها أهل العلم بالقبول، ما لم تبلغ حد التواتر، أو بلغت حد التواتر عند بعضهم بدعوى أنها أخبار آحاد، أو أدلة لفظية!! فكيف يستدلون بهذا البيت الذي يختلف أهل العلم في ثبوته؟!! وعلى فرض ثبوته فهل تواتر نقله؟!! ثانياً: إن ما يريدون إثباته بهذا البيت النصراني، من أن الكلام ما في النفس أي "حديث النفس" مردود بالنصوص التالية: أ- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" . ب- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به" . جـ- قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا يتكلموا في الصلاة" . فاستناداً إلى هذه النصوص قد اتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامداً لغير مصلحتها، بطلت صلاته، كما اتفقوا على أن ما يقول بالقلب من حديث النفس لا يبطل الصلاة، فعلم باتفاق من يعتد باتفاقهم أن حديث النفس ليس بكلام، لغة وشرعاًَ. والشارع إنما خاطب الناس بلغة العرب وهي لغة قرآنهم، إذاً فإن الكلام ما كان بصوت وحرف مسموع، ومما هو صريح في هذا المعنى حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: يا رسول الله! إننا لمؤاخذون بما نتكلم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم" . وهذا الحديث وإن لم يسلم سلامة كاملة في سنده حيث رمي بالانقطاع، إلا أنه يشهد له ما تقدم من الأحاديث الصحاح، ليدل على المقصود علماً بأننا نستدل به من الناحية اللغوية مضموماً إلى ما تقدم، كما قلنا وبالله التوفيق. وبعد: فلو ترك الناس على فطرهم السليمة، وعقولهم المستقيمة، ولغتهم العربية الواضحة لم ينزلقوا هذه الانزلاقات في المطالب الإلهية، ولا تنازعوا هذا النزاع الحاد، والله المستعان. ومن المفيد جداً أن أضيف إلى ما ذكرت نموذجاً من كلام الإمام أبي الحسن الأشعري الذي تنتسب إليه الأشعرية المعاصرة أي إلى مذهبه الذي عاش عليه فترة من الزمن مع ابن كلاب، ثم تركه. وهذا النموذج عبارة عن مناقشة حادة مع الجهمية سجلها الإمام أبو الحسن في كتابه "الإبانة في أصول الديانة" وهو آخر كتاب ألفه بعد رجوعه إلى منهج السلف فيما نعلم، وهو على فقرتين، يقول الإمام أبو الحسن في فقرة: أ- زعمت الجهمية -كما زعمت النصارى- لأن النصارى زعمت أن كلمة الله حواها بطن "مريم"، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن القرآن مخلوق، حل في شجرة فكانت الشجرة حاوية له فلزمهم أن تكون الشجرة متكلمة بذلك الكلام، ووجب عليهم أن مخلوقاً من المخلوقات كلم موسى، وأن الشجرة قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني. ب- وقال الإمام أبو الحسن وهو يصف القرآن الذي تزعم الجهمية والأشاعرة معاً أنه مخلوق: "وهو متلو بالألسنة، قال تعالى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ} ". ثم قال الإمام: والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} ، وقد قال الإمام قبل ذلك: القرآن في اللوح المحفوظ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} . هكذا يؤكد الإمام أبو الحسن بهذا الأسلوب في عدة مواضع في كتابه الإبانة أن هذا القرآن الذي نقرأه ونحفظه كلام الله حقيقة بألفاظه ومعانيه، وليس هو عبارة عن الكلام النفسي أو دالاً عليه أو ترجمة له كما يزعم متأخرو الأشاعرة، بل هو كلام الله عناه الله بقوله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} لأن الكلام اللفظي المقروء هو المسموع، أما حديث النفس فلا يقرأ ولا يسمع. وإذا قارنا بين ما سجله الإمام أبو الحسن الأشعري في "إبانته" وبين ما يقوله ويعتقده متأخرو الأشاعرة، نستطيع أن نقول بأن نسبتهم للإمام أبي الحسن غير صحيحة، فأرى من المناسب أن أسجل هنا ما قاله المحدث المصري السلفي الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله: "أما الأشعرية اسم المذهب المنسوب إلى أبي الحسن الأشعري في علم الكلام"، فكما أنه لا يمثل الأشعري ما كان عليه في طور اعتزاله، فإنه ليس من الإنصاف أن تلصق به الأشعرية بعد أن رجع إلى عقيدة السلف التي أراد أن يلقى الله تعالى عليها. بل إن المذهب الأشعري المنسوب إليه إنما ينسب إلى ما كان عليه ابن كُلاّب البصري المتوفى سنة 240هـ، كما أوضح ذلك تقي الدين ابن تيمية في كتابه العقل والنقل ، وهو كلام في غاية الوجاهة كما ترى، فلا يحتاج إلى تعليق. ثم قال أبو الحسن - وهو يحاور الجهمية بأسلوب آخر غير الذي تقدم ليثبت بأن كلام الله - على تعدده وتنوعه- غير مخلوق، حيث يقول: "قد استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام بكلمات الله التامات من شر ما خلق، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"، وعلم أمته بتلك الاستعاذة وهي الالتجاء إلى الله من شر خلقه، فهي عبادة عظيمة، فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما استعاذ بها صلى الله عليه وسلم ولما علّم أمته، لأنه عليه الصلاة والسلام ينهى عن ذلك، بل يعده نوعاً من الإشراك بالله. ما يستفاد من هذه الاستعاذة: ثم إن هذه الاستعاذة المباركة تدلنا على الأمور التالية: أولاً: جواز الاستعاذة بأسمائه وصفاته كما يستعاذ بذاته، ويؤيد ما قلنا قوله عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" . ثانياً: أن كلمات الله ليست مخلوقة إذ لو كانت مخلوقة لما استعاذ بها رسول الله عليه الصلاة والسلام كما تقدم. ثالثاً: إن كلام الله ليس معنى واحداً يقوم بالذات، ليس بحرف، ولا صوت، كما تزعمه الأشاعرة المتأخرة، بل كلمات الله لا حد لها، لأنها من كمالاته، فكمالاته سبحانه لا تنتهي، ومما يزيد المقام بياناً قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} ، وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . هذه المعاني هي التي يريد الإمام أبو الحسن إثباتها ليحاجج الجهمية، ومن يوافقهم في اعتقادهم بأن كلام الله مخلوق، وقد سبقه إلى مثل هذا الحوار إمام أهل السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل حيث ألف كتاباً مستقلاً في الرد على الجهمية، وسبق أن تحدثنا عن ذلك الكتاب، ونود أن ننقل هنا نموذجاً من حواره مع الجهمية في كلام الله تعالى، فيبدأ الحوار هكذا: قالت الجهمية: إن الله لا يكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئاً فعبر عن الله، وخلق أصواتاً فأسمع. وزعموا أن الكلام "اللفظي" لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. فيقول الإمام أحمد: قلنا: هل يجوز لمُكَوّن أو لغير الله أن يقول: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّك} ؟ أو يقول: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي} ، فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية كما زعم الجهم أن الله كوّن شيئاً كأن يقول ذلك المكوّن: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، وقال جل ثناؤه:{وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} ، إلى تلك الآيات التي ساقها، وهو يحاورهم، ثم قال: فهذا منصوص القرآن، ثم قال: فأما ما قالوا: "إن الله لا يتكلم" فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه". ثم قال الإمام أحمد أما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف، وفم وشفتين، ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: {اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} ، أتراها قالت: بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟!! وقال: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} ، أتراها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين"؟!! الجواب الذي لا بد منه "لا" في جميع هذه الاستفهامات، ولكن الله القادر على كل شيء هو الذي أنطق تلك الجمادات، فجعلها تتكلم حقيقة دون آلات معهودة للتكلم عادة تسمى "مخارج الحروف"، فهل الذي مكن لهذه المخلوقات من التكلم يعجز عن الكلام؟ أو يمتنع عليه الكلام "اللفظي" - كما زعمت الجهمية - لماذا يمتنع عليه؟!! هل لأن الكلام نقص؟!! أو بعبارة أخرى: هل الكلام من صفات النقص أو من صفات الكمال؟!! أليس المخلوق الذي يتصف بالكلام خير وأجمل من الذي لا يتكلم؟ الجواب "بلى" بإجماع العقلاء. فهل تُسوّغ عقول الجهمية أن يكون المخلوق أكمل من الخالق؟ لأن كثيراً من المخلوقات تتصف بالكلام - وهو صفة كمال- والخالق يمتنع عليه الكلام؟!! أفليس الذي يعطي الكمال أولى بأن يتصف بالكمال على أكمل وجه بحيث لا يشاركه أحد في خصائص ذلك الكمال؟!! الجواب "بلى" لدى جميع العقلاء. هذا المعنى هو الذي يدور حوله حوار الإمام أحمد، والزاماته للجهمية لو كانوا منصفين وطلاب حق، وأخيراً هو الذي يريد إثباته أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة. الصفة السادسة: صفة المحبة: هذه الصفة تتحقق بين العبد الذي يحب ربه وسيده ومولاه، وبين ربه الكريم عز وجل الذي أخبر أنه يحب عباده المتقين المحسنين، ومحبة العبد لربه -كما يراها بعض المحققين ، وكما هو الواقع -هي حقيقة "لا إله إلا الله"، وهي تتفاوت فيما بين العباد، فكلما يزداد العبد في تحقيق لا إله إلا الله يزداد محبة لله، ورغبة في لقائه، فأكثر العباد محبة لله الأنبياء ثم الصالحون من أتباعهم، لأن محبتهم لله حق المحبة هي التي حملتهم على تحمل المشاق والمصاعب، وعلى تحمل كل ما لاقوه في سبيل الدعوة إلى الله إلى محبته، والإيمان به سبحانه وإصلاح شئون عباده. فالخوف والخشية والتفاني في طاعة الله، وحسن عبادته، وتحمل الأذى في سبيل إظهار دينه، وإعلاء كلمته ونصح عباده، وتقديم الخير لهم كل أولئك ثمرات من ثمار محبة الله الصادقة التي لا تتم إلا إذا وصلت به تلك المحبة إلى درجة أنه من شدة محبته لربه ومن صحة محبته له، يحب كل من يحبه، والعمل الذي يحبه، وكل خصلة أو صفة يعلم أن الله يحبها ومن الأدعية المأثورة: "اللهم ارزقنا حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يقربنا إلى حبك". ومحبة العبد لربه - إذا صحت، وتحققت فهي فوق كل محبة تقدر، ولا نسبة لجميع المحاب لها، إذ هي الطاقة المحركة للعبد إلى فعل كل خير واجتناب كل شر، بل كل تصرفات العبد في تعامله مع الله، وتعامله مع عباده نابعة من تلك الطاقة "المحبة" يتحرك العبد ويعمل ويعطي بتلك الطاقة لأن مقرها "القلب" الذي إذا صلح، صلح كل شيء، وإذا فسد، فسد كل شيء، فسد دينه، وفسدت عقيدته، وفقد محبة ربه ومولاه، وإذا ما تعطلت تلك الطاقة وغيض نبعها، هناك الهلاك، والعبد في هذه الحالة قد مات قلبه كلياً وهو لا يدري. فهل صلاة العبد وحسنها والخشوع فيها إلا ثمرة من ثمرات محبته لربه سبحانه ورغبته في قربه منه!! وهل أنفق المنفقون من أموالهم وعصارة كدهم في مرضاة ربهم إلا لمحبتهم لربهم أكثر من محبتهم لأموالهم؟!! وهل صام عبد وحج وجاهد وتكبد المشاق في سبيل ذلك إلا بدافع من محبته لربه ورغبته فيما عنده سبحانه!! وبالاختصار لم يعبد الله عبد، ولم يركع ولم يسجد إلا بدافع المحبة، ولم يتكاسل ولم يعجز إلا لفقدان محبته لربه وتقديره لربه حق قدره أو نقصانها. هذا هو مفهوم المحبة عند أهل السنة وعلماء الحديث الذين هم الناس الذين يقتدى بهم في مثل هذا المجال. وأما محبة الرب سبحانه لعباده من أنبيائه وأوليائه أهل طاعته، فهي صفة عظيمة وحبيبة إلى قلوب عباده المحبين، وهي صفة مستقلة قائمة بالله تعالى، وهي فعل من أفعال الرب تعالى يؤهل لهذه المحبة من شاء من عباده ويخذل من شاء ولا يوفقه لينالها فرحمته وإحسانه وعطاؤه وإكرامه لمن شاء من عباده ثمرة من ثمرات محبته، وثواب لها ومن موجباتها لأن الله تعالى لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته وإحسانه وعطائه أوفر نصيب وأتمه. ولو قلت: إن محبة الله تعالى هي حقيقة إيمان العبد بربه لما بالغت، بل هذا ما يعنيه شمس الدين ابن القيم بقوله: "إنها حقيقة لا إله إلا الله" وفي اعتقادي الذي يقرب من الجزم أن الذين ينكرون المحبة إنما ينكرونها إنكاراً تقليدياً، ولا يدركون ماذا يعني هذا الإنكار، وإلا فلو كانوا يدركون أن إنكار محبة الله إنما يعني إنكار الإيمان بالله لما تجرأوا على هذا الإنكار الذي لا يُنْتِج إلا الكفر أو الزندقة. ولو سئل مسلم عادي وهو لا يزال على فطرته: هل تحب الله تعالى؟ لاندهش من هذا السؤال الغريب، ولأجاب: كيف لا أحبه، وأنا مسلم!! ولو قيل له: إن الله تعالى لا يحبك، لكانت دهشته أكبر، ولاعتبر ذلك دعاء عليه أو إخباراً بأنه لا خير فيه، بل هو مطرود من رحمة الله، ولفعل أفاعيل من الغضب الشديد، وأثاره ذلك الموقف، ولهذا أعود فأقول: إن إنكار المنكرين لمحبة العبد لربه، أو محبة الرب سبحانه لأوليائه إنكار تقليدي لا معنى هل، بل إنهم سمعوا أن من تنزيه الله تعالى عما لا يليق به أن لا تعتقد أن الله يحب أحداً، لأن المحبة انفعال نفسي وتغير من حال إلى حال، فذلك من صفات المحدثين، فاتصاف الله بها يؤدي إلى تشبيه الخالق بالمخلوق، فذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال، فوصفه تعالى بأنه يحب محال، هذه خلاصة تقريرهم، والغاية من إنكارهم، فهو كما ترى تقرير تقليدي أجوف، وإنما ينخدع به السذج من الناس، ولكنه قد ترك كثيراً من الناس في حيرة لا يستطيعون التعبير عنها، لأنهم يجدون في أنفسهم شعور المحبة وبشدة أحياناً في حالة انتباههم لآثارها، ثم يتذكرون ذلك التقرير الذي تقدم شرحه، فماذا يصنعون؟!! فكل عبد منّ الله عليه بمحبة صادقة أثمرت له المبادرة إلى طاعة الله وحسن عبادته، ووجد من نفسه الاندفاع إلى مرضاته، والتلذذ بطاعته، والراحة فيها، "أرحنا بها يا بلال" ، يشعر أن محبة الله هي التي بها حياته الروحية، وفيها نعيمه وحسن الأنس بربه، وولي نعمته. ثم إن المحبة الصادقة تتمثل أيضاً في كراهة العصيان، والابتعاد عن المخالفات والابتداع، إذ إن صاحبها يكره أن تدنس تلك العلاقة التي بينه وبين ربه "المحبة الصادقة" بأي نوع من أنواع الانصراف عنه، والغفلة والتمرد، وإذا ما نفذ فيه ما قُدّر عليه، وسبق في علم الله سبحانه أنه لا بد له من كبوة وهفوة، فتحقق ذلك، ولا محالة يعلم أن ربه الحكيم ابتلاه وامتحنه، فيبادر إلى باب مولاه وهو في ندم وحزن لا يعلم مداهما إلا ربه الذي ابتلاه، ليطلب منه في ذل ومسكنة أن يأخذ بيده فينقذه مما هو فيه من عذاب الوحشة من آثار العصيان، فيأتيه إسعافُ "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه" الحديث. وقد يستعيد عافيته وصحته أحسن وأقوى من ذي قبل، فيزداد محبة لربه وولي نعمته نعمة قبول توبته، ورده إلى بابه "وربما صحت الأجسام بالعلل". هكذا يعيش المحب طالما تؤدي طاقة المحبة عملها على الوجه المطلوب، وقد يعتريها أحياناً ما يعتريها، ولكن الله يلطف بعباده المحبين، فيُنْزِل رحمته عليها، ويعيد لها قوتها، وهكذا... أما الجهمية النفاة فإنهم يزعمون أن الله لا يُحِب ولا يُحَب، هذا هو المبدأ عندهم، وماذا يصنعون بالنصوص المصرحة بالمحبة من جانب الرب سبحانه، ومن جانب العبد؟ هل يكذبون النصوص؟ وهل يجرؤون على ذلك أمام جمهور المسلمين؟!! "لا" إذاًَ فيتأولون النصوص، نصوص محبة العباد لربهم بمحبة طاعته وعبادته والازدياد من الأعمال الصالة لينالوا الأجر والثواب. وهكذا... ومحبة الطاعة وهذه الأعمال الصالحة وتلك العبادة هي آثار أو ثمرات لتلك المحبة التي أنكروها لو كانوا يفقهون؟ وأما محبة الله لعباده فأولوها بالإحسان إليهم والتفضل بإعطاء الثواب على أعمالهم الصالحة أو بالثناء عليهم ونحو ذلك، وقد أولها بعضهم بإرادة الإنعام والإحسان، وتتلخص تأويلاتهم للمحبة فيما يلي: يؤولونها المفعول المنفصل كالعطاء والإحسان مثلاً، وأما الإرادة نفسها فيزعمون: أن الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال العالية، والمقامات المرضية سميت "محبة"، وإن تعلقت بالعقوبة والانتقام سميت "غضباً"، وهكذا إلى آخر تلك الأسماء التي سموا بها من عند أنفسهم، فتصبح المحبة عندهم أحياناً صفة فعل، وأحياناً صفة ذات. وقد ترجع أكثر صفات الأفعال إلى صفة واحدة وهي الإرادة كصفة الرحمة والمحبة والتعجب والغضب والفرح. وربما أدى تفسير المحبة أحياناً إلى ردها إلى صفة الكلام -"وموقفهم من صفة الكلام معروف" وقد تقدم، وذلك حين يقولون: إن المحبة هي ثناء الله على عباده الصالحين . وليس لدى القوم مستند فيما ذهبوا إليه لا من الأدلة العقلية، ولا من الأدلة النقلية، بل لا تؤيدهم حتى الفطرة السلمية، بل جميع طرق الأدلة عقلاً ونقلاً وفطرة حتى الذوق السليم، وكلها تدل على إثبات محبة الرب لعبده ومحبة العبد لربه. ولعل مثل هذا الموقف من الجهمية هو الذي جعل الإمام عبد الله بن المبارك يقول قولته المعروفة: "إننا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية" اهـ. ولو تأمل الإنسان مواقف أمهات الطوائف المنتسبة إلى الإسلام كالخوارج والشيعة مثلاً لوجدها كلها تحاول الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة أو على الأقل بنصوص الكتاب وحده، بصرف النظر هل أن تلك النصوص تساعدهم فيما ذهبوا إليه أو تخالفهم وقد تلعنهم!! أما الجهمية فقد بنوا عقيدتهم ومذهبهم بعيداً عن النصوص كتاباً وسنة غير محاولين الاستدلال بها، بل يحاولون تحريفها لتوافق أهوائهم ونظرياتهم، فما حظهم من الإسلام يا ترى؟!! حقاً إنهم مصابون بضعف إيمان، وقلة استسلام وانقياد للنصوص، فمثلاً لو نوقش القوم في الإرادة التي فسروا بها "المحبة" في زعمهم، ستكون النتيجة أحد أمرين: 1- إما أن يستسلموا فيعودوا إلى رشدهم، فيثبتوا الإرادة والمحبة معاً، فيسلم لهم إيمانهم وعقيدتهم لأنهم - في هذه الحالة - سلموا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام. 2- وإما أن يتعنتوا ويعاندوا، فإن عاندوا تكن فتنة في عقيدتهم، وفساد كبير في إيمانهم، لأنهم ينفون ثمرة الإيمان، وما به حلاوة الإيمان تنال، ثم يلزمهم من هذا النفي نفي الإرادة والصفات المماثلة لها مثل القدرة والعلم مثلاً، لأن "ما ثبت لأحد المثلين ثبت للآخر" سلباً وإيجاباً، ولا محالة وهذا الموقف لا يجتمع، والإيمان الصحيح كما ترى!! وقد يحاولون إيجاد مسوغ لهذا التصرف حيث يزعمون: إن المحبة ملائمة ومناسبة بين المحب والمحبوب، وتوجب للمحب بدرك محبوبه فرحاً ولذة وسروراً إلى آخر ما هنالك من الثرثرة العقيمة التي نعرفها لأهل الكلام. والجواب عن هذه الشبهة الواهية مثل أجوبتنا السابقة على مثلها من تلك الشبهات التي كلها من نسيج واحد، حيث لا يلزم عقلاً إثبات لوازم صفة المخلوق لصفة الخالق إذ لا مناسبة بينهما. فخلاصة الجواب أن ما ذكروه من لوازم "محبة" المخلوق التي نعرف حقيقتها وحقيقة صاحبها لا تلزم "محبة" الله الذي ليس كمثله شيء الذي لا نحيط به علماً ذاتاً وصفة سبحانه ما أحلمه؟!! يسمع خوض الخائضين وحذلقة المتحذلقين، ثم يمهلهم، ولا يعاجلهم لعلهم يتوبون، ويرجعون، وعلى كل حال فإن صفة المحبة صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة من الرعيل الأول وأئمة السلف، فالكلام فيها كالكلام في بقية الصفات الخبرية وبعد إذا ثبت في كتاب الله المبين، والأخبار الصحيحة بأن الله يحب عباده المحسنين، وأنهم يحبونه فليس لأحد كلام مع كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك هذه الآيات: 1- {وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . 2- {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} . 3- {ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . 4- {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . 5- {فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} . 6- {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . ومن السنة النبوية قوله عليه الصلاة والسلام: 1- "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، أو كما يكره أن تؤتى معصيته" . 2- "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" ، وهو دعاء يدعو به الداعي في ليلة يرجو أن تكون ليلة القدر -كما ثبت ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها. 3- "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أ- "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما". ب- "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله". جـ- "وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النار" . في هذا الحديث الشريف إيضاح ما سبق أن أشرنا إليه من أن محبة الله ومحبة رسوله إذا صدقتا تكونان علامة واضحة على صدق الإيمان وبهما ينال المرء حلاوة الإيمان، ويتذوقه حتى يصل إلى درجة الإحسان "فيعبد الله كأنه يراه ويشاهده" ، إيماناً ويقيناً بأن الله معه ولا يفارقه، وهو سبحانه يراه ويرى مكانه ويسمع كلامه ويعلم خلجات قلبه وحديث نفسه. وهذا الموقف بل هذا الشعور يجعل العبد يستهين بكل شيء من ملاذ الدنيا، وينسى متاعبها، وهي درجة لا يفي حقها وبيان حقيقتها قلم عادي مثل "قلمي" فلنتركها إذاًَ لأصحابها، وهنيئاً لهم. {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، بيد أننا نحبهم في الله ونرجو أن ينفعنا الله بمحبتهم. وما ألطف قول الإمام الشافعي في هذا المعنى: أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعة وأكره من بضاعته المعاصي وإن كنا جميعاً في البضاعة 4- "إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" . 5- "إن الله تعالى يحب من عباده الغيور" . هكذا ينعت القرآن المحبين والمحبوبين، أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟!! وقصارى القول: أن أصل الولاية الحب، وأصل العداوة البغض ، والله المستعان. الصفة السابعة: صفة الرحمة: هذه الصفة من الصفات التي اختلف أهل العلم فيها هل هي من صفات الذات أو من صفات الأفعال، وقد تقدم ذكر الخلاف عند الكلام على صفة الذات وصفة الفعل، والذي يترجح عند بعض أهل العلم أنها من صفات الأفعال، لأنه سبحانه وتعالى يرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، وينتقم منه ولا يرحمه، فحيث تتعلق بها مشيئة الله وقدرته فهي من صفات الأفعال ويمكن عدها من صفات الذات باعتبار أن الله لم يزل متصفاً بالرحمة، فالرحمة العامة ملازمة لذاته تعالى وإن كان أفرادها تتجدد، وقد تقدم ما يشبه هذا في صفة الكلام، والله أعلم. وعلى كل حال فهي صفة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة الذين هم خير الناس على الإطلاق، فلا يختلف السلف والخلف في – الجملة - في وصفه تعالى بالرحمة، بل إثبات بأن الله رحيم، ومن أسمائه {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، وهو أرحم الراحمين، هذا الإثبات أمر فطري لا يتوقف فيه إنسان ما، وقد جاء ذكر الرحمة في القرآن الكريم بأساليب مختلفة نذكر منها الآتي: 1- {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} . 2- {الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ} . 3- {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} . 4- {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} . 5- {فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} . 6- {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} . 7- {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} . 8- {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} . كما ورد ذكرها في السنة أيضاً مثل: 1- "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" . 2- "من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء" . 3- "إن الله كتب كتاباً وهو عنده فوق العرش، إن رحمتي غلبت غضبي"، وفي رواية "سبقت غضبي"إلى غير ذلك من نصوص الكتاب والسنة التي لم تذكر هنا إيثاراً للاختصار. وأما هذا الحديث فهو مشتمل على ثلاث صفات: صفة العلو، وقد تقدم الكلام فيها، وصفة الرحمة وهي محل الشاهد من الحديث، وصفة الغضب وسيأتي الكلام فيها، أضف إلى هذه النصوص دليل العقل والفطرة الذي أشرنا إليه سابقاً وهو أمر واضح لا إشكال فيه. والذي يهمنا هنا تحديد موقف السلف والخلف من معنى هذه الصفة "الرحمة" وأما السلف فموقفهم من معناها كموقفهم من معنى صفة الاستواء التي سبق الحديث فيها وأطلنا فيها الكلام نوعاً ما وصفة المعية وما بعدها وما قيل هناك سيقال هنا في هذه الصفة، وهو الوقوف عند فهم المعنى العام فقط دون تعمق أو تفلسف لمحاولة إدراك الكنه والكيفية ثم اللجوء إلى التأويل عند العجز عند إدراك الحقيقة، وهو أمر محتم وقد فاتهم "أن العجز عن الإدراك هو الإدراك في المطالب الإلهية" لأن إدراك كيفية صفات البارئ فوق مستوى العلم البشري {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} ، هذا هو موقف السلف من معنى صفة الرحمة بكل إيجاز. وأما الخلف فلا يسعهم – عادة - إلا الخوض والتعمق والمناقشات المتطرفة فهاك مناقشتهم بإيجاز: قال الخلف باتفاق: إن "صفة الرحمة لا يجوز إثباتها على ظاهرها، لأن الرحمة رقة في القلب أو رقة تكون في الراحم، وهي ضعف وخور في الطبيعة، وتألم على المرحوم وهذه المعاني "نقص" وما كان كذلك مستحيل في حقه تعالى فإثبات "الرحمة" إذاً مستحيل، وإنما المراد لازمها أو إرادة لازمها . وهو "إرادة" الخير أو إرادة الإحسان". وردّ هذه الشبهة كالتالي: إن ما ذكره النفاة من "الخلف" من أن حقيقة الرحمة رقة في القلب، وهو ضعف وخور إلى آخر ما هنالك، إنما هو من لوازم صفات المخلوق المعروفة لنا حقيقة ذاته وأما بالنسبة لصفات الله تعالى فهذه اللوازم غير لازمة لصفاته، وقياس صفات الخالق على صفات المخلوق قياس فاسد، وهو سر ضلال الجهمية كما لا يخفى على طالب العلم. وقد ذكرنا في غير موضع في هذه الرسالة - نقلاً من أهل العلم "أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يتحذى حذوه". فإذا كان من غير الجائز قطعاً قياس الخالق سبحانه على المخلوق في ذاته تعالى، فكذلك الأمر في الصفات، فغير جائز قياس صفاته على صفات المخلوق. ولما عرفنا حقيقة المخلوق وأحطنا به علماً ذاتاً وصفة مكنتنا هذه المعرفة من القول بأن حقيقة الرحمة في حقه هي هذه الرقة التي يحس بها الإنسان في بعض المناسبات، كما لو مر على "أعمى" يتخبط في وسط الشارع، وهو خائف قلق يشير بعصاه هنا وهناك، كأنه يحاول أن يدافع بها عن نفسه خطر تلك السيارات، هنا يرق قلب المؤمن ويشفق على هذا المسكين ويحاول إنقاذه من شر تلك السيارات ما استطاع. هذه الرقة يعرفها المرء من نفسه، ومن غيره من مخلوق مثله، وأما من لا نحيط به علماً ومن ليس كمثله شيء سبحانه والذي آمنا به إيمان إثبات وتسليم، فلا ينبغي أن نحاول معرفة حقيقة "رحمته" التي وسعت كل شيء. حتى إذا ما أدركنا تلك الحقيقة حرفنا فيها القول عن مواضعه بدعوى التأويل، علماً بأن تفسير الرحمة بالإرادة سوف لا يحل لهم الإشكال الذي يريدون حله. وبيان ذلك كالآتي: 1- يَرِدُ على هذا التفسير أنهم فسروا الصفة بصفة أخرى، أي: أن الرحمة هي الإرادة وهو تفسير مبتدع ومرفوض لدى العقلاء لأن الإرادة صفة مستقلة قائمة بنفسها كما أن الرحمة كذلك صفة قائمة بنفسها، وكذلك الغضب وسائر الصفات التي فسروها بعضها ببعض، وكلها صفات ثابتة بالكتاب والسنة. 2- ولو سلمنا جدلاً هذا التفسير، فسوف يرد عليهم في صفة الإرادة التي أثبتوها وفسروا بها الرحمة. ما أوردوه على غيرهم في صفة الرحمة. وذلك لأن الإرادة لا تكون إلا لمناسبة بين المريد والمراد، وملاءمته في ذلك تقتضي الحاجة. وإلا فما لا يحتاج إليه الحب لا ينتفع به ولا يريده، وهو معنى لا يليق بالله. فإذاً إثبات الإرادة يؤدي إلى إثبات الحاجة، وهو "نقص" ومحال في حق الله تعالى وما يؤدي إلى المحال فهو محال. فإثبات الإرادة محال، وهذا ما يؤدي إلى طرد ذلك الباب الذي فتحوه على أنفسهم حتى تنفى جميع الصفات. والمسلك السليم هو مسلك "الجماعة" وهو أن لوازم صفات المخلوق لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق. وكل الذي اعتمد عليه الخلف في نفي صفة الرحمة أو تأويلها وغيرها من الصفات التي حرفوها فيها "الكلم عن مواضعه" إنما هو إثبات لوازم صفات المخلوق لصفات الخالق وقياسها عليها، وهو خطأ في التصور أو غفلة شنيعة فليعلم ذلك. وهذه الصفة يدرك كل حي أثرها في نفسه وفي غيره في الأرض وفي السماء في كل لحظة ولمحة فما كان ينبغي أن تكون محل نقاش وجدل، بل القوم لا يشكون في آثارها التي أشرنا إليها ولكنهم وجدوا آباءهم كذلك يؤولون ويحرفون فقلدوهم تقليداً لفظياً، وقلوبهم تعترف مضطرة برحمة أرحم الراحمين، والله المستعان. الصفة الثامنة: صفة الرضا: هذه الصفة واحدة من صفات الأفعال التي فصلنا فيها القول سابقاً مثل المعية والمحبة وغيرها، وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع العلماء الذين يعتد بإجماعهم من الأئمة الأربعة وغيرهم ممن هم في طبقتهم أو بعدهم من الذين ينهجون منهج السلف الصالح. بل هذه الصفة هي مطلب كل عابد، وغاية كل سالك من طاعتهم وعباداتهم. ومن الأدعية المأثورة التي يدعو بها طلاب الرضا في أرجى الأوقات ومظان إجابة الدعاء "اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار" فالرضى عنهم في دار الكرامة وعدم السخط عليهم بعد الرضى مطلب ليس بعده مطلب. وقد تضافرت الأدلة من القرآن والسنة بذكر الرضى، أي رضى رب العالمين عن عباده المؤمنين لإيمانهم وطاعتهم وحسن عبادتهم، وإخلاص العبادة له سبحانه وعدم الالتفات إلى سواه عز وجل. كما أخبر الله في كتابه عن رضى عباده المؤمنين عن ربهم حين يتفضل عليهم فيدخلهم الجنة ويحل عليهم رضوانه الذي لا يعقبه السخط أبداً. فلنذكر بعض تلك النصوص المشار إليها فيما يلي: 1- {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} . 2- {رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} . 3- {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} . 4- "اللهم إني أعوذ بك برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك" . 5- "رضى الله في رضى الوالدين، وسخطه في سخطهما" . فإيماننا بهذه النصوص من الكتاب والسنة يجعلنا نجزم بأن السلف يثبتون هذه الصفة كغيرها من صفات ربنا تعالى، لأن النصوص المذكورة لا تتحمل التأويل إلا بنوع من التكلف، وقد نهينا عن التكلف كما نهينا عن القول على الله بغير علم. وأما الخلف فقد قالوا في هذه الصفة قولهم في جميع صفات الأفعال والصفات الخبرية وهي وجوب تأويلها بدعوى أن الرضا انفعال نفس وتغير من حال إلى حال، فذلك لا يليق بالله تعالى، وإنما المراد لازمه أو إرادة لازمه. ولازمه هو العطاء أو الإنعام، أو الثواب الجزيل، وسبق أن ناقشنا موقفهم هذا في غير موضع في صفة المحبة وصفة الرحمة وغيرهما من صفات الأفعال التي سبق الكلام فيها فلا نرى لزوماً لإعادة ذلك. الصفة التاسعة: صفة الضحك لله تعالى: الضحك قريب من الفرح والرضا والمحبة، من حيث المعنى العام، وهو صفة من صفات الأفعال تقوم بالله تعالى كما يليق به، وهو من الصفات التي انفردت بها السنة إذ لم يرد ذكرها في القرآن الكريم، وهذا الانفراد لا يؤثر عند أهل السنة والجماعة، لأن ما ثبت بالسنة الصحيحة كالذي ثبت بالقرآن دون فرق، لأن القرآن نفسه يأمر الله فيه عباده بالأخذ بالسنة مطلقاً، جاءت "مؤكدة" أو جاءت "بانَيةً" ودون تفريق بين الأحكام والعقيدة، وقد تقدم هذا البحث مستوفى في حجية الحديث في مدخل هذا الكتاب، وأما الخلف فسوف نتحدث عن موقفهم بعد ذكر النصوص. ومما ورد في إثبات صفة الضحك الأحاديث التالية: 1- حديث أبي هريرة: "يضحك الله سبحانه وتعالى إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة. يقاتل هذا فيُقتَلُ فيتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد" . 2- حديث أبي موسى الأشعري: "يتجلى ربنا ضاحكاً يوم القيامة" . 3- حديث أبي رزين العقيلي: "قال: يا رسول الله أيضحك الله سبحانه وتعالى؟ فقال: "نعم". فقال: "لن نعدم من رب يضحك خيراً" . ولندع الإمام ابن القيم يتحدث قليلاً عن هذه الصفة بأسلوبه اللطيف، وهو بصدد حديثه عن المحبة والفرح والضحك- حيث يقول رحمه الله: "ومن هذا "ضحكه" سبحانه من عبده حيث يأتي من عبوديته بأعظم ما يحبه فيضحك سبحانه فرحاً ورضا، كما يضحك من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته، يتلو آياته ويتملقه، ويضحك من رجل هرب أصحابه عن العدو فأقبل إليهم، وباع نفسه لله ولقاهم نحره حتى قتل في محبته ورضاه. ويضحك إلى من أخفى الصدقة عن أصحابه لسائل اعترضهم فلم يعطوه، فتخلف بأعقابهم وأعطاه سراً حيث لا يراه إلا الله الذي أعطاه، فهذا الضحك إليه حباً له وفرحاً به. وكذلك الشهيد حين يلقاه يوم القيامة، فيضحك إليه فرحاً به وبقدومه عليه اهـ. هكذا يوضح شمس الدين ابن القيم أن ضحك الرب سبحانه إلى بعض عباده في بعض تلك الحالات الخاصة فإنما هو ضحك رضا وفرح ومحبة، لأن الشخص أو الأشخاص الذين يضحك إليهم قد أتوا بأعظم أنواع محابه من جهاد في سبيل الله، ومن بيع للنفس لله، ومن المناجاة التي تفضل الله بها عليهم. وهكذا تجده سبحانه يوفق من شاء من عباده ليأتي بمرضاته فيتقبل منه ثم يفرح به حتى يضحك إليه رضاً ومحبة. سبحانك ما أعظم شأنك!! أما الجمهية الجفاة والمعطلة النفاة فلم يستطيعوا أن يهضموا هذا الموقف الكريم من ربنا العظيم ولم يوفقوا ليُسلّموا له ويفوضوا الأمر إليه، بل أخذوا يتخبطون كالناقة العشواء تصعد وتنزل وتذهب وتجيء، ولا تدري أي السبيل؟!! وقد أشكلت عليهم هذه الصفة لعدم اعتمادهم عل الأدلة النقلية التي سقناها من السنة المطهرة، وهي -كما قلنا سابقاً قد انفردت بها السنة المطهرة. ثم هي من الصفات الخبرية المحضة التي الأصل فيها الأدلة النقلية، وأما العقلية فتبع لها على حسب المنهج السلفي الذي سبق أن أوضحناه في موضعه من الرسالة. فليس في إثبات الضحك أي محذور لأنه ضحك ليس كمثله شيء كما قلنا فيما مضى من الصفات الخبرية، لأن الباب واحد، وتساق الصفات كلها سوقاً واحداً، وأما قولهم: إن المراد بالضحك الرضى والثواب الجزيل فهي شنشنة نعرفها للفلاسفة، وأولادهم من علماء الكلام. فليست غريبة علينا ولا هي جديدة عليهم. وهذا هو التخبط الذي أشرنا إليه وهم في غنى عنه لو حالفهم التوفيق. والعجيب من أمرهم أنهم إذا مرت عليهم صفة الرضى أولوها بالثواب أو بإرادة الثواب، وإذا مرت بهم صفة التعجب أو الفرح أولوها كلها إما بالثواب وما في معناه أو بالإرادة، وكذلك صفة الرضى. وهاهم هنا يؤولون الضحك بالرضى فعلام يدل هذا التصرف؟!! يدل على ما ذكرناه سابقاً في غير موضع من أن عقيدة القوم عقيدة تقليدية لا تستند إلى دليل أو قاعدة، "سمعنا الناس يقولون شيئاً فقلناه"!! وهذا المعنى هو الذي دعا في آخر المطاف الإمام أبا الحسن وكبار شيوخ الأشعرية بعده إلى الرجوع عن هذا التخبط إلى منهج ثابت مبني على أساس قوي لا تؤثر فيه الشبهات وهو منهج أهل الحديث والسنة الذي درج عليه سلف هذه الأمة. وأراد بعضهم أن يتفلسف أكثر فقال: الضحك خفة الروح، فيكون عند تجدد ما يسُر واندفاع ما يضُر. فيقال له: أدركت شيئاً وفاتتك أشياء، إن الضحك الذي تحدثت عنه هو ضحكك وضحك أمثالك من مخلوقات الله، أما ضحك الخالق العظيم سبحانه فلا تُدرك حقيقته لأنك لم تدرك الخالق فكيف تُدرك حقيقة ضحك الخالق، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. وقد تقدمت هذه القاعدة في غير موضع. الصفة العاشرة: صفة التعجب: ومن الصفات التي يثبتها ويؤمن بها أهل السنة والجماعة "صفة التعجب" فيصفون الله تعالى بالتعجب، لأنه وصف نفسه بها ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه، وهي من الصفات التي تتجدد حسب مشيئته تعالى وإرادته، فهي فعل من أفعال الله الكثيرة التي تصدر عن حكمة خفية لا يعلمها إلى الله تعالى. ثم إن الصفة التعجب قد تدل على محبة الله للفعل الذي هو محل التعجب، وهي في هذه الصورة قريبة من معنى الفرح، ومن أمثلة هذا النوع، قوله صلى الله عليه وسلم: "يعجب ربك من شاب ليست له صبوة" ، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يعجب ربك من عبده إذا ثار من فراشه ووطائه إلى الصلاة" ، وقوله: "يعجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل" ، وفي رواية: "عجب ربك من قوم بأيدهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة". كل ذلك على ما يليق بالله، وإذا كان التعجب في حق الإنسان منشأه غرابة الفعل وأنه حدث على شكل يثير العجب والغرابة، لأن الإنسان فوجئ بالفعل الذي هو محل التعجب، إذا كان هذا هو مثار التعجب عند المخلوق، فإن الله تعالى منزه عن هذه المعاني، لأنه سبحانه هو الذي قدر ذلك الفعل الذي هو محل التعجب وقدره، فلا ترد في حقه سبحانه هذه المعاني وتلك اللوازم لتعجب الإنسان. فلا يسعنا إلا أن نقول فيه ما قلناه في صفات الأفعال التي تقدمت، وهو ما قاله الإمام مالك من قبل: "التعجب معلوم المعنى مجهول الكيفية والكُنه، ولكن الإيمان والتسليم واجب والتعمق والتشكك بدعة ومهلكة، والله المستعان. ثانياً: وقد يدل التعجب على بغض الله للفعل الذي هو محل التعجب ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا} ، وقوله سبحانه: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} ، وقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} ، وقوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} ، وقوله: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ} . قال ابن القيم رحمه الله: "وقد يدل التعجب على امتناع الحكم وعدم حسنه". ومثل له بقوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ} . وقد يدل أحياناً على حسن المنع منه وأنه لا يليق به مثله. ومثل له بقوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ، . والتعجب بأنواعه المشار إليها صفة فعل تقوم بالله تعالى على ما تقدم تفصيله آنفاً. والاستغراب والتأويل غير وارد خشية الوقوع في القول على الله بغير علم لأن التأويل دائماً مبني على الظن والتخمين، لأن المعنى المؤول إليه ظني قطعاً. وهذا ما جعل السلف يلتزمون منهجهم السليم، ولا يحيدون عنه، وهو عدم القول على الله بغير علم، بل التسليم لله في حقائق ذاته وصفاته، وأفعاله، وقوفاً مع النصوص وتأدباً معها بل وتقديراً لله حق قدره. وقال الشهرستاني - وهو يتحدث عن منهج الإمام مالك والإمام أحمد وغيرهم من أئمة السلف- قالوا: إنما توقفنا في تأويل الآيات لأمرين: أحدهما: المنع الوارد في التنـزيل "في سورة آل عمران في الآية السابعة حيث وصف المؤولين بالزيغ" فنحن نَحْذُر عن الزيغ. ثانيهما: أن التأويل أمر مظنون "بالاتفاق" والقول بالظن في "صفات البارئ"غير جائز، فربما أولنا الآية على غير مراد البارئ تعالى فوقعنا في الزيغ . الصفة الحادية عشرة: صفة الفرح: صفة الفرح من الصفات الفعلية الخبرية التي انفردت بها السنة دون الكتاب، وهي ثابتة بالسنة الصحيحة التي تلقاها أهل السنة بالقبول، وعقد إجماعهم استناداً إليها على إثباتها، وهذه الصفة تدل بالتضمن على لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث يوفق من يشاء من عباده ليتوبوا فإذا تابوا تقبّل توبتهم وفرح بها فرحاً شديداً ولطيفاً في وقت واحد، إذ يَرُدّ إليه عباده الشاردين من طاعته لئلا يضيعوا، وهو الذي لا تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم. وهذا المعنى هو الذي يقرره لنا رسول الرحمة بقوله عليه الصلاة والسلام: "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة"، وفي رواية لمسلم: "لله أشد فرحاً بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح" اهـ. وأهل السنة يؤمنون بهذا لحديث لصحته عن رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ويثبتون الصفة التي جاءت فيه، ولا يتعرضون لها بالتأويل كما لا يشبهون صفات الله بصفات خلقه، وهو شأنهم في جميع الصفات. ومعنى الفرح معلوم والكيف مجهول، والبحث عن الكيفية من أنواع البدع المحدثة، والإيمان به من واجبات الدين الإسلامي وأما الخائضون المتعمقون الذي يبحثون عن الكيفية، وإذا عجزوا عن إدراك الكيفية - وهو أمر محتم- فإنهم يلجأون إلى التحريف. والواجب هو الوقوف عند المعنى العام دون تكلف، وقد نُهينا عن التكلف، هذا هو موقف السلف من معنى هذه الصفة وبالله التوفيق. وأما الخلف فديدنهم معروف، وهو تأويل الصفة بأثرها ولازمها، وهنا قبول التوبة والثواب الجزيل والعطاء الكريم، بدعوى أن حقيقة الفرح مستحيلة على الله لأنها خفة وانفعال وتغير من حال إلى حال وكل ذلك لا يليق بالله تعالى. والجواب على شبهتهم هذه هو جوابنا على الشبهات السابقة، والقوم لا يكادون يفهمون من نصوص الصفات إلا حقائق صفات المخلوق فيفسرون صفات الله بتلك الحقائق فيقعون في التشبيه ثم يحاولون التخلص مما تورطوا فيه من التشبيه بارتكاب بدعة التأويل والقول على الله يغير علم. هذه حيقيتهم في جميع الصفات أو أكثرها على اختلاف مشاربهم والله المستعان. الصفة الثانية عشرة: صفة الغصب: الغضب من صفات الأفعال التي تتعلق بها المشيئة وهي ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ومن الآيات القرآنية التي تثبت هذه الصفة قوله تعالى: 1- {مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} . 2- {وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} . 3- {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ} . وهناك عديد من آيات الكتاب المبين في هذه الصفة، ومذهب سائر الأئمة إثباتها، والأحاديث المشار إليها تؤكد ما جاء في هؤلاء الآي من وصف الله بالغضب، وإن هذا الغضب يحدث في وقت دون وقت، ومن ذلك ما جاء في حديث الشفاعة الطويل وهو يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذاراً للناس عندما يتقدمون إليهم لطلب الشفاعة منهم، وهم: آدم أوب البشر، ونوح، وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن كل واحد منهم يقول: "إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري" إلى آخر الحديث الطويل. والحديث يدل دلالة واضحة على أن إثبات صفة الغضب من دين الرسل جميعاً، لأن الشرائع كلها متفقة في الأصول بيد أن الله جعل لكل واحد منهم شرعة ومنهاجاً. ومحل الشاهد من الحديث: "إن ربي غضب اليوم"واللفظ صريح في أنه قد يحدث في ذلك اليوم غضب لم يحدث مثله قبل ذلك، كما لا يحدث بعده مثله. - قوله عليه الصلاة والسلام: "من لم يسأل الله يغضب عليه" ، وقد نظم بعضهم هذا المعنى قائلاً: الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنيّ آدم حين يسأل يغضب - قوله عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" . - قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب! وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟!! فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً" . يستدل أهل السنة بهذا الحديث على أن يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخطُ على من شاء، كم يحل سخطه ثم يرضى ولكن هؤلاء أحل عليهم رضواناً لا يعقبه سخط . ما أصدق ما قاله الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: "ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام" . استناداً إلى هذه النصوص وغيرها من نصوص الكتاب والسنة التي آثرنا عدم ذكرها رغبة في الإيجاز، يؤمن السلف وجمهور الأئمة بهذه الصفة ويبقونها على ظاهرها، الظاهر الذي يليق بالله إيماناً منهم بأن النصوص لا تدل بظاهرها إلا على ما يليق بالله - خلاف ما يزعمه الزاعمون- أي أنهم لا يؤولونه كما أوله غيرهم. يبد أن إثباتهم لا يصل بهم إلى حد التشبيه والتمثيل -كما قلنا في غير موضع- من الرسالة. وأما الخلف فلم يوفقوا في هذه الصفة كما لم يحالفهم التوفيق أيضاً في جميع الصفات على اختلاف مشاربهم، فزعموا: أنه ما ثمةَ غضب. وإنما المراد بالغضب المذكور في النصوص لازم الغضب وهو إرادة الانتقام. وعللوا لما ذهبوا إليه بقولهم: إن أصل الغضب غليان دم القلب عند إرادة الانتقام، وذلك مستحيل على الله تعالى، أو بعبارة أخرى: إن حقيقة الغضب الانفعال والتغير من حال إلى حال، وهو أمر لا يليق بالله، إلى آخر تلك التعليلات والأعذار غير المقبولة لدى غيرهم، من أهل السنة والجماعة. ولدفع هذه الشبهة التي نسجوها من خيوط العنكبوت نقول هنا ما قلناه في رد شبهاتهم السابقة حول الصفات التي تحدثنا عنها سابقاً: وهو أن لوازم صفات المخلوقين التي ذكروها لا تلزم صفات الخالق، إذ لا مناسبة بين صفات الخالق وصفات المخلوق حتى تقاس صفاته سبحانه على صفاتهم، وكما أنهم أثبتوا ذات البارئ دون تفكير في لوازم ذوات المخلوقين، يلزمهم إثبات صفاته ذاتية أو فعلية دون تفكير في لوازم صافت المخلوقين، وهذا الإلزام يلحق أو يلزم جميع النفاة المعتزلة والأشاعرة وأتباعهم. هكذا نوجز القول في هذه الصفة اكتفاء بما تقدم من المناقشة حول الصفات التي قبلها، لأن الكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر. وبالتالي فإن الكلام في الصفة عامة كالكلام في الذات سلباً وإيجاباً. ب- الصفات الخبرية: الصفة الثالثة عشرة: صفة الوجه: وهي من الصفات الخبرية التي أشكلت على الخلف على الرغم من ثبوتها بصريح القرآن وصحيح السنة، والعقل تابع ومصدق وغير رافض. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري الإمام المتكلم السلفي: "أما بعد: فمن سألنا فقال: أتقولون: إن لله سبحانه وجهاً؟ قيل له: نقول ذلك خلافاً لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله عز وجل: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}" . قلت: نضيف إلى الآية التي استدل بها الإمام قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} ، وقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ، "وما بين القوم وبين أن يروا ربهم تبارك وتعالى إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ، وهو قطعة من حديث طويل عند الشيخين في أبواب رؤية الرب تعالى لأهل الجنة وشاهدنا منه ذكر وجه الرب تعالى. نكتفي بالآيتين الكريمتين والحديثين الشريفين مع وجود غيرهما من أحاديث الرؤية التي تصرح أكثرها بذكر الوجه، لأن العبرة في إثبات صفة من الصفات ليست بكثرة الأدلة، وإنما العبرة بصحة الأدلة وصراحتها، وهذان العنصران متوافران هنا ولله الحمد والمنة، ولذا أطبق السلف وأتباعهم على الإيمان بهذه الصفة كغيرها من صفات الرب تعالى وإثباتها على ما يليق بالله لا يفسرونها بالذات، ولا يطلقون عليها شيئاً من الألقاب التي يرددها النفاة مثل العضو أو الجزء، وغير ذلك من الألقاب التي يطلقونها ليتذرعوا بها إلى نفيها بدعوى أن إثبات هذه الصفة يعني التركيب المستلزم للحاجة والافتقار. وهي صناعة معروفة لا تروج في سوقنا ولله الحمد والمنة، إذ قد شرحنا أمثالها وعرفناها على حقيقتها هذا، وإن الذين ينكرون وجه الله ورؤية وجهه يوم القيامه وكلامه لأهل الجنة، فيا ترى إلاَم يسعون؟ ولماذا يعملون؟! وما هي ثمرة كدهم؟! والله المستعان. الصفة الرابعة عشرة: صفة النفس لله ومما يجب إثباته لله تعالى: (النفس) لأن الله أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله عليه الصلاة والسلام، وهي كما يليق بالله تعالى، يقول الله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} ، وقول النفاة بأن ذلك من باب المشاكلة مدفوع بنصوص كثيرة وردت في غير المقابلة منها: 1- قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} . 2- {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} . 3- {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} . 4- وقوله عليه الصلاة والسلام في ثنائه على الله: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" . 5- قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، وهو قطعة من الحديث القدسي الطويل: "...إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" . وهناك غيرها من النصوص الصريحة. بهذه الأدلة نثبت لله (النفس) فدعوى المشاكلة في الآية الكريمة {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}، غير واردة، بل باطلة لأن النصوص الأخرى كلها -كما علمت- وردت دون مقابلة أو مشاكلة. وليس هناك ما يدعو إلى التأويل أو التحريف. إذ شأن النفس كشأن الصفات الخبرية الكثيرة التي تقدم الحديث فيها والله أعلم. الصفة الخامسة عشرة: صفة اليد وهذه الصفة -كالتي قبلها من الصفات الخبرية- قد طاشت فيها سهام الخلف عن إصابة الهدف، وأخذوا يفسرونها تفسيراً يساير عقيدتهم، فسروها مرة بالقدرة، ومرة أخرى بالنعمة فارّين - في زعمهم - من التشبية والتجسيم - يا سبحان الله- {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} ، يقول الله في كتابه المبين: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ، ويقول تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} ، فهل من الجائز أن يقال: لما خلقت (بنعمتي)؟ الجواب: (لا) بالإجماع، لأن الذي يؤمن به جميع المؤمنين - والخلف منهم- أن نعم الله لا تعد ولا تحصى، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} ، وهذا أولاً. وهل من الجائز ثانياً أن يقال: لما خلقت (بقدرتي)؟ الجواب: لا، إجماعاً أيضاً - فيما أعتقد - لأن الذي ندين به نحن وإياهم - فيما أعلم- أن لله قدرة واحدة وباهرة {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ، لعدم الدليل على التعدد، هكذا يتضح الصواب في المسألة بإذن الله. وما ذكرناه في تفسير آية (المائدة) يقال في تفسير آية (ص) فإذاً هما يدان تليقان بالله تعالى لا القدرة، لأن القدرة صفة أخرى غير اليد كما علمنا، ولا النعمة لما شرحنا، ولا الجارحة، لأن الجارحة للمخلوق. ولا تشبه يده يد المخلوق. إذ ليس كمثله شيء. قال الإمام أبو الحسن الأشعري - وهو يناقش تفسير الخلف لآية (ص)-: "فلو كان الله عز وجل عنى بقوله: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، القدرة لم يكن لآدم عليه السلام على إبليس في ذلك ميزة، والله عز وجل أراد أن يُرى أن لآدم على إبليس فضلاً إذ خلقه بيده دونه، ولو كان خالقاً لإبليس بيديه كما خلق آدم عليه السلام بيديه لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، وكان إبليس يقول محتجاً على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم بهما، فلما أراد الله عز وجل تفضيله عليه بذلك، قال له موبخاً لاستكباره على آدم أن يسجد له {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ}؟!! فدل على أنه ليس معنى الآية القدر، إذ أن الله عز وجل خلق الأشياء جميعها بقدرته، وإنما أراد إثبات يدين لم يشارك إبليس آدم عليه السلام في أن خلق بهما، وليس يخلو قوله عز وجل: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} أن يكون معنى ذلك إثبات يدين (نعمتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين (جارحتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين (قُدرتين) أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين، لا يوصفان إلا كما وصف الله عز وجل. فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين، لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيديّ وهو يعني نعمتيّ، ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين ولا يجوز عند خصومنا أن نعني قدرتين . وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع، وهو أن معنى قوله (بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين، لا يوصفات إلا بأن يقال: بأنهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت" اهـ. هذا كلام واضح غني عن التعليق إلا أن الذي ينبغي التنبيه عليه أن اليد في غير هذا السياق قد تأتي بمعنى (النعمة) وتجمع على أيادي يقال: لفلان عليَّ يد أو أيادٍ. ولكن السياق الذي في الآيتين: يأبى هذا المعنى كما ناقش الإمام أبو الحسن رحمه الله. أما اليد بمعنى القدرة لا أعلم ثبوت هذا المعنى في اللغة، اللهم إلا إذا كان من باب الكناية، والله أعلم، وأما قوله تعالى: {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} ، فليس لفظ (أيد) هنا جمع يد كما قد يتوهم، وإنما هو مصدر (آد الرجل يئيد أيداً) أي قوي، هكذا قال المفسرون . هذا وقد وردت في صفة اليد عدة أحاديث صحاح وحسان ولكننا نرى أن نقتصر على ذكر حديث واحد اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث احتجاج آدم وموسى عليهم السلام، ومحل الشاهد منه: "فقال آدم: يا موسى! اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده" . قال ابن بطال عند تفسير قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} في هذه الآية إثبات يدين لله تعالى وهما صفتان من صفات ذاته، وليستا بجارحتين اهـ. ثم لو استقرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن لفظ (اليد) جاء في القرآن على ثلاثة أنواع: 1- جاء مفرداً كقوله تعالى{بِيَدِكَ الْخَيْرُ} . 2- جاء مثنى كقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} . 3- جاء جمعاً كقوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} . وإذا راجعنا هذه الاستعمالات الثلاثة للبد نجد أن الله إذا ذكر اليد مثناة يضيف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد ويتعدى الفعل بالباء إليهما أي إلى اليدين {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}. وإذا ذكرها بصيغة الجمع أضاف العمل إلى اليد والفعل يتعدى بنفسه لا بالباء {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا}. وأما في حالة الجمع يكون معنى عملت أيدينا أي عملنا نحن، وهو يساوي عملنا وخلقنا ورزقنا وتوضيح ذلك: من الجائز أن يضاف الفعل إلى يد ذي اليد، بدلا من أن يضاف إليه مباشرة، وهو أسلوب معروف عند العرب، وهو كقوله: {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} ، و{فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} ، وأما إذا أضيف الفعل إليه تعالى ثم عُدّي الفعل بالباء إلى يده مثناة أو مفردة فهذا مما باشرته يده سبحانه . ويشهد لما ذكرنا ما جاء في حديث الشفاعة الطويل في قوله عليه الصلاة والسلام في حق آدم وموسى عليهما السلام، يقال لآدم: "أنت الذي خلقك الله بيده" ويقال لموسى: "أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وكتب لك التوراة بيده" . ولا يحتمل المعنى هنا القدرة، وإلا لم يكن للتوراة اختصاص بما ذكر ولا كانت أفضلية لآدم على كل شيء مما خلق بالقدرة كما تقدم في كلام أبي الحسن الأشعري عند الكلام على آية سورة (ص)، والقصة معروفة لدى طلاب العلم. وخلاصة ما ذكر فيما تقدم أن هذه الصفة صفة بها العطاء والأخذ والقبض وهي غير القدرة وغير النعمة. نقول ذلك استناداً إلى قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري: "يد الله ملأى لا يغيضهما نفقة سحّاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم ينقص ما في يده، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع" ا.هـ وقوله عليه الصلاة والسلام: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أن الملك أين ملوك الدنيا" ، والحديث كقوله تعالى: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} . ويفهم من كلام بعض أهل العلم أن النسبة التي بين اليد والقدرة كالتي بين الإرادة المحبة إذ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "والذي يلوح في معنى هذه الصفة (اليد) أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها معنى، والقدرة أعم، ثم قال رحمه الله: كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، وكل شيء أحبه فقد أراده وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة، وليس كل شيء واقع بالقدرة واقعاً باليد، فاليد أخص من معنى القدرة، ولذلك كان فيها تشريف آدم" اهـ. قلت: وكذلك كتابة التوراة وغرس جنة الفردوس كما تقدم، وعند التحقيق أن النسبة بين الإرادة والمحبة من باب عموم وخصوص من وجه يجتمعان في إيمان أبي بكر مثلاً فهو مراد ومحبوب، وتنفرد الإرادة في كفر أبي جهل مثلاً لأنه مراد غير محبوب، وتنفرد المحبة في إيمان إبليس لأنه غير مراد وهو محبوب لو وجد بإرادة الله ومشيئته. وأما النسبة بين القدرة واليد فمن باب العموم والخصوص المطلق يجتمعان في خلق آدم، وما ذكر معه لأنه خلقه بقدرته وصنعه بيده سبحانه كما كتب التوراة بيده وغرس جنة الفردوس بيده أيضاً، وتنفرد القدرة في سائر مخلوقاته التي لم يباشر خلقها بيده ولكن قال لها: كوني فكانت، والله أعلم. الصفة السادسة عشرة: صفة الأصابع لله تعالى بلا كيف ولا حد إذا كنا تحدثنا فيما سبق عن الوجه واليد وغيرهما من الصفات الذاتية الخبرية وأثبتنا أن اليد غير القدرة بل هي صفة زائدة قائمة بذاته تعالى فمن المناسب أن نتحدث عن إثبات الأصابع لله تعالى على ما يليق به سبحانه، والأصابع من الصفات الذاتية الخبرية التي انفردت بإثباتها السنة دون الكتاب. وقد ذكر غير واحد من علماء الحديث صفة الأصابع في كتبهم وتلقوها بالقبول، وفي مقدمة من ذكر أحاديث الأصابع الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما وذكره ابن عبد البر في تمهيده. وقد جمع أكثر طرقه الإمام الدارقطني في رسالته اللطيفة (كتاب الصفات) فانطلاقاً من هذه الأدلة يثبت أهل السنة الأصابع لله تعالى على ما يليق بالله بلا كيف ولا حد. أحاديث الأصابع: روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم: إن الله تعالى يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال والشجر على أصبح، والماء على أصبع، والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن: فيقول: أنا الملك أنا الملك، فضحك رسول الله عليه الصلاة والسلام تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له. ثم قرأ قوله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} . وقد روى هذا الحديث غير واحد من الصحابة منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وقريب منه حديث أبي هريرة عند مسلم، والحديث متفق عليه. إذ قد رواه البخاري في كتاب التوحيد في صحيح وفي معنى هذه الأحاديث المشار إليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم ولفظه: "إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها حيث يشاء ثم قال: يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك". وفي معناه أيضاً حديث النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه عند مسلم ونصه هكذا: "سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: "الميزان بيد الرحمن إن شاء يرفع أقواماً ويضع آخرين- وقلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه". وكان يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". وبهذه الأحاديث الصحاح يثبت علماء الحديث وأهل السنة لله تعالى الأصابع بثبوتها صفة لله تعالى خبرية كما تقدم. وأحاديث صفة الأصابع لم تسلم من تحريف المحرفين بل نالها ما نال غيرها من نصوص الصفات. حيث زعم بعضهم أن الأصابع تخليط من اليهود لأن اليهود مجسمة، وأن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم من كلام الحبر ليس دليلاً على تصديقه لليهودي ، بل هو دليل الكراهة والغضب والاستنكار. وأنت ترى هذا الكلام ينقصه الشيء الكثير من الإنصاف، وأن مجانبة الصواب فيه واضحة ومكشوفة لكل طالب علم. وقد نسي المعارضون النافون أو تناسوا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وحديث النواس بن سمعان وليس في إسنادهما يهودي ولا نصراني بحمد الله تعالى، فذهبوا ليتعلقوا بخيط العنكبوت فزعموا أن أحاديث الأصابع فكرة يهودية فلا ينبغي الاعتماد عليها، وفاتهم أنهم يسيئون بهذا التصرف إلى أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين رووا الحديث بعد أن فهموا أن النبي عليه الصلاة والسلام أقر اليهودي على ما أخبر من قدرة الله تعالى حيث يحمل الرب تلك الأشياء المذكورة في الحديث على أصابعه، بل ضحك عليه الصلاة والسلام ضحكاً يدل على التصديق والإعجاب بكلام الحبر ثم أراد أن يزيل عنه الاستغراب والاستعظام فقرأ عليه قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} الآية، هكذا فهم الرواة من الصحابة ومن بعدهم وأغرب ما في هذا التصرف محاولة تخطئة الراوي الذي قال: "وتصديقاً للحبر وتعجباً من كلامه" ثم تفسير الضحك بالاستنكار والكراهة!! متى علموا بل متى علم المسلمون الذين يدرسون سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه عليه الصلاة والسلام إذا سمع من يصف الله بما لا يليق به أو إذا انتهكت حرمات الله، أو تقوّل أحدٌ على الله بغير علم، متى علموا بأن النبي عليه الصلاة والسلام يعبّر عن ذلك بالضحك؟!! بل المعروف من سيرته عليه الصلاة والسلام أنه في مثل هذه المواقف يغضب بل هو لا يغضب إلا في مثل هذه الظروف عندما تنتهك حرمات الله، ويتقول متقول على الله بغير علم. هذا هو المعروف لدى أهل العلم. لهذا كله فإن محاولة النفاة رد أحاديث الأصابع بعد أن رواها الشيخان: البخاري ومسلم وغيرهما، بذلك السبب الواهي وتناسيهم لأحاديث أخرى فيها ذكر الأصابع بل دعوى بعضهم أن ذكر الأصابع لم يرد في القرآن أو في حديث مقطوع به فإن محاولة النفاة هذه محاولة فاشلة فلا ينبغي أن يتأثر بها طلاب العلم كما علمت. وأما القول: إن الأصابع لم يرد ذكرها في القرآن (فكلمة حق أريد بها باطل) نعم لم يرد ذكر الأصابع في القرآن، فماذا يعني ذلك؟!! هل يعني ذلك بأننا لا نثبت الأصابع لأنها غير مذكورة في القرآن؟!! بل يلزم من ذلك أننا لا نثبت الفرح والضحك ونـزول الرب آخر كل ليلة وغيرها من الصفات التي انفردت بها السنة، وهذا مفهوم جهمي صرف كما ترى!! فعلى أصحاب هذه المحاولة أن يحددوا موقفهم من الصفات التي انفردت بها الأحاديث الصحيحة، إما أن يثبتوها كلها، أو أن ينفوها كلها، وإلا فهم متناقضون ومضطربون. والتناقض والاضطراب من الصفات اللازمة لكل من أعرض عن هدي رسول الله عليه الصلاة والسلام والتمس الحق والهدى خارج هديه عليه الصلاة والسلام، هذا موقف الذين حاولوا رد الأحاديث. وأما الذين أثبتوا الأحاديث فلهم موقف آخر. وهو محاولة التأويل بدعوى أن مثل هذه النصوص لا يراد ظاهرها لأن الأدلة العقلية تأبى، فلا بد من التأويل إلى ما يليق بالله ويقبله العقل. أما هؤلاء فلم يأتوا بجديد بل هو أسلوب تعودناه في مثل هذه المواضع. فيا ترى كيف يكون التأويل بالنسبة للأصابع؟ قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالأصابع خلقاً يخلقه الله ليُحمّله ما تحمله الأصابع، وقال آخرون: لعل المراد بالأصابع نعمة النفع والدفع أو أثر الفضل والعدل ، إلى آخر تلك التكلفات التي هم في غنى عنها لو وفقوا. وممن أنكر هذا التحريف والتكلف في معنى الحديث الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث أوضح أن في تصرف هؤلاء المتأولة الطّعن في ثقات الرواة، ورد الأخبار الثابتة، إلى أن قال: ولو كان الأمر على خلاف ما فهمه الراوي للزم فيه تقرير النبي صلى الله عليه وسلم على الباطل وسكوته عن الإنكار- وحاشاه من ذلك، ثم قال الحافظ: وممن أنكر بل تشدد في الإنكار على من ادعى أن الضحك في الحديث كان على سبيل الإنكار، -الإمام ابن خزيمة- بعد أن أورد هذا الحديث في كتاب التوحيد من صحيحه اهـ. يا له من موقف غريب!! هل هؤلاء يدعون أنهم أعلم بالله وما يليق به من رسول الله؟! أو من أصحاب رسول الله أو من التابعين لهم بإحسان وبإيمان؟! حقاً إنه موقف يحتار فيه المرء ولا يدري كيف يفسره!! وعلى كل حال فهذه مواقف ثلاثة تمخضت من دراسة أحاديث الأصابع ومواقف الناس منها، وهي كالآتي: 1- إثبات صفة الأصابع كما جاءت بها السنة. 2- تأويل الأحاديث الواردة والخروج بها عن ظاهرها. 3- إنكار الأحاديث وردها بدعوى أنها مخالفة للأدلة العقلية القطعية في زعمهم. والحق أبلج والباطل لجلج... الصفة السابعة عشرة: صفة الساق لله تعالى على ما يليق به: ورد ذكر صفة الساق في القرآن الكريم في موضع واحد في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} . والملاحظ ورود هذه الصفة مُنكّرة دون أن تضاف إلى الله بخلاف الصفات الأخرى، التي جاءت مضافة إلى الله ومختصة به، ذلك الاختصاص الذي يزيل الإشكال، أو دعوى المشاركة بين الخالق والمخلوق في حقائق الصفات. وهذا التنكير هو الذي جعل الصحابة والتابعين يختلفون في المراد (بالساق)، هل الساق صفة من صفات الله كالوجه واليد والقدم؟ أو للساق معنىً آخر. روي عن ابن عباس قوله: إن الله يكشف عن قدرته التي تظهر بها الشدة. وأسند البيهقي الأثر المذكور عن ابن عباس بسندين كلاهما حسن اهـ. وجاء عن أبي موسى الأشعري في تفسير الساق "عن نور عظيم". وقال ابن فورك: معناه ما يتجدد للمؤمنين من العفو والألطاف. ويروى عن المهلب: كشف الساق للمؤمنين رحمة ولغيرهم نقمة . وذكر ابن القيم اختلاف الصحابة في المراد بالساق، ويرى أنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على أنه صفة لله تعالى، لأنه سبحانه وتعالى لم يضف الساق إلى نفسه بل ذكره مجرداً ومُنكّراً كما تقدم . ويرى ابن القيم أن الذين يثبتونه صفة لله، إنما يثبتونه بدليل خارجي، وهو حديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو من أحاديث الشفاعة ويميل ابن القيم إلى أن الساق صفة من صفات الله مثل الوجه واليد وغيرهما، وتنكيره للتعظيم والتفخيم. ويرى ابن القيم أن حمل الآية على الشدة لا يصح ويعلل ذلك لأن في لغة العرب إنما يقال كُشِفَتْ الشدة عن القوم، ولا يقال كشفت عن الشدة، مثل قوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ}، فالعذاب هو المكشوف في الآية وليس هو المكشوف عنه. ويرى ابن القيم أن سياق الآية يوم يكشف عن ساق لا يدل على ما قيل إن معنى الساق الشدة. فلذلك يرى أن تُفسّر الآية بحديث أبي سعيد الخدري الذي أشرنا إليه، فيصبح معنى الآية - في ضوء الحديث المذكور: "يوم يكشف الله لعباده عن ساقه فيدعون إلى السجود فيسجد المؤمنون الذي يسجدون لله مخلصين له الدين، أما المنافقون المراءون الذين كانوا يسجدون رياء وسمعة فلا يستطيعون السجود، إذ تصبح ظهورهم طبقاً واحداً فلا يستطيعون الهبوط للسجود". وفي حديث أبي سعيد الخدري جاء قوله عليه الصلاة والسلام: "فيقال لهم: ما يحبسكم وقد ذهب الناس؟ فيقولون: فارقناهم ونحن أحوج منا إليهم اليوم، وإنا سمعنا منادياً ينادي: ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا. قال: فيأتيهم الجبار على غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا. فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: (الساق) فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهراني جهنم"الحديث. فانطلاقاً من هذا الحديث الصحيح الذي يثبت لله ساقاً نرى أن الآية من آيات الصفات المفسرة بالسنة لأن الآية جاءت محتملة المعنى حيث جاء الساق مجرداً عن الإضافة المخصصة فجاءت السنة مبينة بأن المراد بالساق هو ساق الرحمن. فنسلك في إثبات الساق مسلك السلف الصالح الذي سلكناه من قبل، وهو إثبات بلا تمثيل ولا تشبيه، وتنـزيه بلا تعطيل. فالكلام في صفة الساق كالكلام في صفة اليد والوجه مثلاً. فكما أن اليد والوجه والقَدَمَ والبصر والعين صفات تليق به تعالى، وليست جوارح وأعضاء وأبعاضاً وأجزاء كصفاتنا بل هي صفات خبرية ثابتة ينتهي علمنا فيها عند المعنى العام دون تكلف لمعرفة كيفيتها، فكذلك الساق صفة لله ثابتة ثيوت تلك الصفات، وعلى غرارها إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، ولأن الكلام في الصفات الخبرية كالكلام في الصفات الذاتية يحتذي حذوه. وأما الخلاف والنزاع الذي جرى بين الصحابة والتابعين فينبغي أن نعتبره منتهياً بعد ثبوت حديث أبي سعيد الخدري الذي نعده تفسيراً للآية المجملة، ثم نعده فيصلاً في هذه القضية. هذه هي طريقة أهل العلم قديماً وحديثاً، إذ لا يلتفتون إلى أقوال أهل العلم الاجتهادية وآرائهم بعد ثبوت السنة، ولا سيما إذا كانت السنة قد جاءت مفسرة أو مفصلة لما أجمل في القرآن وهذا ما نحن بصدده. وبالله التوفيق. الصفة الثامنة عشرة: صفة العين لله تعالى على ما يليق به سبحانه العين صفة لله تعالى بلا كيف، وهي من الصفات الخبرية الذاتية الثابتة بالكتاب والسنة، وقد جاء ذكر العين في القرآن الكريم على حالتين: 1- ذكرت العين مضافة إلى ضمير المفرد. مثل قوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} . 2- ذكرت العين بصيغة الجمع، مضافة إلى ضمير الجمع مثله قوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} . وذكر العين مفردة لا يدل على أنها عين واحدة فقط، لأن المفرد المضاف يراد به أكثر من واحد. مثل قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} ، فالمراد نعم الله المتنوعة التي لا تدخل تحت الحصر والعدّ. وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ} ، فالمراد بها جميع ليالي رمضان. ولو قال قائل: نظرت بعيني أو وضعت المنظار على عيني. لا يكاد يخطر ببال أحد ممن سمع هذا الكلام أن هذا القائل ليست له إلا عين واحدة. هذا ما لا يخطر ببال أحد أبداً . قال الإمام ابن القيم: إذا أضيفت العين إلى اسم الجمع ظاهراً أو مضمراً فالأحسن جمعها مشاكلة للفظ، كقوله تعالى: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ، و{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} ، وهذا نظير المشاكلة في لفظ اليد المضافة إلى المفرد كقوله تعالى: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} ، و{بِيَدِهِ الْمُلْكُ} . وإن أضيفت إلى جمع جمعت كقوله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ، وقد تقدم هذا البحث في صفة اليد مستوفى. وقد ذكرت العين في السنة في قصة المسيح الدجال في حديث عبد الله بن عمر الذي يقول فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينيه، وأن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية" ، وللحديث سبب وهو أن الدجال ذكر عند النبي عليه الصلاة والسلام، وأخبر أنه ما من نبي إلا وقد أمر أمته أو نصحهم بالاستعاذة منه، ثم ذكر أن من صفاته أنه أعور العين اليمنى. وأنه على الرغم من دعوى الألوهية وما يجري له من الأمور الخارقة للعادة امتحاناً واستدراجاً فيه عيوب ونقائص، وهو عاجز عن دفع ذلك عن نفسه، فلن يلتبس عليكم الأمر في شأنه لأنه ناقص إذ به عَوَر، وربكم ليس بأعور، بل له سبحانه عينان يبصر بهما لأنه سميع بصير. وهناك زيادة عند مسلم وبعض أصحاب السنن، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومئذ للناس: "تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت". هذا ملخص قصة المسيح الدجال مع بيان السبب. قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب العقيدة له: أخبر الله في كتابه وثبت عن رسوله عليه الصلاة والسلام الاستواء على العرش، والنزول، والعين، واليد، والنفس، فلا يُتصرف فيها بتشبيه ولا تعطيل، إذ لولا إخبار الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى. وقال الطيبي مؤيداً ما قاله السهروردي: هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح . وأما إشارته عليه الصلاة والسلام بيده إلى عينيه - وهو يخبر عن عور المسيح الدجال- فإنما تفيد تأكيد المعنى الحقيقي للعين على ما يليق بالله تعالى ولا يفهم منها أن عين الله جارحة كأعيننا بل له سبحانه وتعالى عين حقيقية تليق بعظمته وجلاله وقِدَمِه. وللمخلوق عين حقيقية تناسب حاله وحدوثه وضعفه وليست الحقيقة كالحقيقة، وهذا شأن جميع الصفات التي فيها المشاركة اللفظية مع صفات المخلوق كما تقدم هذا البحث في غير موضع من الرسالة. روى عكرمة عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى: {واصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا}، أنه قال رضي الله عنه بعين الله تبارك وتعالى، قال الإمام البيهقي - بعد رواية قول ابن عباس السالف الذكر: ومن أصحابنا من حمل العين المذكورة في الكتاب على الرؤية. وقال: قوله تعالى:{وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، معناه بمرأى مني، وقوله: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} أي بمرأى منا، وكذلك قوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}، وقد يكون ذلك من صفات الذات. وتكون صفة واحدة، والجمع فيه للتعظيم. ومنهم من حملها على الحفظ والكلاءة. وقال: إنها من صفات الفعل والجمع فيها شائع، ومن قال بأحد هذين زعم أن المراد بالخبر نفي نقص العور عن الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص. ثم قال البيهقي: "والذي يدل عليه ظاهر الكتاب والسنة من إثبات العين صفة، لا من حيث (الحدقة) أولى. وبالله التوفيق" ا.هـ وهذا القول الذي اختاره الإمام البيهقي هو الذي عليه سلف الأمة، وأما محاولة بعض الناس حمل النصوص على خلاف ما يظهر من ألفاظها فمحاولة جهمية معروفة. وأما تفسير من فسر الآيات السابقة بالرؤية مع إنكار صفة العين فشبيهٌ بقول الجهمية القائلين: إنه تعالى: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم. وهو قول مرفوض شرعاً وعقلاً، كما تقدم في غير موضع. وأما عند أهل السنة فجميع هذه الصفات تساق سوقاً واحداً خبرية أو عقلية. ذاتية أو فعلية فتثبت بلا كيف، ولا يلزم من إثباتها تشبيه ولا تجسيم كما يظن النفاة بل يلزم من تحريف القول فيها التعطيل. وينتج من ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا ما يلزم النفاة - ولا محالة - وهم كل من ينفي صفة ثابتة بالكتاب والسنة، أو بالسنة الصحيحة فقط، أدركوا ذلك أو لم يدركوا. والله المستعان. الصفة التاسعة عشرة: صفد القَدم لله تعالى هذه الصفة كالتي قبلها من الصفات الخبرية والفعلية محل صراع حادّ بين السلف والخلف. أما السلف - فهم كعادتهم- يرون أن المقام ليس مقام اجتهاد أو قياس أو استحسان، وإنما هو مقام تسليم لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام وأنه لا قول لأحد مع قول الله وقول رسوله المعصوم عليه الصلاة والسلام، الذي أمره ربه أن يبلغ ما أنزل إليه. فمما بلغه الرسول عن الله لأمته بعضُ أوصاف الجنة والنار، وذلك من الأمور الغيبية التي أطلع الله عليها نبيه عليه الصلاة والسلام، ولا سبيل للإنسان العادي أن يقول فيها قولاً اجتهاداً أو استحساناً. ومما أخبر الرسول هنا ما نص عليه الحديث الآتي حيث يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا يزال يلقى فيها -يعني النار- وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رب العالمين قدمه فينـزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط قط بعزتك وكرمك" . ففي مثل هذا المقام التوقيفي لا ينبغي للمرء الناصح لنفسه أن يحاول استخدام قوة عقله أو سلطان فلسفته أو ما ورثه من مشايخه ليقول في هذا النص النبوي قولاً يخالف قول المعصوم، فيفسر الحديث كما يريد ويستحسن، بل عليه أن يقول كما قال الإمام الشافعي: "آمنا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله. وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله عليه الصلاة والسلام"، وفي هذه الصفة (القَدَم) قد صح عنه الحديث السابق آنفاً الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه، فما علينا إلا التسليم لرسوله عليه الصلاة والسلام. وقد ساق الإمام مسلم للحديث المذكور روايات كثيرة، وهو في الأصل متفق عليه وموضوع الحديث - على اختلاف راوياته وطرقه- المحاججة بين الجنة والنار، فالحديث الأول في الموضوع: حديث الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "تحاجّت النار والجنة فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم، فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكم ملؤها. فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط فهناك تمتلئ ويزوي بعضها على بعض". وهذا الحديث رواه غير واحد من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك خادم رسوله الله عليه الصلاة والسلام، وفي بعض رواياته: "حتى يضع الله تبارك وتعالى رجله فتقول: قط قط قط ثلاثاً"، وفي بعضها: "حتى يضع فيها رب العزة تبارك وتعالى قدمه فتقول: قط قط وعزتك" . وموقف السلف من معنى الحديث هو أن الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس قدمه بأقدام خلقه، ولا رجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه فآمنا وسلمنا لله ولرسوله، هذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، بل موقف ثابت وهو اتباع النصوص في جميع الصفات خبرية أو غيرها. "اتبعوا ولا تبتدعوا وقد كفيتم" . وبالله التوفيق. والحديث بجميع رواياته يدل على أن الله سوف يخلق في الجنة والنار تمييزاً وقدرة على الكلام دون أن يكون لهما آلات التكلم المعتادة، وقد تقدم هذا المبحث في صفة الكلام. وأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، فتكلفهم هنا يشبه تكلف القرامطة في نصوص المعاد، بل لجميع نصوص الشريعة. فزعم المتكلمون الخلف هنا أن الحديث -كغيره من نصوص الصفات - يؤول بما يليق بالله - يا سبحان الله - فمتى دلت النصوص بظاهرها على ما لا يليق بالله لو فهمت؟!! فقال بعضهم: المراد بالقدم هنا المتقدم ومعناه حتى يضع الله تعالى فيها ما قدمه لها من أهل العذاب!! وأنت تلاحظ أن هذا التأويل التقليدي لم يمكنهم من الانتباه للضمير (قدمه) أو (رجله) وأن الذي لا يختلف فيه أهل العلم أن الإضافة تخصص الصفة للموصوف، بمعنى إذا قلنا: علم الله وقدرة الله مثلاً، فلا يشترك علم المخلوق أو قدرته في علم الله المختص بالإضافة بأي نوع من أنواع المشاركة وكذلك قدرته، لأن الاشتراك لا يقع إلا في المطلق الكلي غير المختص لا بالمخلوق ولا بالخالق. وكذلك يقال هنا لأن القدم لم ترد إلا مضافة مختصة ولا يشترك معها شيء من أقدام خلقه، ولا مشابهة بينهما - وهذا التأويل الذي تورط فيه أتباع الفلاسفة لم يفطن لهذا المعنى، وعدم التفطن لهذا المعنى هو سر تخبطهم في جميع الصفات الخبرية والفعلية، وهي قاعدة لو علموها لعالجت لهم جميع مشاكلهم وقضت على تخبطاتهم الكثيرة. وأما الرواية التي فيها: "حتى يضع الله فيها رجله" فقد حاولوا فيها أولاً تضعيف الحديث ليريحوا أنفسهم من ذلك التأويل المستكره والمستنكر ولكنهم لم يفلحوا، لأن الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه. قال الإمام النووي: "فقد زعم ابن فورك أن هذه الرواية غير ثابتة عند أهل النقل، ولكن قد رواها مسلم وغيره في صحيحه". فلجأوا أخيراً إلى نوع غريب من التأويل حيث قالوا: يجوز أن يراد بالرّجل الجماعة من الناس، كما يقال: رجل من (جراد) أي قطعة منه. وهو تكلف غني عن الإعلان عنه، بل هو يعلن عن نفسه، والاستشهاد برجْل الجراد أشد غرابة كما ترى، وهو استشهاد يضحك (الحزين). وقال بعضهم: المراد بالقدم قوم استحقوها وخُلِقُوا لها، وقالوا: لا بد من صرف لفظة (القَدَمِ) عن ظاهرها لقيام الدليل القطعي العقلي على استحالة الجارحة على الله تعالى اهـ. فمن ذا الذي قال: إن قَدَمَ الله جارحة من الجوارح حتى تضطروا إلى مثل هذه المناقشة واستعمال هذا الأسلوب، بل الذي عليه سلف هذه الأمة - وهم أعلم وأدق وأقدم- أن قَدَمَ الله ووجه الله ويده وعينه وأصابعه، وما في معناها من هذه الصفات الخبرية صفات لله على ما يليق به سبحانه، وليست بجوارح له، ولا نعلم عن كُنهها شيئاً، بل آمنا بها على مراد الله ومراد رسوله من حيث الحقيقة والكُنه. ومعنى الكلمة معلوم من الوضع والكيف مجهول والبحث عن الكيفية بدعة، أحدثها علماء الكلام، والإيمان بها على أنها صفات ذاتية لله واجب من واجبات الدين الإسلامي، ولا ينقضي عجبي عندما أقرأ هذه العبارة التقليدية المتوارثة: "إن الدليل العقلي القطعي يقتضي استحالة قيام الجوارح بالله" أو عبارة قريبة من هذه. فكيف يعتقد مسلم أن الآيات القرآنية التي أنزلها الله العليم الحكيم، والأحاديث النبوية التي أوحاها إلى رسوله عليه الصلاة والسلام تدل بظواهرها على ما لا يليق بالله أو على ما هو مستحيل على الله، ثم لا يبين الرسول الأمين عليه الصلاة والسلام ما يليق بالله وما لا يليق من كلامه وكلام ربه سبحانه، الذي أنزله عليه وكلفه بالبيان، ويستمر الوضع على اعتقاد ذلك المحال من ظواهر النصوص في عهد الراشدين، ثم في عهد الأمويين وصدر من خلافة العباسيين، فالناس لا تزال تعتقد أن الله تعالى سميع بسمع، وبصير ببصر، وله وجه يليق به، وهو مستوٍ على عرشه، ويدعى من فوق خلقه، وهو ينزل إذا شاء وكيف شاء، ويجيء كيف يشاء يوم القيامة وله عين، وله قَدَمٌ، وكل ذلك لا يؤول ولا يحول بل يبقى على ظاهره الذي هو حقيقته كما يليق بالله، إلى أن جاء شيوخ المتفلسفة وتلامذتهم من علماء الكلام فعلّموا الناس أن اعتقاد ظواهر نصوص الصفات لا يجوز، وهو إما كفر أو فسق لأنه يؤدي إلى اعتقاد ما لا يليق بالله تعالى، وهل قائلوا هذا القول يعتقدون أنهم أعلم بما يليق بالله وما لا يليق من الله ومن رسوله؟ أم ماذا يريدون؟!! إنه تصرف يحتار المرء في معرفة مغزاه. الصفة المكملة للعشرين: إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة للمؤمنين هذه الرؤية التي سنتحدث عنها في آخر جولتنا في الحديث عن الصفات الخبرية وصفات الأفعال نود أن تكون مسك الختام للحديث عن تلك الصفات التي يكون الإيمان بها والتسليم لله ولرسوله فيها سبباً للوصول إلى هذه النعمة التي تعتبر – بحق - أعظم نعمة أعدها الله ليكرم بها خواص عباده في دار كرامته. وهم المؤمنون الذين آمنوا بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينكروا من ذلك شيئاً بأهوائهم وآرائهم كما فعلت الجهمية والباطنية وجميع الطوائف المنحرفة في الأصول والفروع. والكلام في هذه المسألة على الوجه التالي: أولاً: ذكر بعض الآيات الدالة على الرؤية وبيان وجه الدلالة وكلام السلف حولها. ثانياً: ذكر بعض الأحاديث الصحيحة التي تثبت الرؤية، مع ذكر أقوال بعض السلف لتوضيح معاني النصوص من تفاسيرهم وذكر الأدلة العقلية المؤيدة للأدلة النقلية مع الإجابة على شبه المعارضين النافين للرؤية: الآية الأولى قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وهذه الآية لو سَلِمَت من تحريف المحرفين، وتدّبرها مؤمن سليم الفطرة وجدها تنادي نداء صريحاً بأن الله تعالى يُرى عياناً بالأبصار - يوم القيامة - وبيان ذلك كالآتي: إن الفعل (نظر) له عدة استعمالات في اللغة على حسب تعديه بنفسه أو بواسطة حرف جر، فإن عدي بنفسه يكون معناه التوقف والانتظار، وذلك كقوله تعالى: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} ، أي انتظرونا وتوقفوا لنا حتى نقتبس من نوركم، وإن عدي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار. كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ، وإن عدي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، وذلك كقوله تعالى: {انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} . وآية الباب من النوع الأخير بل هي أبلغ في الدلالة على المراد، حيث أضيف النظر إلى الوجه الذي هو محل البصر، وقد فهم هذا المعنى من الآية علماء السلف قاطبة دون أن يشذ منهم أحد، وسوف نتحدث عن موقفهم وفقههم إن شاء الله. الآية الثانية قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} ، والملاحظ أن هذه الآية من أدلة نفاة الرؤية إلا أن بعض المحققين يرى - ورأيه هو الصواب- أن الآية دلالتها على جواز الرؤية أوضح، بل لا تدل على امتناع الرؤية إلا بنوع من التكلف والتحريف، لأن الله تعالى ذكر هذا الخبر في سياق التمدح. ومن المعلوم بالضرورة وبالنظر السليم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية. وقد ذكرنا في غير موضعه - نقلاً عن بعض أهل العلم: أن العدم المحض ليس فيه مدح لأنه ليس بكمال. وإنما يكون العدم مدحاً إذا تضمن أمراً وجودياً مثل تمدحه سبحانه بنفي السِّنَة والنوم، لأنه يتضمن كمال القَيّوميّة ونفي الموت لأنه يتضمن كمال الحياة، وهكذا جميع الصفات السلبية التي تَمَدّح الله بها تتضمن أمراً وجودياً على ما شرحنا. ففي هذه المسألة إنما تمدح الله بعدم إدراك أبصار العباد وإحاطتهم به لا بعدم الرؤية، لأنه لو كان لا يُرى لشارك سبحانه العدم وهو الذي لا يُرى، ومشاركة العدم ليست بكمال وليس فيها مدح، بل في ذلك من الانتقاص ما لا يدركه النفاة لجهلهم أو تجاهلهم، وإذا كان من الواجب تنزيه الله عن مشاركة أي مخلوق موجود ومشابهته فيما يختص به ذلك المخلوق فكيف يستسيغ النفاة مشاركة الله للعدم الصرف في خصائصه وهو عدم الرؤية؟ والله المستعان. وقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} إنما يدل على غاية عظمته وهي أنه تعالى أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك ولا يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قدر زائد على الرؤية. ويشهد لما ذكرنا قوله تعالى حكاية للحوار الذي جرى بين موسى وقومه المؤمنين عندما رأوا فرعون وجنوده من مكان بعيد: {فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ* قَالَ كَلاَّ } ، ومعلوم من السياق أنه لم ينف الرؤية - وهي واقعة بالفعل- كما أنهم لم يريدوا بقولهم {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، إما لمرئيُّون، ولكنهم كانوا قد خافوا أن هذا الجبار صار بمقربة منهم حتى رأوه سيدركهم ويلحق بهم ويؤذيهم، وهذا المعنى هو الذي نفاه موسى بقوله {كَلاَّ}، وقد وعده ربه سبحانه أنه لا يخاف دركاً ولا يخشى، إذ يقول سبحانه: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى} . ومما يذكره بعض أهل العلم بهذا الصدد أن الرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يُرى ولا يُدرك. كما أنه يُعلَم ولا يحاط به علماً، وهذا هو الذي فهمه السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المشهور لهم بالإمامة، قال ابن عباس رضي الله عنه:{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} لا تحيط به الأبصار. قال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار. قال عطية العوفي التابعي: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم ثم تلا قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}، الآية. ويعني العوفي أن هذا معنى الآية وتفسيرها. ولذلك قال رحمه الله: فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عياناً ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها تحيط به سبحانه إذ كان غير جائز أن يوصف الله عز وجل بأن شيئاً يحيط به. أما هو سبحانه بكل شيء محيط. وهكذا يُسمِعُ كلامه من شاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يَعلم الخلق ما علّمهم ولا يحيطون بعلمه . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية: في الإدراك أقوال للعلماء من السلف: أحدها: لا تدركه الأبصار في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة، ويكون الإدراك بمعنى الرؤية عند هؤلاء. وثانيها: الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ومعنى الإدراك معرفة الحقيقة عند هؤلاء. وثالثها: أن الإدراك أخص من الرؤية لأن الإدراك بمعنى الإحاطة، ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية اهـ. قال الإمام ابن جرير الطبري عند تأويل هذه الآية: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}: قال بعضهم: معناه لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها سبحانه، وقال آخرون: لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تدركه، وقال أهل هذه المقالة، الإدراك في هذا الموضع الرؤية اهـ. والراجح هو القول الذي تشهد له الأحاديث التي سيأتي ذكرها إن شاء الله لأنها تعتبر تفسيراً للآية كما هو معروف عند أهل العلم من السلف، وهو إثبات الرؤية في الآخرة دون الدنيا، وإن الإدراك المنفي أمر زائد على مجرد الرؤية، وهو الإحاطة، والله أعلم. ومن الآيات التي استدل بها أهل السنة على إثبات الرؤية قوله تعالى:{لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} ، والآية من الآيات التي يتعلق بها النفاة ظناً منهم بأنها تنفي الرؤية ، إلا أن أهل السنة قلبوا عليهم الحجة، فأثبتوا أن الآية من أدلتهم على إثبات الرؤية عكس ما زعموا. ومن أوجه دلالة الآية على الرؤية ما يلي: 1- لا يظن بكليم الله موسى عليه السلام أن يسأل الله مالا يليق بالله، بل ما هو من أبطل الباطل في زعمهم. وهو من أعرف الناس بما يليق بالله وما لا يليق به سبحانه. 2- أن الله تعالىلم ينكر عليه سؤاله، علماً بأنه تعالى قد أنكر على نبيه نوح عليه السلام سؤاله حين سأله نجاة ابنه فقال: {إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، فقال: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} ، ولو كان سؤال رؤية الله من قبيل نوح نجاة ابنه لأنكر عليه سبحانه كما أنكر على نوح عليه السلام. وعدم الإنكار دل على أنه إنما سأله ممكناً لا مستحيلاً. 3- أن الله سبحانه أجابه بقوله {لَن تَرَانِي}، ولم يقل: إني لا أرى أو لست بمرئي أو لا تجوز رؤيتي. أو عبارة قريبة من هذه العبارات التي تدل أن الرؤية غير ممكنة. والفرق بين الأسلوبين واضح لمن تأمل بإنصاف. وبهذا عرفنا بأنه تعالى يُرى في الوقت الذي حدده سبحانه لرؤيته، وأن نبيه موسى عليه السلام إنما سأله ما هو ممكن، إلا أنه نبهه على أنه لا يقوى على الثبوت أمام التجلي في هذه الدار لضعف قوة البشر في الدنيا، إلا أن الله سوف يمنحهم القوة التي تمكنهم من الثبوت أمام تجلي الرب تعالى فيرونه عياناً ولكن دون إحاطة -كما تقدم- وهذا المفهوم هو الذي اتفق عليه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون. 4- وفي قوله تعالى: {وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ، إشارة لطيفة وتنبيه إلى أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت أمام التجلي، فكيف بك وبأمثالك لأنك أضعف من الجبل يا موسى! هذا... وأما دعوى المعتزلة وشيعتهم بأن (لن) تدل على التأبيد فدعوى باطلة تأباها اللغة، فإن (لن) إنما وضعت لنفي المستقبل، فأما التأبيد فإنما يستفاد من قرائن خارجية، وهي لا تفيد التأبيد بنفسها. قال ابن هشام في أوضح المسالك: (ولن، وهي لنفي سيفعل) أي لنفي المستقبل (ولا تقتضي) تأبيد النفي ولا تأكيده، خلافاً للزمخشري اهـ. وفي هذا يقول ابن مالك في كافيته: ومن يرى النفي بلن مؤبدا فقوله ارْدُدْ وسواه فاعضدا فمحاولة تأبيد النفي بلن محاولة جهمية مغرضة، ولكنها غير ناجحة بل مردودة كما قال ابن هشام. ومن أقوى أدلة أهل السنة على إثبات الرؤية قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} ، ومن العقوبة التي يعاقب الله تعالى بها الكفار يوم القيامة أنه يحجبهم عن رؤيته، ووجه استدلالنا بالآية أن الله سبحانه وتعالى جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤية الله وعن سماع كلامه، فإذاً إن من أعظم نعم الله على المؤمنين أنهم يرونه عياناً ويسمعون كلامه سماعاً إذ لو لم يره المؤمنون، ولم يسمعوا كلامه، كانوا أيضاً محجوبين عنه تعالى. وبهذا الأسلوب احتج الإمام الشافعي بالآية وغيره من الأئمة، وفي هذا الصدد يحدثنا الإمام (المُزَني) - وهو من كبار أصحاب الإمام الشافعي- إذ يقول المزني: سمعت الشافعي يقول في قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}: "فيها دليل على أن أولياءه يرون ربهم يوم القيامة". ثم يأتي زميله (الربيع بن سليمان) ليؤكد ما حكاه المزني، حيث يقول: حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله عز وجل: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}؟ فقال الشافعي: لما حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى، قال الربيع: فقلت للشافعي: يا أبا عبد الله! وبه تقول؟ قال: نعم، وبه أدين الله. ثم قال الشافعي - وهو يؤكد هذا المعنى -: ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى أنه يرى الله لما عبد الله عز وجل . وهناك آيات أخرى تدل على إثبات لقاء الله ورؤيته تعالى، وذلك مثل قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ} ، وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ} ، وقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ} ، وقوله سبحانه: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ} ، وهناك آيات أخرى كثيرة تنص على هذا المعنى. واللقاء عند أهل اللغة يقتضي المعاينة ما لم يكن هناك مانع كالعمى مثلاً. بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب: أما الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد ذكر الإمام ابن القيم أنها وصلت إلى حد التواتر، فسرد منها ثلاثين حديثاً مرفوعاً بين صحيح وحسن، بل بعضها مخرجة في الصحيحين أو في أحدهما. وهناك أحاديث موقوفة وآثار عن الصحابة تُعطى حكم الرفع في اصطلاح المحدثين. ومن الأحاديث المرفوعة حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما في الصحيحين ونصه: "إن أناساً قالوا: يا رسول! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر"؟! قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب"؟ قالوا: لا، قال: "فإنكم ترونه كذلك" . ومثله حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه ولفظه: كنا جلوساً عند النبي عليه الصلاة والسلام إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا". وفي حديث آخر له رضي الله عنه: "إنكم سترون ربكم عياناً" . لا يخفى أن المقصود من الحديثين وما في معناهما، هو تشبيه الرؤية بالرؤية من حيث الوضوح والحقيقة، وعدم التكلف وعدم وجود التزاحم حال الرؤية ولا يلزم من ذلك تشبيه المرئي بالمرئي إذ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. ومنها حديث صهيب الرومي رضي الله عنه عند مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله عز وجل: تريدون شيئاً أزيدكم؟ يقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟! فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم" . ثم تلا هذه الآية: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} . وقال الإمام ابن القيم تعليقاً على هذا الحديث: "وهذا حديث رواه الأئمة عن حماد بن سلمة وتلقوه عن نبيهم بالقبول والتصديق" . ولو ذهبنا نسوق كل ما ورد من الآيات والآثار وأقوال أهل العلم سلفاً وخلفاً في موضوع الرؤية مع مناقشتها لو فعلنا ذلك لأدى بنا إلى الخروج عن موضوع الرسالة، لذا نرى الاكتفاء بالنصوص التي أوردناها - فثبوت رؤية الله في الآخرة للمؤمنين أصبح في غاية من الوضوح، ولم يبقَ في المقام خلاف يُعتدّ به. وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر وفيما يلي نستعرض الآراء في معنى الرؤية. الآراء في معنى الرؤية: يروي الإمام أبو الحسن الأشعري أن المعتزلة أجمعت على أن الله لا يُرى بالأبصار، ثم اختلفوا فيما بينهم هل يُرى بالقلوب أم لا؟ وقال أكثر المعتزلة أن الله يُرى بالقلوب بمعنى أنه يُعلم . وأنكر بعضهم حتى هذا النوع من الرؤية بل صرحت جماعة من المعتزلة والخوارج وطوائف من المُرجئة وبعض الزيدية بأن الله لا يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة، ولا يجوز ذلك عليه تعالى. وأما الأشعرية فإنهم يثبتون الرؤية بالأبصار في الآخرة ولكن دون مقابلة ودون إثبات للفوقية لله تعالى كما أثبت الله لنفسه {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ}، كما تقدمت في بحث صفة الاستواء أدلة قاطعة في ثبوت الفوقية والعلو لله تعالى، وإثبات الرؤية مع نفي الفوقية فيه نوع من الغموض وعدم الوضوح، إذ لا يعقل إثبات موجود في الخارج ووجوده حقيقي وإثبات رؤيته بالأبصار ثم القول إنه ليس فوق الرائي أو على يمينه أو على يساره أو تحته. هذا كلام يرده كل من يسمعه وهو يعقل ما يسمع. وأما أهل السنة والجماعة فيؤمنون بأن الله يتجلى لعباده في الموقف وفي الجنة من فوقهم ويخاطبهم ويسلم عليهم ويرونه بأبصارهم كما يرون الشمس ليس دونها سحاب، وهذه المعاني الثلاثة يجب الإيمان بها مجتمعة عملاً بنصوص الكتاب والسنة وخروجاً من الاضطراب، وهي: 1- العلو والفوقية. 2- صفة الكلام (الكلام) اللفظي. 3- الرؤية بالأبصار، وبالله التوفيق. ثم اختلف أهل السنة: هل الرؤية في الآخرة خاصة بالمؤمنين أم يراه الكفار والمنافقون كما يرى المؤمنون؟ أقول: أما في الجنة فلا شك أنها خاصة بالمؤمنين إذ هي دارهم الخاصة، وهي دار الطيبين فلا يدخلها إلا المؤمنون الطيبون. فينحصر الخلاف في الرؤية التي تقع في الموقف عند الحساب والتجلي. والقول الذي يرجحه الحافظ ابن حجر أن الرؤية خاصة بالمؤمنين حتى في الموقف، ويجيب على قول من يرى عموم الرؤية استدلالاً بعموم اللقاء والخطاب بقوله: ولا يلزم من كونه "يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممن أدخل نفسه فيهم أن تعمهم الرؤية، لأنه سبحانه أعلم بهم. فيُنعِمُ على المؤمنين برؤيته دون المنافقين كما يمنعهم من السجود عندما يكشف عن ساقه كما تقدم" ا.هـ وهناك آراء أخرى في المسألة رأينا عدم الخوض فيها إيثاراً للإيجاز، والله أعلم. وبعد، أود أن أذيل هذا المبحث - مبحث الرؤية - بأبيات للإمام ابن القيم، صور فيها يوم اللقاء أروع تصوير وأصدقه استنتاجاً من نصوص الكتاب والسنة التي ذكرنا بعضها آنفاً، إذ يقول رحمه الله: فبينما هُمُ في عَيْشِهم وسرورهم وأرزاقهم تجري عليهم وتُقْسَم تجلى لهم رب السموات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يُسلِّم سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يُسَلِّم يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندي إنني أنا أرحم فقالوا جميعاً نحن نسألك الرضا فأنت الذي تُولِي الجميل وترحم ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويُسَلِّم ولله أبصار ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمِن بعدها يسلو المحب المتيم فحيّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم ولله واديها الذي هو موعد الـ مزيد لوفد الحب لو كنت منهم وحي على يوم المزيد الذي به زيارة رب العرش واليوم موسم ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم هذا فإثبات الرؤية ليس صفة من صفات الله تعالى لأن الرؤية لا تقوم بالله تعالى، بل المؤمنون هم الذين يرونه سبحانه فالله هو المرئي لهم، فإنما أدخلناها في عداد الصفات المختارة التي جعلنا محل الحديث المفصل. لأنها محل نزاع بين السلف والخلف كما علمت. وبالله التوفيق. الباب الثالث: العلاقة بين الصفات والذات الإيمان بالله تعالى إنما يعني الإيمان بالذات العلية الواجبة الوجود، وجوداً حقيقياً. والإيمان بصفاته العلى وأسمائه الحسنى معاً. وعندما يقول المؤمن: آمنت بالله، إنما يعني هذا الإيمان الشامل أي الإيمان بذات لا تشبه الذوات متصفة بصفات الكمال التي لا تشبه صفات خلقه بل لصفاته حقائق ولصفات خلقه حقائق. فانطلاقاً من هذا الإيمان الشامل فإن العلاقة بين الصفات والذات علاقة التلازم، ضرورة أن الإيمان بالذات يستلزم الإيمان بالصفات، وكذلك العكس على ما أشرنا في هذه المقدمة، لأنه لا يتصور وجود (ذات) مجردة في الخارج كما لا يتحقق وجود صفة من الصفات في الخارج إلا وهي قائمة بالذات. بيد أنه ليس بمستحيل بل من الممكن تصور (ذات) على حدة وتصور (صفة) على حدة، إلا أنه تصور ذهني فقط، كما تقدم في غير موضوع. وهذا ما عنيناه بالتلازم، وسبق أن تحدثنا عن هذه النقطة عند الكلام على مفهوم الذات، وأثبتنا هناك أن المسلك الصحيح والسليم في مبحث: هل الصفة غير الذات أو عين الذات؟ هو عدم إطلاق لفظة (غير) إلا بعد التفصيل ونزيد هنا أن الصواب في مثل هذه النقطة عدم إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وباطل، ولا ينفصل النزاع ويتضح وجه الصواب إلا بالتفصيل، فالله تعالى واحد بأسمائه وصفاته، فأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه (الله)، وإن كان لا يطلق علي الصفة أنها إله أو خالق أو رزاق. وليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله بمعنى أن للذات مفهوماً وللصفات مفهوماً. هنا فقط تثبت المغايرة أي في إثبات معنى ومفهومٍ للصفات غير مفهوم الذات. ويقول الإمام ابن القيم في هذه النقطة: "ويرى القوم في لفظة (الغير) أنه يراد بها معنيان: أحدهما المغايرة لتلك الذات المسماة بـ (الله) وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقاً. ويراد به -أي لفظ (الغير)- مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها فإذا قيل: عِلْمُ الله وكلام الله غيره، بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام كان المعنى صحيحاً، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغايران لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلاً لفظاً ومعنى" ا.هـ لأن الحقيقة المختصة به تعالى التي لا يشاركه فيها أحد اتصافه بصفات الكمال: الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه غيره من العلم الكامل المحيط بجميع المعلومات وبكلماته التامات التي لا نفاد لها، وبقدرته الكاملة التي لا يعجزها شيء، بل هو على كل شيء قدير. وإذا فهمت هذه النقطة فإن الإيمان الصحيح هو الإيمان برب متصف بصفاته وأسمائه حقيقةً واحدةً لا تتجزأ أي رب واحد بأسمائه وصفاته سبحانه، فالمغايرة غير واردة بهذا الاعتبار والله أعلم. هذا هو المفهوم الصحيح الذي كان قد فهمه سلف هذه الأمة، وسلمُوا به من الخوض في بحث العلاقة بين الذات والصفات، إذ لم يحدث ما يدعو إلى ذلك. بل القول المؤيد بالأدلة العقلية والنقلية أن صفة الله تعالى داخلة في مسمى أسمائه، فمن استعاذ بصفة من صفات الله أو حلف لها فإنما استعاذ بالله، وحلف به تعالى. يشهد لهذا، الاستعاذة التي علمها النبي عليه الصلاة والسلام أمته وهي: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "أعوذ برضاك من سخطك" . فمن قال: عبدت الله أو دعوت الله أو حمدت الله أو قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فهذه الأسماء ظاهرها ومضمرها مشتملة على صفات الله ولا يخرج عنها شيء، مثل العلم والحلم والرحمة والكلام وسائر صفاته . ويؤيد ما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت"، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه حلف بغزة الله ليدلنا أن ذلك ليس حلفاً بغير الله وإنما حلف بصفة من صفاته، وصفاته بهذا الاعتبار ليست غيره. هكذا يتضح أنه لا ينبغي إطلاق المغايرة بين الصفات والذات، وأن صفات الله تعالى ملازمة لذاته تعالى ولا تنفك عنها، فمن آمن بالله فإنما آمن بالله سبحانه وبأسمائه وصفاته. ومن كفر بصفة واحدة من صفات الله فقد كفر بالله تعالى وبسائر صفاته، ولهذا أجمع أهل العلم من علماء أهل السنة دون خلاف نعلمه أن من قال: إن كلامه مخلوق أو قال: القرآن مخلوق أو أنكر رؤية الله يوم القيامة مثلاً فهو كافر، وسيأتي في الباب الخامس حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وحكم من ألحد في أسماء الله وصفاته. الباب الرابع: طبيعة علاقة الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني ولقد تحدثنا عن صفات الله تعالى بالجملة في الأبواب السابقة بل قسمناها إلى عدة أقسام من حيث معانيها ومدلولاتها، من صفات سلبية ومعنوية وثبوتية، وذاتية وصفات أفعال والصفات الخبرية. وأخيراً تحدثنا بالتفصيل عن عشرين صفة مختارة حيث حددنا موقف كل من السلف والخلف منها من حيث المعنى، ومن حيث التأويل وعدم التأويل. فبعد هذا كله من المستحسن جداً أن نتحدث عن علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني على سبيل التقريب، فنقول وبالله التوفيق: صفات الله تعالى صفات كمال، أسماؤه تعالى كلها حسنى لأنها متضمنة للأوصاف، فالعلاقة بين الأسماء والصفات، أن الصفات من معاني الأسماء ومأخوذة منها غالباً، ثم إن أسماء الله تعالى كلها أوصاف كمال وصفاته كلها أسماء حسنى، وهي أعلام وأوصاف في وقت واحد. والوصف بها لا ينافي العلمية بخلاف أوصاف العباد تنافي العلمية في الغالب، إلا أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها تتضمن الأوصاف كالحاشر والعاقب والماحي، ومحمد صلى الله عليه وسلم. فمن أسمائه تعالى: العليم الحكيم، السميع البصير، مثلاً فهذه أعلام دالة على الذات العلية المتصفة بالعلم والحكمة والسمع والبصر، وهكذا سائر صفات الله تعالى، فصفات الله تعالى يمكن أن يقال فيها: إنها مترادفة كلها بالنسبة لعلاقتها بالذات حيث تتواد كلها على موصوف واحد كما يليق به وهو الله سبحانه. وأما بالنسبة لبعضها فقد تكون مترادفة من حيث المعنى أو متقاربة مثل المحبة والرحمة والفرح والتعجب والضحك. بل نستطيع أن نقول: إن الصفات التي ذكرت بعد المحبة في هذا السياق إنما هي آثار من آثار المحبة غالباً وما أكثر آثارها. وهناك صفات متقابلة: كالرفع والخفض والإعزاز والإذلال، والعطاء والمنع والأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية، والنفع والضر، والقبض والبسط، ويدل على هذا الصنف قوله عليه الصلاة والسلام - وهو يثني على الله سبحانه -: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" . ومن أسماء الله تعالى التي لا تطلق إلا متقابلة: (المعطي المانع)، (النافع الضار)، (المعز المذل)، (القابض الباسط)، (العفو المنتقم) وهو لم يرد إلا مقيداً مثل قوله تعالى: {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ}، {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}. ويشهد لما ذكرنا قوله عليه الصلاة والسلام وهو يثني على الله تعالى دبر كل صلاة: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" . وهنا صفات متضادة من حيث معانيها: مثل الغضب والسخط مع الرضاء، ومثل الكراهة مع الحب، ويدل لهذا الصنف استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام حيث يقول عليه الصلاة والسلام: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" . وللإمام ابن القيم بحث لطيف في هذه النقطة وهو يتحدث عن معاني الأسماء والصفات المتقابلة إذ يقول رحمه الله: ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابله كالمانع والضار، والمنتقم، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، النافع الضار، العفو المنتقم، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه الأسماء بما يقابله لأنه يراد به التفرد بالربوبية وتدبير شئون الخلق اهـ. والتصرف فيهم عطاء ومنعاً ونفعاً وضراً، وعفواً وانتقاماً، حسبما تقتضيه حكمته البالغة الخافية على خلقه في الغالب. إن اتصافه تعالى بهذه الصفات المزدوجة، المأخوذة من أسمائه المتقابلة وبالصفات المتضادة في معناها على ما تقدم، والمترادفة باعتبار الذات والمتباينة باعتبار ما بينها في الغالب الكثير، إن الاتصاف بهذه الصفات لهو الكمال الذي لا يشاركه فيه أحد، لدلالته على شمول القدرة الباهرة والحكمة البالغة، والتفرد بشئون الكون كله.لا إله غيره ولا رب سواه... الباب الخامس: أ- حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة: أما حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة فهو حكم يحتاج إلى نوع من التأني والتريث ثم التفصيل، لأنه من الخطورة بمكان إصدار حكم مجمل غير مفصل في مثل هذه القضية، التي هي قضية كفر أو إيمان ولا واسطة بينهما. فأقول مستعيناً بالله تعالى: إن من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة لا يخلو حاله من أحد أمرين: أ- أن يكون النافي عالماً بالنص الذي ثبتت به الصفة المنفية كتاباً كان أو سنة، ولا توجد لديه شبهات قد تغر مفهومه في النص كأن يفهم أو يظن -متأثراً بالشبهة- أن النص الذي ثبتت به الصفة لم يكن باقياً على ظاهره مثلاً أو غير ذلك من الشبهات الكثيرة التي قد تضلل الإنسان الساذج أو قليل الاطلاع. والتي من أخطرها تأثره بآراء أهل الكلام المذموم التي تفسد القلوب وتغير المفاهيم في الغالب ولو نفى -وحاله ما وصفنا من العلم وعدم وجود الشبهات- معانداً وجاحداً لخراب قلبه ومرضه، فهو كافر في هذه الحالة كفراً ينقله من الملة الإسلامية لتكذيبه كلام الله أو كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، وهو غير معذور لما علمت، وحقيقة الكفر هي ذلك الخراب الذي سبّبّه له العناد والجحود. ب- أن ينفي في غير هذه الحالة المذكورة آنفاً، كجهله للنص أو عدم علمه المفهوم الصحيح على ما تقدم تفصيله، فأرجو أن يكون معذوراً في هذه الحالة. والخلاف مشهور بين أهل العلم في: هل يعذر الإنسان بجهله في أصول الدين أن لا؟ ولشيخ الإسلام ابن تيمية موافق كثيرة تدل على أنه يرى أن المرء يعذر بالجهل مطلقاً دون تفريق بين الأصول والفروع. 1- الموقف الأول: هو ما يدل عليه النص التالي من كلامه رحمه الله، يقول شيخ الإسلام في كتابه موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، وهو يناقش بعض علماء أهل الكلام في بعض مسائل الصفات: "لكن من لم يكن عارفاً بآثار السلف وحقائق أقوالهم، وحقيقة ما جاء به الكتاب والسنة وحقيقة المعقول الصحيح الذي لا يتصور أن يناقض ذلك، لا يمكنه أن يقول إلا بمبلغ علمه {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك يهلك أكثر فضلاء الأمة، وإذا كان الله تعالى يغفر لمن جهل وجوب الصلاة وتحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام بحسب إمكانه فهو أحق بأن يتقبل الله حسناته ويثيبه على اجتهاده، ولا يؤاخذه بما أخطأه تحقيقاً لقوله تعالى {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}. وقال في موضع آخر في الكتاب نفسه: ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد، والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف) إلى آخر كلامه رحمه الله وهو يتحدث عن الأشعرية" اهـ. ب- كان رحمه الله - ذات مرة- يناقش كبار علماء أهل الكلام ممن لعبت الفلسفة بعقولهم وغيّرت مفاهيمهم -ونَرْوي (الحوار) بالمعنى لا باللفظ ونوجزه في الآتي: ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية فطاحل علماء الكلام محاولاً إقناعهم بضرورة الاكتفاء بالأدلة النقلية - في المطالب الإلهية- أو تقديمها على العقل لتكون هي الأساس في هذا الباب والعقل تابع لها، لأن العقل الصريح لا يكاد يخالف النقل الصحيح إذا أحسن المرء التصرف، فلم يمكن إقناعهم، بل أصروا على ضرورة تقديم العقل في زعمهم، ظناً منهم أن بينهما اختلافاً- وهو ظن الذين لا يفقهون إلا قليلاً. وفي آخر الحوار قال لهم ذلك العالم البصير: لو كنت أنا مكانكم لحكمت على نفسي بالكفر ولكنكم جهال!! فعذرهم بجهلهم- وهم يرون أنفسهم أنهم من أعلم الناس، إلاّ أن ذلك العلم لم يخرجهم من عداد الجهال في نظر الإمام ابن تيمية، لأنهم إنما تعلموا وتبحروا في آراء الرجال وفلسفة اليونان، وأما بالنسبة لعلم الكتاب والسنة فهم في حكم الجهال، ولذا عذرهم الإمام رحمه الله، فيظهر جلياً من هذين الموقفين أنه ممن يعذر الجاهل، والمجتهد، والمخطئ، حتى في باب أصول الدين وبالله التوفيق . ومما يشهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله قصة الرجل الإسرائيلي المشهورة وهذا نصها من صحيح البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام، أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً، فلما مات فُعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال لها: اجمعي ما فيك منه! ففعلت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب فغفر له، وقال غيره: مخافتك يا رب" . وللحديث عدة روايات وهذه الرواية من أجمعها تقريباً قال الخطابي تعليقاً على هذا الحديث: قد يستشكل هذا فيقال: كيف يغفر له، وهو منكر للبعث والقدرة على إحياء الموتى؟ والجواب: أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله. قال ابن قتيبة: وقد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا يكفرون بذلك، ورده ابن الجوزي وقال: جحده صفة القدرة كفر اتفاقاً، وإنما قيل: إن معنى قوله: "لئن قدر الله علي" أي ضيق، وهي كقوله تعالى: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} أي ضيق، وأما قوله: "لعَلّي أضّلُ الله" - يعني في رواية أخرى غير التي ذكرناها- فمعناه: لعلي أفوته، يقال: ضل الشيء إذا فات وذهب، وهو كقوله تعالى: {لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى} ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلظ ذلك الآخر فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" ويكون قوله: "لئن قدر" بتشديد الدال، أي إن قدر عليّ أن يعذبني ليعذبني، أو على أنه كان مثبتاً للصانع وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإيمان. قال الحافظ ابن حجر: "وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله ما يقول، ولم يقل قاصداً لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه" اهـ. قلت: أما ابن الجوزي - مع مكانته العلمية المعروفة- فقد أبعد النعجة وابتعد عن سياق النص فتكلف في تأويل الحديث تأويلاً يشبه تأويل أهل الكلام عفا الله عنه، ولماذا هذا التكلف كله؟ ومعنى الحديث واضح والسياق يدل على أن الرجل مع إيمانه بربه وخشيته، جهل أن الإنسان الذي يفعل به ما فعله أولاده لا يبعث مثل الذي يدفن في الأرض، كما غفل عن قدرة الله الشاملة لجميع الحالات، هذا ما جهله الرجل، وربه الرؤوف الرحيم رحمه وعذره فغفر له، وهذا هو الذي يليق برحمته سبحانه ولطفه بعباده، وقد سبقت رحمته غضبه وغلبته. وأستحسن أن أذكر هنا قاعدة عند أهل السنة في مسألة قبول عذر من جهل شيئاً من الدين: وهي هكذا: "يعذر الإنسان إذا جهل ما مثله يجهله من المسائل الخفية كمسائل الصفات من حيث تحققها وتحقيقها ومعرفة وجه الصواب فيها"ولا سيما بعد أن طغى علم الكلام، وفرض سلطانه على جمهور المتأخرين فتغير كثير من المفاهيم في مسائل العقيدة، ودخلت بسببه على العقيدة الإسلامية اصطلاحات كثيرة، فشوشت على الناس في عقيدتهم، وما ذكرناه من كلام الإمام ابن تيمية مأخوذ من هذه القاعدة، أو هو عينها، وقد صرح رحمه الله: أن الفاضل المجتهد الذي يخطئ وهو يريد متابعة الرسول أولى بقبول عذره من الجاهل الذي لم يطلب العلم إذا جهل ما يجهل مثله، أو كما قال رحمه الله. وللشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تحقيق دقيق في مسألة التكفير، ويرى أن المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر أمر في غاية الخطورة إلا بعد التحقيق ومعرفة تفاصيل ما في المسألة - قلت: بل ومعرفة الزمان والمكان- وينصح الشيخ رحمه الله بالتريّث في المسألة، ثم نقل كلام شيخ الإسلام رحمه الله، حيث يقول شيخ الإسلام: "إن من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون" كما نقل قول الإمام الشافعي رحمه الله إذ يقول: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت ، أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه كَفَّرْتَ". ثم قال الشيخ سليمان رحمه الله: إذا فهمت ذلك وتحققته فاعلم أن الكفر الذي يخرج من الإسلام ويصير به الإنسان كافراً وهو جحوده بما علم أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاء به من عند الله عناداً، من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها من توحيده وحده لا شريك له، وهو مضاد للإيمان من كل وجه، ثم استشهد على ما ذكر بقول الإمام ابن القيم رحمه الله إذ يقول في نونيته المعروفة: فالكفر ليس سوى العناد وردّ جاء الرسول به لقول فلان إلى أن قال رحمه الله: والله ما خوفي من الذنوب فإنها عَـ ـلَىَ طريق العفو والغفران لكنما أخشى انسلاخ القلب عن تحكيم هذا الوحي والقرآن ورضاً بآراء الرجال وخرصِها لا كان ذاك بمنة الرحمن الخلاصة: كل من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة عالماً بالنص، فاهماً له، سالماً من الشبهة مُوثِراً مألوفه من آراء الرجال وغيرها، مستخفاً بالنص وغير مقدرٍ له، فقد كفر كفراً ناقلاً عن الملة. وأما من نفى الصفة وهو على خلاف من وصفناه فهو معذور إن شاء الله لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} ، ولقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ، والله أعلم. وعلى كل حال فإن أهل العلم يفرقون بين التكفير العام، وبين تكفير شخص معين، والتكفير العام يطلق فيقال: كل من ارتكب شيئاً من المكفرات كإنكار الصفات مثلاً فهو كافر ويعتبر هذا قاعدة للتكفير. أما التكفير المعين فيختلف باختلاف أحوال الأشخاص، وما يقوم بنفوسهم مما يستدل عليه بالقرائن والسياق، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا ضال كافراً عند أهل السنة، فانطلاقاً من هذه القاعدة نقول: من أنكر صفة ثابتة بالقرآن أو بالسنة فهو كافر، وهذه القاعدة يدخل في عمومها أكثر المنكرين، ولا يدخل فيها بعضهم لأحوال خاصة قد تشفع لهم، ولا يكون كافراً مع أنه أنكر ما أنكره غيره على ما تقدم من التفصيل. هذا حكم من نفى نفياً. وأما حكم من أول آية من آيات الصفات أو حديثاً من أحاديث الصفات فمثله لا يكفر لسببين: السبب الأول: أنه لم ينف الصفة نفياً. وإنما أثبتها ثم أولها تأويلاً، فهو مخطئ في التأويل ولكنه لا يكفر، لأنه يؤمن بالصفة في الجملة. السبب الثاني: أنه أول لقصد التنزيه ظناً منه أنه لا يتم التنزيه إلا بالتأويل، وهو يظن أن هذه هي الطريقة المثلى أو الوحيد في التنزيه. وهذه شبهة تحول دون تكفيره لأنه معذور بالجهل المصحوب بالشبهة، والله أعلم. وسبق أن قلنا نقلاً عن بعض أهل العلم - إن حقيقة الكفر خراب القلب، والمؤول بقصد التنزيه بعيد عن هذا المعنى إن شاء الله. ب- حقيقة الإلحاد في أسماء الله تعالى، وأنواعه: تحدثنا فيما تقدم عن علاقة الصفات بالذات، ثم طبيعة علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث المعاني. وأخيراً تحدثنا عن حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وأبنّا الفرق بين حكم من نفى، وحكم من أول، إذاً من المناسب جداً أن نتناول بالبحث حقيقة الإلحاد في أسماء الله وصفاته وأنواعه التي تشمل نفي الصفات وتعطيلها، كما تشمل تشبيه صفات الله بصفات خلقه. وقد أنذر الله الذين يلحدون في أسمائه، وأخبر أنه سوف يجازيهم بما كانوا يعملون، وذلك بعد أن حث عباده ليدعوه بأسمائه الحسنى، حيث يقول عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} . والإلحاد في اللغة: الميل، ومادته تدل على ذلك (ل ح د) ومن ذلك اللحد، وهو الشق في جانب القبر، لأنه قد مال عن الوسط. ومنه الملحد في الدين، وهو المائل عن الحق إلى الباطل، فالإلحاد في أسماء الله تعالى هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها، عن الحق الثابت لها، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله ما ملخصه: فالإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع، ثم ذكر منها خمسة أنواع: أحدها: أن تسمى بعض المعبودات باسم من أسماء الله تعالى، أو يقتبس لها اسم من بعض أسمائه تعالى. كتسميته المشركين بعض أصنامهم (اللات) أخذاً من (الإله) و(العزى) أخذاً من (العزيز) وتسميتهم الأصنام أحياناً (آلهة) وهذا إلحاد واضح كما ترى، لأنهم عدلوا بأسمائه تعالى إلى معبواداتهم الباطلة. ثانيها: تسميته تعالى بما لا يليق به، كتسميته النصارى له (أبا) وإطلاق الفلاسفة عليه (موجباً بذاته) أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك. ثالثها: وصف الله تعالى بما ينـزه عنه سبحانه، كقول اليهود عليهم لعنة الله إنه فقير. وقوله: إنه "استراح" بعد أن خلق خلقه، وقولهم أيضاً: "يد الله مغلولة"، وغير ذلك من الألفاظ التي يطلقها بعض أعداء الله قديماً وحديثاً. رابعها: تعطيل أسمائه تعالى عن معانيها (وهي الصفات) وجحد حقائقها. كما فعلت المعتزلة حيث جعلوا أسماء الله ألفاظاً مجردة لا تدل على الصفات، كقوله: سميع بلا سمع، وعليم بلا علم، إلى آخر الأسماء. ويعدّ ابن القيم هذا النوع من أقبح أنواع الإلحاد في الأسماء والصفات معاً عقلاً وشرعاً وفطرة، لأنهم نفوا الصفات وهو إلحاد، ثم نفوا معاني الأسماء، وهو نوع آخر من الإلحاد فهم قد جمعوا بين النوعين، مع ما في ذلك من التلاعب بنصوص الصفات كما لا يخفى. وهذا الإلحاد يقابل إلحاد المشركين الذي سبق أن تحدثنا عنه، لأن أولئك أعطوا آلهتهم أسماء الله وصفاته. وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها. وعطلوها، وكلهم ملحدون في أسمائه وصفاته وإن اختلفت الطرق وتباين نوع الإلحاد. علماً بأن الجهيمة وأشباههم من النفاة متفاوتون، فالجهمية أشد إلحاداً لأنهم ينفون الأسماء والصفات كما تقدم في غير موضع، وهم الذين نطلق عليهم أحياناً (الغلاة) وقد تقدم الكلام على غيرهم من النفاة آنفاً. وهم أولئك الذين ينفون الصفات، ويدّعون إثبات الأسماء. وهو إثبات لا قيمة له، لأن الأسماء عندهم لا تدل على معانيها، بل هي كالأعلام الجامدة، وكذلك الذين يفرقون بين ما جمع الله في كتابه أو فيما أوحى به إلى نبيه حيث يثبتون بعض الصفات ويؤولون يعضها تأويلاً قد يؤدي إلى نفي حقيقة صفة من صفات الله. فهؤلاء ينالهم نصيبهم من الإلحاد وإن لم يبلغوا مبلغ الذين قبلهم من النفاة. خامسها: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وهو يقابل إلحاد المعطلة الذي تحدثنا عنه آنفاً: فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم الطرق، -كما يقول الإمام ابن القيم - وهو أمر واضح فلا تتم السلامة من الإلحاد إلا لمن نهج منهج السلف وعلماء الحديث بأن يصف الله بما وصف به نفسه في كتابه، أو بما وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يعطل ولا يشبه بل هو وسط بين الفريقين، فهذه الوسطية تعتبر صفة لازمة لمن ينهجون منهج السلف ليس في هذا الباب فحسب، بل في جميع الأبواب التي تتفرق فيها الفرق -وهم بين التفريط والإفراط- مثل نصوص الوعد والوعيد، وأفعال العباد وموقفهم من الصحابة رضي الله عنهم. ولهذا كله يعتبر منهج السلف الصالح سفينة نوح عليه السلام التي لا تُكْتَبُ النجاة والسلامة إلا لركابها، وأما من تخلف عنها فله الغَرَقُ والهلاك ولا محالة. الباب السادس: الحديث عن خلاصة المقارنة بين موقف السلف والخلف من معاني الصفات وبعد: سبق أن أجرينا مقارنة واسعة بين موقف السلف والخلف من العقيدة في موضعين اثنين. 1- عند الكلام على منهج السلف الذي اعتبرناه منهج الرسالة في أوائل المدخل في المبحث الخامس. 2- عند الكلام على معاني بعض الصفات الخبرية في آخر الفصل الثالث من الباب الثاني. ب- وخلاصة ذلك: أن السلف كانوا يحرصون كل الحرص على عدم التكلف بالتأويل والتحريف وعلى عدم التورط في التشبيه بل يكتفون بفهم المعاني العامة للنصوص، تلك المعاني التي تفهم من وضع الكلمة، وأما الخلف فقد تكلفوا التأويل وقالوا على الله بغير علم مع تفاوتهم في ذلك، وأحب أن أوضح هنا - تأكيداً لما ذكرت هناك- أن السلف يفهمون معاني الصفات العامة ويفوضون الكيفية فقط، فليسوا بالمؤولين المحرفين وليسوا بالمشبهين المجسمين ولا بالمفوضين الجاهلين. ولا الواقفين الحائرين، بل هم أصحاب فهم صحيح وفقه دقيق ، إذ هم وسط بين هذه النحل المختلفة. ومنهجهم لبن خالص يخرج من بين فرث التشبيه ودم التعطيل، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ومن أراد أن يعرف منهجهم وموقفهم من العقيدة على حقيقته فليطلع على أقوال أهل الحديث وأعيان فقهاء الأمة من الأئمة الأربعة ومن في طبقتهم أو بعدهم من أولئك الذين نهجوا نهجهم، لأنهم خير من يرجع إليهم لمعرفة هذا الباب الخطير على حقيقته. وأكرر هنا -كما ذكرت سابقاً غير مرة - تلك العبارة المنقولة - في صفة الاستواء. عن أم سلمة رضي الله عنها وعن ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك رحمه الله، واشتهرت أخيراً عن الإمام مالك رحمه الله: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه الكيفية بدعة" . وقد أطبق علماء أهل السنة قديماً وحديثاً على هذا المعنى. وقولهم المأثور: "أمرّوها كما جاءت بلا كيف" في نصوص الصفات يؤدي هذا المعنى نفسه. وهل يقول: "الاستواء معلوم" من لا يفهم معنى (استوى) لغةً؟ وهل يقول: "تمر كما جاءت بلا كيف" من لا يعرف معاني النصوص؟! الجواب (لا) بالتأكيد ودون توقف. وإن الذي لا يفهم المعنى إنما ينبغي له أن يقول الاستواء غير معلوم أو اقرأوا الألفاظ وأمرّوها دون محاولة فهم معانيها لأنها غير مفهومة لنا أو يقول: الله أعلم بمعانيها ونحن لا نعلم أو عبارة كهذه. وقد غلط في هذه النقطة بعض الذين كتبوا عن عقيدة السلف دون دراسة سابقة، بل بالمطالعات العابرة أو بالسماع والتقليد فأساءوا فهم عقيدة السلف، ثم أساءوا إلى منهجهم بل اتهموا - جهلاً منهم- كثيراً من أتباع السلف بالتشبيه والتجسيم بناء على تصورهم الخاطئ، حيث ظنوا أن مذهب السلف هو التفويض المحض، بل قد صرح بعض المتأخرين منهم بأن السلف لا يفهمون معاني نصوص الصفات، والعجب كل العجب أنهم يطلقون هذا التصريح في معرض المدح للسلف ومذهبهم - يا سبحانه الله - متى صار الوصف بالجهل لمن تحبه وتقدّره مدحاً وتقديراً؟! فبئس ما يصفون! تكلم غير واحد من المعاصرين الذين تأثروا بفلسفة اليونان وبالاستشراق الجديد في مسألة فهم السلف لنصوص الصفات فنفوا عنهم الفهم فجعلوهم بمثابة الأمي الذي يقرأ ألفاظ القرآن دون فهم أو فقه. ولعل آخر من كتب في هذا المعنى -فيما أعلم- الدكتور محمد عبد الستار أحمد نصار في كتابه الذي سماه (المدرسة السلفية) تحدث الدكتور في هذا الكتاب عن السلف الذين نزل فيهم القرآن (الصحابة) حديثاً في غاية الغرابة. ومما قاله عنهم - بعد حديث طويل سابق-: "فإذا أضفنا إلى ما ذكرنا ما في طبيعة الدين الإسلامي من الدعوة العالمية، وما استتبع ذلك من سل حسام الحق ليفتح المتدينون به البلاد بجانب كلمة الحق التي يحملونها ليفتحوا بها مغاليق القلوب، وأن ذلك لم يترك لديهم من الفراغ ما يجلسون فيه إلى القرآن (جلسة) الدارس الممحص لتبين لنا لماذا (لم يختلف المسلمون) في صدر الإسلام حول مسائل العقيدة؟" . ولعلنا نلمح من خلال هذا العرض الفرق الواضح بين الإيمان والمعرفة. أما الأول فمحله القلب. وأما الثانية فمحلها العقل. ومن ثم نستطيع أن نقرر أن المتدينين في الصدر الأول (الصحابة) قد فقهوا النص الديني وخاصة ما يتعلق منه بأمور العقيدة بقلوبهم، قبل (إدراكه) بمقاييس العقل، كالذي عرف فيما بعد لدى فرق المتكلمين، وتخريجهم نصوص العقيدة على مقتضى ما وضعوه من مقدمات عقلية اهـ. هكذا يتصور الدكتور نصار حقيقة الصحابة جهل وعدم إدراك للأمور العقيدية. إلا أنه بادر لينفي هذا المفهوم - ولكنه لم يستطع - حيث يقول: وليس في هذا الكلام نسبة المتدينين إلى التجهيل -كما فهم ابن تيمية حيث ذهب إلى أن القول بأن السلف لم يفهموا معنى المتشابه نسبه لهم إلى الجهل. وقد فاته أن الجهل معناه أن ينفي عنهم علم شيء في مقدورهم أن يعلموه، وحيث بان لنا الفرق واضحاً بين الإيمان والمعرفة فليس في كلامه ما يمت إلى الحقيقة بصلة . ثم أخذ يستدل بكلام (جوستاف لوبون) على حد تعبيره- أحد المستشرقين فقال: إن المستشرق أبان عن حقيقة الفرق بين مصدر المعتقد، ومصدر المعرفة فقال المستشرق: إن مصدر المعتقد هو إيمان ناشئ عن مصدر (لا شعوري) يكره الإنسان على تصديق فكر أو رأي أو مذهب، إلى آخر كلام طويل كله من هذا النوع (النادر). فلسفة مقدسة واستشراق معظم. وتنقص للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وممن صرح بأن السلف لا يفهمون معاني أخبار النصوص، الدكتور عوض الله حجازي في كتابه (ابن القيم وموقفه من التكفير الإسلامي) حيث قال في صفحة (71) من الكتاب المذكور: إن السلف كانوا لا يفهمون معاني هذه الأخبار: 1- بدليل أنهم كانوا يثبتون لله تعالى ألفاظ الوجه واليد والعين بالمعنى الذي يعلمه ويريده، لا بالمعنى المتبادر من هذه الألفاظ. 2- وبدليل أنهم لم يصل عنهم أنهم عينوا معاني هذه الألفاظ، ولو عينوها لنقل إلينا. 3- وأخيراً لأنهم أوجبوا الوقوف على قوله تعالى: {إِلاَّ اللّهُ} اهـ. هذا كلام غير محرر وصاحبه بحاجة ليعيد النظر في مذهب السلف ليفهمه جيداً. فبناء على هذا التصور الخاطئ يردد بعض السذج العبارة التقليدية الموروثة: "طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم" ، ولست أدري من أول من قال هذه العبارة؟ وما الدافع إليها وما القصد منها؟! وهي عبارة غير محررة علمياً، لأنه ليس بمعقول علمياً ولا بمستساغ عقلاً أن تتوافر السلامة بكثرة في الجانب الذي يكون فيه العلم ناقصاً، ومقدار الجهل مرتفعاً، أخذاً من مفهوم العبارة بينما يتوافر العلم والحكمة في الجانب الذي ليست السلامة فيه بالمستوى المطلوب، بل دون ذلك فليعُد النظر في العبارة أصحابها لعل الله يفتح عليهم ويلهمهم الرشد من جديد. وإنما الوضع السليم أن تتوافر السلامة حيث يوجد العلم والحكمة، لأن السلامة أثر من آثار العلم والحكمة، فحيث لا يوجد العلم لا توجد السلامة، بل إذا ضعف العلم ضعفت السلامة ولا محالة، وهنا يحق لي أن أدعو أولئك المخدوعين الذين يرددون تلك العبارة أدعوهم لدراسة تراث السلف في المطالب الإلهية والمسائل الشرعية في الأصول والفروع ليدركوا مكانتهم العلمية وليستنيروا بنور علمهم وفقههم، حتى يتمكنوا من الخروج مما تورطوا فيه من تصويب مذهب الخلف وتفضيله وتجهيل علماء السلف وتنقيصهم بجعلهم بمثابة الأميين الذين يقرأون الكتاب ولا يفهمون معاني آياته، فهؤلاء المقلدون يعيشون في ظلام ليل ضرير، فهم لا يبصرون شيئاً ولكنهم يسمعون الصوت فيتبعونه لكن فيم يتبعون؟! أفي الصواب أم في الخطأ؟ وماذا يعني هذا القول؟ كل هذا ما لا يعرفونه. بل سمعوا فاتبعوا وقال من قبلهم قولاً فقالوا كما قالوا!! وإلا فكيف يسوغ لعاقل يدري ما يقول أن يعتقد أن المتخلفين أفقه من المتقدمين الذين عاش بعضهم عصر الوحي؟ وأن مجموعة أرسطو وتلامذتهم أعلم وطريقتهم أحكم من طريقة أولئك السادة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، وتتلمذوا عليه وأخذوا العقيدة بل الدين كله منه مباشرة، فور نزوله من السماء، ثم بلغوه لمن بعدهم كما فهموا فبلغ التابعون لتابعيهم، وهكذا يبلغ السابق اللاحق إلى العهد العباسي، وقد كانوا كلهم في تلك العهود السابقة على عقيدتهم الوحيدة، ولا يعرفون معنى للخلاف في العقيدة كما تقدم في غير موضع من الرسالة. الباب السابع: آثار الصفات الإلهية في النفس البشرية والكون إذا كنا قد تحدثنا عن العلاقة بين الصفات والذات وبيّنّا ما بينهما من التلازم، ثم استعرضنا طبيعة علاقات الصفات بعضها ببعض من حيث الآثار والمعاني، ثم تحدثنا عن حكم من نفى صفة ثابتة بالكتاب والسنة، وأن ذلك قد يؤدي إلى الكفر أحياناً وعرفنا أخيراً موقف كل من السلف والخلف من معاني صفات الله تعالى وأسمائه. بقي أن نعرف ما آثار تلك الصفات في هذا الكون عامة وفي النفس البشرية خاصة. لذا نقول: الصفات وآثارها في النفس البشرية والكون: إن الله تعالى خالق كل شيء، ومدبر هذا الكون وحده، وهو المنعم المتفضل. فهذه المعاني تكمن في أسمائه الحسنى وصفاته العلى. فلا بد من ظهور آثار أسمائه وصفاته في هذه الحياة في النفس البشرية بل وفي الكون كله، إلا أن الاهتداء إلى تلك الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توفيق الله تعالى. ولو أجال الإنسان فكره في هذا الكون الفسيح، بل لو فكر في نفسه جيداً وراجع ماضيه وأطوار حياته، ثم فكر فيما حوله لرجع من هذه الجولة بعجائب، واستفاد منها فوائد ما كان يحلم بها، وكما قلت إنما يتوقف الأمر على توفيق الله اللطيف الودود بل إن التوفيق نفسه من آثار رحمته التي سوف تكون حجر الزاوية في بحثنا في هذه النقطة. ولبيان ما أشرنا إليه نجعل منطلقنا الآية الكريمة {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} ، فحكمته تعالى تأبى أن خلق الخلق عبثاً، ويتركهم سداً، ويسلمهم للفوضى، لا أمر ولا نهي، ولا تدبير ولا تعليم ولا توجيه. بل موجب حكمته تعالى أن يكونوا على عكس ما ذكر كما هو الواقع، خلقهم فدبر أمرهم من السماء إلى الأرض، فبعث إليهم من يقوم بتعليمهم وتوجيههم إلى ما فيه صلاحهم ويعرفهم بربهم وخالقهم ويعرفهم بحقه عليهم، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ولا يتخذوا من دونه نداً وهو خلقهم كما يعرفهم حقهم على ربهم وخالقهم المتفضل عليهم بأن يجعل لهم حقاً على نفسه لطفاً وتفضلاً وإحساناً لأن من أسمائه الرحمن الرحيم، وهو لطيف بعباده، وهو بالمؤمنين رحيم رحمة خاصة، علما بأن رحمته العامة وسعت كل شيء. وقد وسع عباده رحمة وعلماً، وقد بعث إليهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آيته ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. هنا لطيفة أود التنبيه عليها، وهي أن الله وصف نبيه الكريم ورسوله الأمين محمداً صلى الله عليه وسلم بالرحمة حيث يقول عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ، ما ألطف المقام! لأن الله الذي أرسل رسوله إلى عباده هو الرحمن الرحيم، ومن آثار رحمته أن أرسل هذا الرسول إليهم وهو من أنفسهم، ليس بجني ولا ملك لكيلا يستوحشوا منه - والله أعلم- ثم وصف هذا الرسول بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم. فجعْلُ نبيه بهذه المثابة ووصفه بهذه الصفات أَثَرٌ من آثار رحمته الكثيرة التي لا ينبغي التفكير في حصرها والإحاطة بها لأنها -كما قلنا بلغت حيث بلغ علمه، وهو بكل شيء عليم، هذه النقطة من بحر آثار رحمته سبحانه ومن أسمائه (الملك) ومن مُوجب صفة الملك أن يتصرف في مملكته ويفعل، بل هو فعال لما يريد، وتأبى هذا الصفة أن يكون معطلاً عن الفعل، لأن الفعل كمال وعدم الفعل نقص، وما نشاهده في هذا الكون من إحياء وإماتة وعطاء ومنع ومن إعزاز وإذلال ورفع وخفض وغيرها من تلك الأفعال التي لا تنقطع (ثانية) من الزمن التي هي بعضٌ وبعضٌ يسير جداً من آثار صفة الملك وغيرها من بعض الصفات مثل صفة الحياة والإرادة والقدرة. يحدثنا الإمام ابن القيم في هذه النقطة المهمة حيث يقول رحمه الله: والأسماء الحسنى والصفات العلى، مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها آثارها من الخلق والتكوين. فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها. إلى أن قال: فعِلْم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع، والخلق والرزق الإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً. ولوازم التوكل وثمراته ظاهراً اهـ. وهذه الإشارة اللطيفة من الإمام ابن القيم تثير الانتباه إلى أن من آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى تلك المعاني التي يجدها العبد في عبوديته القلبية التي تثمر التوكل على الله والاعتماد عليه وحفظ جوارحه وخطرات قلبه وضبط هواجسه حتى لا يفكر إلا في مرضاته يرضى لله ويحب لله وفي الله، به يسمع وبه يبصر ومع ذلك هو واسع الرجاء وحسن الظن بربه وهما أثران من آثار معرفته لجوده وكرمه وبره وإحسانه، وإنه عفو يحب العفو وإنه واسع الرحمة. هذه المعاني وما في معناها تثمر له العبودية الظاهرة والباطنة على تفاوت بين شخص وآخر، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. هكذا ترجع العبودية كلها إلى مُوجب أسمائه وصفاته، بل وترتبط بها جميع شئون الخلق، ومن أسمائه تعالى الغفار، التواب، العفو، فلا بد لهذه الأسماء من موجبات ومتعلقات. الغفار هو الذي يغفر الذنوب، والعفو هو الذي يعفو يصفح عن الهفوات والخطايا ويمحوها، التواب هو الذي يقبل التوبة عن عباده بل ويفرح بها، وذلك يعني أنه لا بد من وقوع أخطاء ومخالفات أو جرائم يعفو عنها الرب العفو سبحانه، ولا بد من ذنوب وجناية تغفر، فالرب تعالى عفو يحب العفو ويحب المغفرة والسماح فبينما العبد يتقرب إليه بعبودية امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ويجتهد في الطاعات إذ يجد نفسه قد زل وانزلق. فيبادر إلى عبودية التوبة والاعتراف والإقرار والندم والبكاء على ما جنى، يطلب العفو والغفران متبرأ من حوله وقوته ومعترفاً بعجزه وضعفه ومسكنته، وهي من أحب أنواع العبودية كما تقدم، يدل على ذلك فرح الله العظيم تلطفاً بهذا المسكين الذي لولاه سبحانه لم يكن له خلاص مما وقع فيه. هكذا يظهر جلياً آثار أسمائه العفو الغفار التواب الحليم اللطيف، وأن الذي تقتضيه حكمته سبحانه أنه يقدر الأرزاق والآجال وغيرها لحكمة يعلمها ولا يعلمها غيره، لأنه لا يفعل ما يفعل ولا يقدر إلا لحكمة، وكذلك تقدير الذنوب والمعاصي. إنما يقدرها ويبتلي بها عباده لحكمة خفية ولطيفة. ولعل من الحكم في تقديرها - والله أعلم- حبه تعالى لعبودية التوبة والإنابة، والقضاء على داء الإعجاب والكبر والأنانية ليعرف العبد قدر نفسه وأنه ليس بشيء إلا بالله وأنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، ولو لم يحفظه لهلك في يد عدوه (الشيطان) وإن لم تدركه رحمة ربه لبقي أسيراً في قبضة عدوه، ولكن الله اللطيف الغفار هو الذي ينقذه ويخلصه من الأسر إذا قرع بابه في مسكنة وذل وعجز وهو يجأر إليه {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}،"اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني". ومن هنا يأتيه ذلك الإسعاف - وهو يكاد أن ييأس- "لله أشد فرحاً بتوبة عبده" الحديث، ومثول العبد في هذا الموقف يقضي -كما قلت- على داء خطير وهو داء العجب والغرور، وخير ما يشهد لما ذكرنا حديث أنس بن مالك عند القضاعي يرفعه: "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك، العُجب العُجب" اهـ. وقال بعد أهل العلم: إنما كان العجب أشد، لأن المعاصي معترف بنقصه، فترجى له التوبة، والمُعْجَب مغرور بعمله فتوبته بعيدة. وقد وردت في هذا المعنى عدة أحاديث من عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين منها: حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي يقول عندما حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لولا أنكم تذنبون، لخلق الله خلقاً يذنبون ويغفر لهم". ومنها رواية لأبي أيوب نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم". ومنها حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم" . ومنها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ويغفر لهم" . عند القضاعي، رفعه العجلوني في كشف الخفاء. وهذه الأحاديث يفهم منها مكانة (عبودية التوبة) والإنابة والرجوع إلى الله من وقت لآخر، وعدم الاعتماد على الأعمال لئلا يهلكه الغرور وربما أدى ذلك إلى نسيان ربه وولي نعمته سبحانه إذ يرى نفسه كل شيء. ولمكانة هذه العبودية (عبودية التوبة) ولزوم الاستغفار، ولكونها محبوبة إلى الله تعالى، وفيها تكمن مصالح العباد لذلك كله يبتليهم ربهم بأسبابها "وقد جعل الله لكل شيء سبباً" حكمة منه وكأنه عليه الصلاة والسلام يقول: لو لم تتوافر فيكم أسباب عبودية التوبة لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين تتوافر فيهم تلك الأسباب ليتقربوا إلى الله بالتوبة ولزوم الاستغفار، ولكن الله لطف بكم فجعلكم أنتم الذين تتمتعون بهذه العبودية، تذنبون ولا محالة، فإذا أذنبتم فلا ملجأ لكم إلا إلى الله تفرون منه إليه، وتستغفرونه وتجأرون إليه وحده فيتوب الله على من شاء منكم. هذا ملخص معنى الحديث - والعلم عند الله - هكذا أراد الله لعباده التوابين أن يعيشوا في آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، تفضلاً منه وإحساناً وهو الغفور الشكور. قال الإمام ابن القيم: ومن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصفات، والأفعال، إلى أن قال: فله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة. ثم واصل كلامه وهو يقول: إن كل اسم له تعبدٌ يختصّ به علماً ومعرفة وحالاً. وأكمل الناس عبودية هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم) و(الرحيم) أو يحجبه التعبد باسمه (المعطي) عن عبودية اسمه (المانع) أو عبودية اسمه الرحيم، العفو الغفور عن عبودية اسمه المنتقم الجبار مثلاً إلى أن قال: هذه طريقة الكمل من السائرين ا.هـ ولعل الإمام ابن القيم يريد أن يأخذ هذه المعاني التي فصلها، من قوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، بعد أن يتوسع في مفهوم الدعاء ليشمل دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، لأن الله تعالى يدعو عباده إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله ليعبدوه في ضوء تلك المعرفة ويثنوا عليه سبحانه، فَعلْم العبد بأن ربه معه يراه ويرى مكانه ويسمع كلامه ويعلم منه كل شيء جليله ودقيقه، وأنه هو الذي يحركه إذا شاء فيوقفه ليعبده ويدعوه، ثم هو الذي يجيب دعوته تفضلاً منه ويعطيه سؤاله. إن إدراك العبد لهذه المعاني يورثه الحياء من الله والخجل عندما تحدثه نفسه الأمارة بالسوء بنوع من المخالفة. كما يورثه في الوقت نفسه الرغبة في التوبة والإنابة والرجوع كلما أصابته (عثرة أو كبوة) في سيره إلى الله سبحانه. ولا ييأس من رحمته، هذه بعض آثار إيمانه بأن الله معه، وأنه قريب منه في كل لحظة. وهذه الآثار جميعها تنقله إلى عبودية (المحبة) فيحب الله حق المحبة، ويُؤثر محبته على محبة كل محبوب، فيقدم طاعته على طاعة كل مطاع، ويتفانى في عبادته، ويجد فيها الراحة كلها "أرحنا بها يا بلال" ويحس بالوحشة إذا ضعفت هذه (الطاقة) ويصبح قلقاً (خبيث النفس) ولا يهدأ له بال حتى يستجير بالله وحده لينقذه فيجيره ربه، وهو اللطيف بعباده -فتعود له تلك المعاني والعبودية التي فقدها. فهذه نفسها عبودية أخرى، وهي عبودية (الجهاد للنفس) فهو دائماً في هذا الصراع وفي هذا الجهاد من وقت لآخر، وربك عليم حليم لا يقع شيء مما ذكرنا وما لم نذكره إلا بعلمه وتقديره، وحكمة منه سبحانه. فآثار إيمان العبد بأسماء الله وصفاته، وفي مقدمة ذلك آثار إيمانه بمحبته وقربه، وآثار محبة العبد لربه ومولاه محبة صادقة فلا بد أن تترجم كلها إلى حسن عبادته والحرص على طاعته واتباع هدي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والتفاني في الخدمة طالباً رضاه سبحانه. وبعد فهذا المقام مقام يصعب على المرء العادي أن يخوض فيه، وهو فوق طاقته، فلندع الميدان لفرسانه، فلنمسك القلم عن الخوض فيما هو عاجز عنه. إذا لم تستطع شيئاً فدعه فجاوزه إلى ما تستطيع فنعود لابن القيم حيث يقول: وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته فهو (عليم) يحب العلم ويحب كل عليم، جواد يحب كل جواد، وتر يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عفو يحب العفو وأهله، ثم قال: فلمحبته للتوبة والمغفرة والعفو والصفح خلق من يغفر له، ويتوب عليه، ويعفو عنه، وقدر عليه ما يقتضي وقوع المكروه، والمبغوض له، ليترتب عليه المحبوب له، والمَرضيّ عنه. ثم ذكر أن الأسباب مع مسبباتها أربعة أنواع: النوع الأول: سبب محبوب يفضي إلى أمر محبوب لله. النوع الثاني: سبب مكروه يفضي إلى أمر محبوب له سبحانه، وذكر أن هذين النوعين عليهما تدور أقضيته تعالى وأقدراه بالنسبة إلى ما يحبه ويكرهه. وأما النوع الثالث: فمكروه يفضي إلى مكروه. النوع الرابع: محبوب يفضي إلى مكروه وهما ممتنعان في حق الله سبحانه، وذلك لأن الغايات المطلوبة من قضائه تعالى وقدره الذي لم يخلق ما خلق ولم يقض ما قضى إلا لأجله لا تكون إلا محبوبة للرب تعالى مرضية له سبحانه. وأما الأسباب الموصلة إليها فمنقسمة إلى محبوب له، ومكروه له. فالطاعات والتوحيد أسباب محبوبة له موصلة إلى الإحسان والثواب المحبوب له أيضاً. والشرك والمعاصي أسباب مسخوطة موصلة إلى العدل المحبوب له، كذلك هكذا يتضح أن مدار القضاء والقدر وما يترتب عليهما إنما هو على أسماء الله وصفاته بصرف النظر عن نوع المقضي والمُقدّر. فكل ذلك من الله ومن آثار أسمائه وصفاته. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والشأن كل الشأن في فقه ذلك: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" . وبعد، فلو قيل إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة" هو إدراك آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى إدراك آثارها في الكون بما يقضيه الله ويقدره وفي النفس البشرية والتصرفات الإنسانية اليومية وغيرها ثم التزام التعبد بآثار كل اسم دون أن يحجبه التعبد بآثار اسم معين عن التعبد بآثار أسمائه الأخرى، لو قيل: إن هذا من معاني الحديث لما كان هذا القول بعيداً فيما يبدو لي. ولو كنت أعلم أن لي سلفاً في هذا المعنى لاخترته وأيدته. وإن كان تحقيقه صعباً، ولكنه يسير على من يسره الله عليه. فالجنة سلعة غالية فثمنها ليس في متناول كل أحد. "حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات". الخاتمة وبعد أن أتممت عملي بتوفيق من الله وعونه -في هذه الرسالة- أرى تذييلها بخاتمة للبحث مرتبة حسب ما وردت في أبواب الرسالة وفصولها ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة، فأقول وبالله التوفيق: أولاً: المدخل: وقد بحثت في هذا المدخل نقاطاً كثيرة. منها: تعريف السنة لغة مع ذكر الشواهد اللغوية توضح المعنى المراد، ثم عرفتها في الاصطلاح وأوردت اصطلاح الفقهاء مع الأمثلة. واصطلاح المحدثين كذلك، وذكرت أنها قد تأتي في مقابل البدعة، وذلك كقولهم: فلان على السنة إذا كان عمله وتصرفاته الدينية وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كما يقال: فلان على خلاف السنة أو مخالف للسنة إذا كان مبتدعاً. ثم تحدثت في آخر هذه النقطة عن الفرق بين السنة والقرآن وبينت أن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، متعبد بتلاوته ولا تصح الصلاة إلا به، بخلاف السنة فإنها، إنما تنسب إلى الله من حيث المعنى فقط، وأما لفظها فمن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تقرأ تعبداً ولا تصح بها الصلاة وأما من حيث ثبوت الأحكام والعقيدة بها فهي كالقرآن من هذه الحيثية ولا فرق بينهما. وأما الحديث القدسي فهو يوافق القرآن في أنه من عند الله لفظاً ومعنى، مع ملاحظة الخلاف، ويوافق الحديث النبوي في أنه لا يتعبد بتلاوته ولا تصح الصلاة به. وأما المبحث الثاني: فقد أثبتُّ فيه حجية القرآن والسنة في باب العقيدة، بل أوضحت أنهما هما المصدران الأساسيان لكل بحث في العقيدة لكونهما وحيين من الله تعالى بصرف النظر عن الفوارق التي ذكرناها آنفاً. ثم انتقلت إلى المبحث الثالث فتحدثت فيه عن مدى حجية أخبار الآحاد في باب العقيدة، فأثبت أنه لا فرق عند التحقيق بين المتواتر والآحاد في إثبات الصفات، لأن المدار على صحة الحديث وثبوته عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأثبت بعد مناقشة طويلة أنه لا يوجد ما يثبت أن للعقيدة فئةًَ معينة من الأدلة غير الفئات التي يستشهد بها في الأحكام وأن التفريق بين الآحاد والمتواتر من حيث الاستدلال بهما عمل لا مستند له، وأن القائلين بهذا القول ليس لهم سلف، وقد قسمت الأحاديث إلى أربعة أقسام: أحدها: المتواتر لفظاً ومعنى. وثانيها: المتواتر معنىً لا لفظاً. وثالثها: الأخبار المستفيضة المتلقاة بالقبول لدى الأمة. رابعها: أخبار آحاد مروية بنقل رواة عدول ضابطين من أول السند إلى آخره، ثم تحدثت عن كل قسم. من حيث الاستدلال به في باب العقيدة، وأثبت الاستدلال حتى بالقسمين الأخيرين استناداً إلى عمل المسلمين في الصدر الأول وما يليه، وذكرت أمثلة حيّة لذلك، في العصور السابقة وسقت عدة أحاديث للاستشهاد بها فيما ذهبت إليه، ونوهت أن ما ذهبت إليه هو ما عليه المحققون من الأئمة الذين لهم وزنهم عند أهل العلم. وأما المبحث الرابع: فقد تحدثت فيه بإسهاب عن بدعة الزاعمين الاكتفاء بالقرآن وإهمال السنة ووصفت هؤلاء بالجهل أو التجاهل حيث يكابرون الواقع الذي يعلن عن نفسه بأن السنة تفسير للقرآن، وأن القرآن نفسه يدعو إلى الأخذ بالسنة والعمل بها إذ يقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} وبينت أن الأمر بأخذ ما جاء به الرسول يشمل كل ما صحت به السنة المطهرة من الأحكام وإثبات صفات الله وإثبات المعاد وغير ذلك، وَرَدَ في القرآن أو لم يَرِدْ، لأن ذلك من مقتضى الإيمان بالرسول ورسالته. وذكرت أن هؤلاء القرآنيين الجدد ليس لهم سلف فيما ذهبوا إليه إلاّ غلاة الرافضة والزنادقة، بل أوضحت أن غلاة هؤلاء الروافض الذين هم سلف القرآنيين الجدد اتهموا من شدة وقاحتهم جبريل عليه السلام بعدم العصمة حيث زعموا أنه أخطأ فنزل بالوحي على محمد عليه الصلاة والسلام، بينما كان الواجب أن ينزل بالوحي على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكرت هنا ما يلزمهم من هذا الزعم من لوازم كفرية لا يستطيعون الفكاك منها عقلاً وشرعاً. ثم ذكرت ضعف الحديث الذي استدلوا به على ما زعموا، وبينت - بناء على ما ذكره علماء الحديث- أنه حديث هالك لا تقوم له قائمة، وتقدم تخريجه. ونقلت كلام الإمام الشافعي الذي قسم فيه السنة إلى ثلاثة أقسام: ومن الأقسام الثلاثة، ما سن الرسول صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص الكتاب إلى آخر الحوار الطويل بين أهل السنة وعلماء الحديث وبين دعاة الاكتفاء بالقرآن. وأضحت في نهاية المطاف في هذا المبحث أن الكفر بالسنة يلزم منه الكفر بالقرآن ولا محالة. وأما المبحث الخامس: فقد تحدثت عن منهج السلف في إثبات صفات الله وأسمائه، أولاً: عرفت من هم السلف، وبينت بداية اشتهار هذا اللقب وسببه وهو ظهور النـزاع في أصول الدين بين الفرق الكلامية ومحاولة الجميع الانتساب إلى السلف الصالح، ثم تحدثت عن قواعد وأسس للاتجاه السلفي التي بها يعرف المنهج، حتى لا يختلط الأمر على الذين يريدون الاقتداء بهم في كل زمان. القاعدة الأولى: تقديم النقل على العقل. وقد تحدثت في هذه القاعدة بإسهاب. القاعدة الثانية: رفض التأويل في باب الأسماء والصفات خشية القول على الله بغير علم، لأن المعنى المؤول إليه ظني غير يقيني، وناقشت هنا مشكلة معارضة العقل للنقل وأثبت أن النقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح، وقد كررت هذه القاعدة في غير موضع بالمناسبات لأهميتها. أما القاعدة الثالثة: فهي عدم التفريق بين الكتاب والسنة بل السنة هي التفسير والتفصيل للكتاب فيما أجمل فيه من أحكام، وقد أوضحت في هذه النقطة أن السلف يعملون بما تنفرد به السنة أحكاماً وعقيدة بعد التثبت من صحتها، ثم أوردت من أقوال بعض علماء التابعين وتابعي التابعين ما يشهد لما ذهبت إليه وفي آخر هذه النقطة ذكرت ما نقله البيهقي عن الإمام الشافعي في حكمه على أهل الكلام المخالفين لمنهج السلف حيث يقول: حكمي في أهل الكلام أن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويضربوا بالجريد، ويقال: هذا جزاء من ترك كتاب الله واتبع علم الكلام، وللإمام مالك كلام يشبه كلام الشافعي رحمهما الله. أما المبحث السادس: فقد تحدثنا فيه عن مفهوم الذات والصفات عند علماء الحديث والسنة وذكرنا فيه بأن علماء الحديث والسنة يؤمنون بذاته الموصوفة بجميع الكمالات، وأنه لا حد لكمالاته، فكمالاته لا تعد ولا تحصى كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، وليس الأمر كما زعمت المعتزلة أن اتصافه تعالى بالصفات يتنافى والتوحيد وأوضحت أنه زعم فاسد عقلاً وشرعاً، ومما أوضحت في هذه النقطة أن علم حقيقة ذاته تعالى وكيفيتها أمر لا سبيل إليه لأيّ مخلوق إذ ليس من الجائز ولا من الممكن أن يحيط المخلوق بالخالق {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}. ثم أوردت مناقشة جرت حول لفظة (ذات) بين أهل العلم وخلاصتها: أن إطلاق لفظة (الذات) في حق الله تعالى وارد في السنة الصحيحة استدلالاً بقصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: "ثلاث كذبات كلهن في ذات الله"، وقصة (خبيب) رضي الله عنه حيث يقول: (وذلك في ذات الإله) إلى آخر الأبيات. ثم تحدثت في الفصل الأول في هذا المبحث عن معنى الإلهية، وبينت فيه أن (إله) فعال بمعنى مفعول مثل كتاب بمعنى مكتوب، وإمام بمعنى مؤتم به، فيكون معناه (معبود) وناقشت هذه اللفظة مناقشة لغوية مستفيضة. وخلاصتها أن إله والآلهة يطلقان على كل ما عبد بأي نوع من أنواع العبادة ولو كان المعبود من الجمادات. وأما لفظ الجلالة (الله) فلا ينطلق إلا على المعبود بالحق، وهو خالق السموات والأرض. أما في الفصل الثاني: فقد تناولت فيه معنى الصفة لغة واصطلاحاً، وذكرت أن الصفة والنعت مترادفان مع الإشارة إلى الخلاف القائم في المسألة، وربما رأى بعضهم أن الصفة أعم من النعت، لأنها تنطلق على الصفات الذاتية الثابتة وعلى الصفات متجددة معاً، وأما النعت فلا ينطلق إلا على الصفات المتجددة، هذا ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله. وللصفة إطلاقات كثيرة في اللغة، وقد أوردت أكثرها في هذا الفصل، ثم ذكرت معنى الصفة في اصطلاح المتكلمين وهي حال وراء الذات أو ما قام بالذات من المعاني والنعوت. وهي صفات الجلال والكمال في حق الله تعالى، ثم بينت أن صفات الله تعالى توقيفية، فلا مجال فيها للاجتهاد والاستحسان، بل الواجب في هذا الباب الوقوف عند ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسول الله عليه الصلاة والسلام. ثم ختمت هذه النقطة بالتنويه بأن الصفات كلها من باب واحد ذاتية كانت أو فعلية. وأما الفصل الثالث: ففيه بحث موجز عن الذات الإلهية في القرآن. وقد أوردت في هذا الفصل عديداً من الآيات القرآنية تتحدث عن الذات الإلهية، دون تصريح بلفظ (الذات) وكثيراً ما يصدر الحديث باسم (الله) فالله علم على الذات العلية، فسقت آيات كثيرة في هذا المعنى مثل قوله تعالى: {اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} هذا، وأوضحت في آخر هذا الفصل أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين كانوا يتلون القرآن الكريم ويسمعون أحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيراً ولكنهم لم يقفوا قط موقف التساؤل: هل الصفة غير الذات أو هما شيء واحد؟ هذا ما لا يخطر على بال أحد منهم. بل يعتبر هذا المبحث وأمثاله من مبتكرات علم الكلام. وأما الفصل الرابع: فقد تحدثت فيه الذات في السنة وبينت فيه أنه قد وردت عدة أحاديث فيها إطلاق لفظ (الذات) وإثباتها لله تعالى ثم سردت بعض تلك الأحاديث: 1- حديث قصة إبراهيم الذي تقدم. 2- حديث قصة خبيب الأنصاري وتقدمت الإشارة إليه. 3- حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في الله" وفي معناه حديث أبي الدرداء، ثم ختمت تلك الأحاديث بقول حسان رضي الله عنه: إذ يقول: وإن أخا الأحقاف إذ قام فيهم يجاهد في ذات الإله ويعدل وأما المبحث السابع: فقد تحدثت فيه عن مواقف خمسة من كبار الأئمة وسميتهم المدافعين عن منهج السلف وهم: 1- الإمام أحمد بن حنبل. 2- الإمام البخاري. 3- الإمام الدارمي. 4- الإمام ابن تيمية. 5- الإمام محمد بن عبد الوهاب. وقد أوضحت موقف كل واحد منهم من منهج السلف، وكيف دافعوا عنه واستشهدت على ذلك بما سجلوا في كتبهم مع الإشارة إلى أن هناك أئمة آخرين قاموا بما قام به هؤلاء الأئمة مع وجود الفوارق في ذلك. وقد تحدثت في هذا المبحث عن تاريخ بدء ظهور الجهمية، وذلك في المائة الثانية من الهجرة، ثم انتشرت في المائة الثالثة، كما تحدثت عمن تولى إذاعتها والدعاية لها والدفاع عنها، وذكرت في آخر هذا المبحث استنكار الأئمة المعروفين بالإمامة في الإسلام لموقف الجهمية، كالإمام أبي حنيفة، والإمام مالك، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن الماجشون، والأوزاعي وغيرهم. المبحث الثامن: أما هذا المبحث فقد ناقشت فيه موقف كل من المعتزل والأشاعرة من نصوص الصفات بعد أن عرفت كلاً من المعتزلة والأشاعرة وبينت أسباب التسمية لكل من الطائفتين، ثم بينت أن الاعتزال يدور على أربع قواعد: القاعدة الأولى: القول بنفي صفات الله تعالى ذاتية أو فعلية. القاعدة الثانية: القول في القدر بغير علم حتى نفوا علم الله للأشياء أزلاً وكذا التقدير السابق. القاعدة الثالثة: القول بالمنزلة بين المنزلتين. القاعدة الرابعة: الخوض فيما جرى بين الصحابة من الأمور الاجتهادية. ثم ذكرت أصولهم الخمسة المعروفة وعددتها أصلاً أصلاً نقلاً من مراجعهم. كما بينت خطأهم في مفهوم التنزيه حيث زعموا أن التنـزيه هو نفي الصفات كلها وعدم وصف الله بأي صفة. وهنا ناقشتهم كثيراً في هذا الخطأ وبينت بُعدَهم عن النصوص. وأتبعت ذلك ببيان التنزيه عند السلف، وخلاصته أن ينفى عن الله ما لا يليق به من النقائص كالصاحبة والولد والوالد والشريك والمماثل له في صفاته وأسمائه وأفعاله، مع إثبات كمالاته جملة وتفصيلاً. ثم أجريت حواراً ومحاججة بين الباطنية والمعتزلة، وموضوع المحاججة تناقض المعتزلة في موقفهم من النصوص حيث يؤولون نصوص الصفات ولا يؤولون نصوص المعاد. وفي هذه النقطة حاججت الباطنية المعتزلة فحجتها. ثم تقدمت المعتزلة للأشاعرة بمحاججة مماثلة في تأويل الأشاعرة بعض الصفات دون بعضها فحجتهم المعتزلة (وكلّ كاسرٌ مكسُورٌ). والمبحث التاسع: يشتمل على فصلين: الفصل الأول: في بيان أسباب انتشار العقيدة الأشعرية واشتهارها في العالم على الرغم من رجوع الإمام أبي الحسن إلى طريقة السلف الصالح، وقد أوجزت تلك الأسباب فيما يلي: 1- كثرة الحق عندهم بالنسبة للباطل الكثير الذي عند غيرهم من طوائف أهل الكلام. 2- استعمالهم الأدلة العقلية في مواجهة المعتزلة مما أكسبهم الشعبية. 3- ضعف الآثار النبوية في تلك العصور لأن الآثار هي التي تبين للناس سبيل الحق حتى لا يقعوا في المشبهات والبدع. 4- العجز والتقصير الواقع في المنتسبين إلى السنة والحديث حيث يروون أحياناً ما لا يعلمون صحته من الآثار والأحاديث. وتارة يكونون كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، ويعرضون عن بيان دلالة الكتاب والسنة عن حقائق الأمور إلى غير ذلك من الأسباب التي ذكر بعضها المقريزي في خططه المعروفة . الفصل الثاني: في بيان موقف كبار شيوخ الأشاعرة من منهج السلف، وقد أثبت في هذا الفصل رجوع أولئك الأئمة إلى منهج السلف في آخر حياتهم بعد أن قضوا زمناً غير قصير في علم الكلام، وبعد رجوعهم أثنوا على مذهب السلف ثناءً عاطراً هو أهل له، ثم دعوا شيوخهم وزملاءهم إلى الرجوع إلى الحق الذي وجدوه في منهج السلف ومن هؤلاء الأئمة بل وفي مقدمتهم: أ- الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله الذي أثبت رجوعه فيما سجله في كتابه (الإبانة) وأوردت أسماء عدد من العلماء ممن ذكروا رجوعه رحمه الله: 1- منهم ابن عساكر. 2- ابن خلكان. 3- الحافظ ابن كثير. 4- الذهبي. وأخيراً محب الدين الخطيب الذي تحدث عن أطواره الثلاثة. أولاً: طور الاعتزال إذ كان إمام في الاعتزال. ثانياً: خروجه عليهم ومعارضته لهم بأسلوب متوسط بين أساليبهم ومذهب السلف. ثالثاً: وأخيراً انتقاله إلى مذهب السلف وتأليفه فيه كتابه (الإبانة) في أصول الديانة وأمثاله، ومما ذكره محب الدين في رجوعه العبارة التالية: (وقد أراد أن يلقى الله وهو على ذلك) أي على المذهب السلفي. ب- الإمام الجويني (الأب) والد إمام الحرمين، وقد تحدثت عن رجوع هذا الإمام بإسهاب، ونقلت نقولاً متنوعة من رسالته التي ألفها بعد رجوعه إلى مذهب السلف، وبينت في ترجمة هذا الإمام أنني لم أجد أحداً رجع عن علم الكلام إلى مذهب السلف رجوعاً كرجوعه وهو أصدقهم لهجة وأخلصهم نصحاً لمن خلّفهم بعده من شيوخه وأصدقائه، والرسالة المشار إليه لا تتجاوز (15) صفحة. وأوضحت أنها على قصرها حقق فيها الإمام مسائل العلو والاستواء وصفة الكلام تحقيقاً لم يسبق إليه - فيما أعلم- وهذا هو سر ثنائي عليها وعلى مؤلفها الإمام الجويني (الأب). وقد أبرزت الجانب الذي ركز عليه الإمام في (رسالته) وهو إثبات صفة العلو والفوقية. ج- الجويني الابن: ترجمت لهذا الإمام وتحدثت عنه حديثاً أوضحت فيه ندمه في آخر حياته على خوضه في علم الكلام إلى أن رجع إلى مذهب السلف، ومما يعبر عن رجوعه رسالته المعروفة باسم (النظامية)، وأحب أن أثبت بعض عباراته التي وردت في النصيحة التي وجهها لأئمة الشافعية، حيث قال: (يا أصحابنا لا تشتغلوا بعلم الكلام، ولو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما اشتغلت به). د- الإمام الغزالي: وقد ترجمت لهذا الإمام ترجمة موجزة لأثبت من خلالها رجوعه إلى مذاهب السلف وتحذيره من الخوض في علم الكلام - وأصرح كلام قاله الإمام في هذا الصدد قوله في عنوان كتابه اللطيف (إلجام العوام عن علم الكلام)، وقد أشاد الغزالي في هذا الكتاب بمذهب السلف وتحدث عن حقيقته وخلاصة ما قال في مذهب السلف: "مذهب السلف هو الاتباع دون الابتداع". هـ- أبو الفتح الشهرستاني: وقد أدركت من خلال ترجمته الموجزة أنه تندم كثيراً على خوضه الطويل في علم الكلام، وعبر عن ذلك في آخر كتاب ألفه: (نهاية الإقدام في علم الكلام). والكتاب مطبوع معروف. و- فخر الدين الرازي المتكلم المعروف وقد أعلن عن رجوعه في مناسبات كثيرة، وأوضح شيء في ذلك ما تضمنه هذان البيتان: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال إلى آخر تلك الأبيات المنقولة عنه. وقد برهنت بما نقلت عنهم أن بعض كبار شيوخ الأشاعرة رجعوا عن الأشعرية الكلابية، مقتدين بالإمام أبي الحسن نفسه، وهو إمامهم في الأشعرية أولاً، وإمامهم بالسلفية أخيراً. ولله الحمد والمنة. هذه النقاط هي خلاصة النتائج التي اشتمل عليها المدخل. الباب الأول: وبعد أن أنهيت الكلام على المدخل أوردت خمس نقاط مهمة ينبغي الوقوف عليها قبل الشروع في الكلام على الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهي: أولاً: إن ما يدخل في باب الإخبار عن الله تعالى أوسع مما يدخل في أسمائه وصفاته كالشيء والموجود والقائم بالنفس والمخالف للحوادث والقديم. ثانياً: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه تعالى، بل يطلق عليه معنى الكمال فقط، وهذا كالمريد، والفاعل والصانع عند الإطلاق. ثالثاً: لا يلزم من الإخبار عنه تعالى بالفعل المقيد أن يشتق له منه اسم مطلق كما غلط فيه بعضهم مثل المضل والفاتن والماكر، وغيرها. رابعاً: لم يرد حديث صحيح يعتمد عليه في تعداد الأسماء الحسنى التسعة والتسعين، التي من حفظها دخل الجنة، ولكن اعتماد أهل العلم في ذلك على الكتاب العزيز مع بعض الآثار التي يشهد لها الكتاب. خامساً: قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير بعد أن ذكر أقوال بعض أهل العلم في تعداد الأسماء الحسنى: وقد عاودت تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حررت منه تسعة وتسعين اسماً إلى آخر كلامه بهذا الصدد. ثم تحدثت عن مزاعم أهل الكلام في الأسماء والصفات وتخبطهم بغير علم، حيث ينفي بعضهم الصفات والأسماء معاً ليزعم وجود ذات مجردة عن الأسماء والصفات، وهذا من أفسد مزاعمهم، إذ هو ضرب من المحال وهؤلاء هم الجهمية الغلاة، ثم سجلت مناقشة مستفيضة للإمام ابن القيم في هذه النقطة حيث أثبت في آخر المناقشة أن هذا من أعظم الإلحاد في أسماء الله، ثم أشرت إلى كلام الإمام البيهقي في نفس المعنى. ثم ذكرت الفرق بين الأسماء والصفات، فأثبت أن الصفات إنما هي من معاني الأسماء الحسنى في الغالب بخلاف بعض الصفات مثل الوجه واليدين والقدم وغيرها، والأسماء دالة عليها كما تدل على الذات. وهو ما يعنيه الإمام البيهقي بقوله: "وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه". ثم أوضحت بطلان مذهب المعتزلة وتناقضهم لأنهم قد ينفون الصفات مع دعواهم إثبات أحكامها، وهي الأسماء وهو موقف لا يقفه إلا من يغالط الواقع، ويكابره أو لا يدري ما يقول. وبعد أن أنهيت مناقشة المعتزلة أوردت عديداً من الآيات والأحاديث تدل على الأسماء الحسنى مثل قوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. وهذه الآية تعتبر آية (الباب) أي العمدة في إثبات الأسماء الحسنى . ومن الأحاديث التي استشهدت بها قوله عليه الصلاة والسلام: "إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة" . ثم سردت عدداً كبيراً من أسماء الله الحسنى استناداً إلى ما ذكره أهل العلم -كالحافظ ابن حجر، والبيهقي والترمذي وغيرهم بصرف النظر عما قيل في تلك الأحاديث. ثم ذكرت الخلاف بين أهل العلم في: هل أسماء الله تنحصر في التسعة والتسعين اسماً فقط، أو أن هناك أسماء أخرى غيرها؟ وقد رجحت في هذه المسألة قول الجمهور: وهو عدم انحصار أسماء الله في هذا العدد بل هناك أسماء لا يعلمها إلا الله استدلالاً بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفيه: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". ثم بينت وجه استدلال أهل الحق بهذا الحديث على أن أسماء الله تعالى غير مخلوقة وهو أنه عليه الصلاة والسلام لم يقل: (بكل اسم خلقته) ولكنه قال بكل اسم أنزلته. ثم تعرضت للسؤال المعروف عند أهل الكلام، هل الاسم هو المسمى أو غيره، فأجبت بالتفصيل الآتي: "قد يطلق الاسم فيراد به المسمى، فلو قلت: الله فوق خلقه مستوٍ على عرشه. المراد به هنا المسمى، وإذا قلت: الله اسم عربي أو الله في القرآن، فالاسم هنا غير المسمى أي اللفظ الدال على المسمى، ثم أعربت إعراباً مفصلاً حديث الباب وهو "لله تسعة وتسعون اسماً" الحديث. إعراباً قصدت به إيضاح المعنى وأن الحديث جملة واحدة مكونة من المبتدأ والخير، ليكون معنى الحديث أن لله عدداً معيناً من الأسماء من حفظها دخل الجنة، وليس الغرض من الحديث حصر أسماء الله تعالى في هذا العدد لتتفق النصوص على معنى واحد، ولا تتضارب وقد نوعت العبارات ونقلت نقولاً من أهل العلم كثيرة في هذا المعنى محاولاً إيضاحها، وبيان المراد من حديث الإحصاء، وما ذهبت إليه من عدم حصر الأسماء في العدد المذكور في الحديث هو قول الجمهور كما أسلفنا، لا نعلم لهم مخالفاً له اعتباره إلا ابن حزم رحمه الله. أما هو فقد خالف الجمهور في هذه المسألة وشدد في الإنكار على من يزيد على العدد المذكور في الحديث، الذي نحن بصدده ولعل أبا محمد ابن حزم لم يطلع على حديث ابن مسعود، والله أعلم، ثم بحثت مسألة (الاسم الأعظم) واستعرضت آراء أهل العلم حول هذه المسألة وقد أشرت إلى ما ترجح عندي دون قطع، وهو ما جاء في حديث بريدة عند أبي داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وهو أصح ما ورد في الباب فيما اطلعنا عليه، والله أعلم. ويلي هذا الحديث في القوة حديث (دعوة ذي النون) وهي دعوة واردة في القرآن، وهذا وجه من رجح هذا الدعاء - وهو وجيه- والله أعلم. الباب الثاني: أنواع الصفات عند السلف والخلف، ويشتمل هذا الباب على عدة فقرات وفصول: أ- في الصفات السلبية: وفي هذه الفقرة تحدثت عن موضوع تنويع الصفات وبينت أن السلف ليس من عاداتهم التوسع في التنويع، لأنهم لا يسرفون في الكلام في المطالب الإلهية، بل لا يكادون يتجاوزون الكتاب والسنة وبينت أن الخلف هم المولعون بتقسيم الصفات وتنويعها. ثم سردت الصفات السلبية وهي خمس صفات عند الأشاعرة: 1- القدم. 2- البقاء. 3- الوحدانية. 4- المخالفة للحوادث. 5- الغنى المطلق وهي المعروفة عندهم بـ(القيام بالنفس). كما أثبت تقسيماً آخر ذكره بعض أهل العلم إلى سبعة أقسام: ثم أوردت عدة تعريفات للصفة السلبية، كما ذكرت أن هناك صفات سلبيات غير السلبيات التي اصطلح عليها الأشاعرة، وهي الصفات التي ترد في سياق النفي، وأكدت أن هذا النوع كثير في القرآن، كما أكدت أن كل نفي يأتي في صفات الله تعالى في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده، مثل قوله تعالى: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، لكمال عدله، وقوله: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ}، لكمال علمه إلى آخر الأمثلة. واستطردت بالمناسبة إلى القول (يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً، ويأتي النفي مجملاً على عكس طريقة أهل الكلام، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل). وسردت أمثلة كثيرة لما ذكرت. ب- في الصفات الثبوتية: هنا عرفت الصفة الثبوتية وهي التي تدل على معنى ثبوتي ووجودي، وأنا الصفات السبعة المعروفة عند الأشاعرة بصفات المعاني من الصفات الثبوتية، وهذه الصفات مع دلالتها على المعاني الثبوتية بالمطابقة، وهي في الوقت نفسه تدل على نفي ما لا يليق بالله تعالى أي على أضدادها، وهي معروفة كالعجز والفناء والتعدد وغير ذلك. ثم أتبعت الحديث عن الصفات الثبوتية بالحديث عن صفات الذات. جـ- وأوضحت هنا التداخل بين صفات الذات والصفات الثبوتية، إذ الصفات الثبوتية نفسها هي الذاتية نسبة إلى الذات، لملازمتها الذات العلية، وبينت أن الصفات الثبوتية أو الذاتية قد تكون شرعية عقلية كالصفات السلبية، وصفات المعاني وقد تكون خبرية محضة كالوجه واليدين وأمثالهما. د- في صفات الفعل: تحدثت في هذه الفقرة عن اختلاف أهل العلم في تعريف صفة الفعل وفي التفريق بينها وبين الصفات الذاتية، فأوردت تعريفها عند الماتريدية الذين يمثلهم (ملا على قارئ) ثم تعريف المعتزلة فالأشعرية، حيث عرفت الأشعرية بقولهم ما لا يلزم من نفيه نقيضه كالإحياء والإماتة والخلق والاستواء مثلاً. ورجحت القول بأن الصفة الفعلية هي التي تتعلق بها مشيئة الله، كالمجيء لفصل القضاء والاستواء على العرش والغضب، وغيرها. الفصل الأول: في الصفات الشرعية العقلية والصفات الخبرية: وتحدثت في هذا الفصل عن تنويع صفات الله تعالى من حيث ثبوتها إلى نوعين: النوع الأول: الصفات الشرعية العقلية التي يشترك فيها الدليل الشرعي السمعي. والدليل العقلي والفطرة السليمة، وهي أكثر صفات الله تعالى. النوع الثاني: الصفات الخبرية وتسمى الصفات النقلية والسمعية وهي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله، أو عن رسوله عليه الصلاة والسلام ومثلت لها بالآتي: الوجهُ واليدان والقدمُ وغيرها. ثم قسمت الخبرية إلى قسمين: أ- صفات الأفعال التي تتجدد حسب مشيئته تعالى مثل النزول والاستواء وغيرهما. ب- صفات ذاتية قائمة بذاته تعالى، وهي قديمة قدم ذاته تعالى كالوجه والقَدَم والعين وغيرها وذكرت ملاحظة هامة وهي أن هذه الصفات وإن كانت تعد بالنسبة للمخلوق جوارح وأعضاء، وأبعاضاً وأجزاء، ولكنها بالنسبة لله تعالى صفات أثبتها لنفسه سبحانه أو أثبتها له رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام. ثم ختمت الفقرة بالتنبيه على عدم الخوض في هذه الصفات بأهوائنا وآرائنا. الفصل الثاني: في مبحث التجدد في الصفات والأفعال أثبت في هذا الفصل أزلية الصفات الإلهية ذاتية كانت أو فعلية بمعنى أنه لا يجوز الاعتقاد بأنه تعالى اتصف بصفة من الصفات بعد أن لم يكن متصفاً بها، لأن صفات الله تعالى صفات كمال ولا يجوز أن يعتقد أنه كان متصفاً بضدها أو يعتقد أنه حصل له الكمال بعد أن لم يكن. ثم تطرق البحث لصفات الفعل وأن الصفات الاختيارية كالخلق والاستواء والنـزول ونحوها تتجدد حسب مشيئة الله وقدرته، وتحدث في وقت دون وقت، لأن مثل هذا الحدوث غير ممتنع ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن إذ لم يكن ممتنعاً عليه قط، بل هو على كل شيء قدير. في كل وقت وفي كل لحظة. وكل الذي نريد أن نثبت هنا أن تجدد صفات الأفعال في وقت دون وقت لا يقال فيه: أنه تعالى اتصف بصفة كان فاقداً لها أو عاجزاً عنها، أو ممتنعة عليه، أو فعل فعلاً كان ممتنعاً عليه بل الفعل كان ممكناً في حقه تعالى في كل وقت، لأنه لا يجوز أن يعتقد أنه كان معطلاً عن الفعل في وقت من الأوقات، لأن الفعل كمال وعدمه نقص، وهو {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ}. ثم تحدثت عن مسألة في غاية الأهمية وهو اعتقاد بعض الناس أن وصفه تعالى بصفات الأفعال التي تتجدد في وقت دون وقت، أن ذلك يؤدي إلى القول بحلول الحوادث في ذاته تعالى. إن مثل هذا القول قد يجعل الإنسان يسلم لهذه الدعوة ظناً منه أنه نفي عن الله ما لا يليق به سبحانه. لأن هذا اللفظ المجمل يحتمل نفي حدوث مخلوق وحلوله في ذات الله وهو نفي صحيح. ويحتمل بأنه تعالى لا يفعل شيئاً إذا شاء كيف شاء، ولا يفرح ولا يغضب إلى آخر الأفعال التي تقدم تعدادها فيكون النفي باطلاً ولكن السني قد يؤتى من حيث تسليمه للكلام المجمل الذي لا ينبغي التسليم له إلا بعد الاستفسار، ثم تطرق البحث لمسألة معروفة عند أهل الكلام. وهي هل الصفة زائدة على الذات أم لا؟ وقد ناقشت المسألة مناقشة قد تكون طويلة. وملخصها: إن أريد أن الصفة زائدة على الذات بمعنى أن هناك ذاتاً مجردة عن الصفات أو هناك صفات قائمة بنفسها منفصلة عن الذات فهذا غير صحيح، بل باطل وغير واقع. وإن أريد أن للصفات معنى غير معنى الذات ومفهوماً غير مفهوم الذات بيد أنها لا تنفك عن الذات فهذا المعنى صحيح إلا أن الإطلاق خطأ، وهذا ملخص نتائج هذا الفصل. الفصل الثالث: في معاني الصفات الخبرية وصفات الفعل عند السلف والخلف بالجملة تحدثت في هذا الفصل عن القاعدة العامة عند السلف في هذا الباب وخلاصتها أنهم لا يتجاوزون الكتاب والسنة في هذه الصفات وغيرها، ولا يرون التفريق بين الصفات بل كلها من باب واحد. ويقفون عندما جاءت به النصوص إيماناً منهم بأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله. ولا يصفه من خلقه أعلم به من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وأما الخلف وهم علماء الكلام في حديثنا هنا على اختلاف مشاربهم فموقفهم يتلخص فيما يلي: 1- خلف ينفي هذه الصفات وغيرها دون مبالاة بنصوص الكتاب والسنة، بل يردها بدعوى أنها أدلة لفظية لا تفيد العلم واليقين، ومع ذلك فهي مخالفة للأدلة العقلية، فهؤلاء لا قيمة عندهم للنصوص وهم المعتزلة والجهمية. 2- الفريق الثاني من الخلف، وهم الأشاعرة، فناقشت الأشاعرة وانتقدتهم لوقوفهم على مفترق الطرق لم يثبتوا جميع الصفات على ضوء الأدلة، التي سبق ذكرها، فيكونوا مع السلف. ولم ينفوا جميع الصفات دون تفريق بين الذاتية والعقلية حتى يكونوا مع المعتزلة. ولكنهم فرقوا بين الصفات، فصاروا عرضة للمناقشة والانتقاد. بهذا الأسلوب تمت مناقشتهم كما تم الحكم على غلاة المعتزلة بأنهم من أبعد الطوائف الكلامية عن النصوص والاستفادة منها بل يحرفونها لتوافق أهواءهم. الفصل الرابع: في معاني الصفات التي تحدثنا عنها بالإجمال في الفصل الثالث. أما في هذا الفصل فقد تحدثت عنها بالتفصيل، فقسمت الصفات التي هي محل النـزاع بين السلف والخلف إلى فقرتين: أ، ب. ففي فقرة: أ- تحدثت عن اثنتي عشرة صفة وكلها من صفات الفعل وهي التي خالف فيها الخلف قاطبة جماعة السلف وهي: 1- صفة استواء. 2- صفة المعية والقرب. 3- صفة النـزول إلى سماء الدنيا كما يليق به. 4- صفة المجيء يوم القيامة. 5- صفة الكلام. 6- صفة التعجب. 7- صفة الرحمة. 8- صفة الرضاء. 9- صفة الضحك. 10- صفة التعجب. 11- صفة الفرح. 12- صفة الغضب. وأما في فقرة: ب- تحدثنا عن الصفات الخبرية وهي ثمان صفات على الوجه التالي: 1- صفة الوجه. 2- صفة النفس. 3- صفة اليد. 4- صفة الأصابع. 5- صفة العين. 6- صفة الساق. 7- صفة القَدَم وفي بعض ألفاظ الحديث (الرجل بدل القدم). 8- إثبات الرؤية للمؤمنين في الدار الآخرة. هذه عشرون صفة من الصفات التي هي محل النزاع بين الخلف والسلف كما قلت، ولذا جعلتها محل عنايتي واهتمامي بل أقول: إن تحقيق القول فيها وبيان وجه الصواب هو موضوع الرسالة الرئيسي، لأن الصفات الأخرى قد يوافق فيها كثير من الخلف الصفاتية كالأشاعرة والماتريدية، بمعنى أن الخلاف فيما سوى هذه الصفات المختارة ينحصر في الجهمية والمعتزلة التي تنفي جميع الصفات إذاً أستطيع أن أقول: إن إجماع الخلف على نفي هذه الصفات المختارة أو تحريف نصوصها هو الذي دفعني إلى انتخاب هذه الصفات العشرين لدراستها والكلام على معانيها بالإيجاز، وأوضحت في آخر هذه النقطة أنني لم أهمل الصفات الأخرى، وإنما أمسكت عن التوسع فيها - أما الصفات العشرون فقد تحدثت عن كل صفة على حدة ببيان المعنى العام لها. ثم ذكرت رأي الخلف المخالف مع مناقشته وسوق الأدلة الدالة عليها من الكتاب والسنة غالباً ومن السنة فقط أحياناً مثل صفة الفرح والضحك وغيرهما. وقد ذكرت في آخر حديثي عن صفة الرؤية أن الرؤية ليست صفة لله تعالى بل المؤمنون هم الذين يرونه سبحانه، والله هو المرئي لهم، وإنما أدرجتها في الصفات الخبرية لأن إثبات الرؤية محل نزاع بين السلف والخلف، هذه هي المناسبة التي جعلتني ضممت الرؤية إلى الصفات العشرين. الباب الثالث: تحدثت في هذا الباب عن العلاقة بين الصفات والذات، وذكرت أن الإيمان بالذات يستلزم الإيمان بالصفات ضرورة عدم وجود ذات مجردة عن الصفات في الخارج، وكذلك العكس أي أن الإيمان بالصفات لا يتم إلا بالإيمان بالذات، وعبرت عن هذا المعنى بالتلازم، ثم تحدثت عن مبحث المغايرة بين الذات والصفات، وأكدت أن إطلاق المغايرة أو عدم المغايرة لا ينبغي إلا بعد التفصيل. كما ذكرت عند هذه النقطة موقف السلف وهو عدم الخوض في مثل هذه البحوث، إلا ما تدعو الضرورة إليه، لأن الإيمان بالله هو الإيمان الشامل الذات والصفات معاً -هذا هو المفهوم الذي لا خلاف فيه عندهم، أخذاً من السنة العملية حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف بأسمائه تعالى وصفاته ويستعيذ بها إذ يقول عليه الصلاة والسلام: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" . ويقول عليه الصلاة والسلام: "أعوذ برضاك من سخطك"، وكان المفهوم عندهم أن من قال: عبدت الله أو دعوت الله، أو حلفت بالرحمة أنها كلها من باب واحد، ولا يفهم منها إلا أنهم حلفوا واستعاذوا بالله، ولا يخطر بالبال هل من حلف بالله أو من حلف بصفة من صفات الله حكمهما واحد، أم يختلف؟ هذا مالا عهد بهم به بل هو مفهوم مستحدث. الباب الرابع: تحدثت في هذا الباب عن طبيعة العلاقات بين الصفات بعضها ببعض من حيث المعاني والآثار فقررت أن علاقات الصفات فيما بينها قد تكون مترادفة من حيث المعنى أو متقاربة مثل المحبة والرحمة والفرح والتعجب مثلاً. أما هذه الصفات التي ذكرت آنفاً بعد المحبة فهي آثار من آثار المحبة وما أكثر آثارها. كما أوضحت أن هناك صفات متقابلة كالرفع والخفض، والإعزاز والإذلال وكثير غيرها كما بينت أن هناك صفات متضادة من حيث معانيها، مثل الغضب والسخط مع الرضاء ومثل الكراهة مع الحب مثلاً. الباب الخامس: ناقشت فيه حكم من نفى صفة من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة وقد فصلت القول في هذه المسألة وخلاصة ما قلته: إن من كان معذوراً بجهله أو بشبهات حالت دون معرفة الصواب في المسألة أنه لا يكفر، ومن كان على خلاف ذلك فإنه يكفر، ثم أشرت إلى الخلاف القائم في المسألة: في هل يعذر الإنسان بالجهل في أصول الدين أم لا؟ وذهبت إلى القول بأنه يعذر لوجود ما يؤيده وفصلت القول في الموضوع ثم سقت أقوال العلماء وأدلتهم أو وجهات نظرهم. ثم استطردت لذكر حقيقة الإلحاد وأنواعه في أسماء الله تعالى وبينت معناه لغة، كما تدل عليه مادته (ل ح د)... الخ. الباب السادس: وقد لخصت في هذا الباب المقارنة التي قد أجريت سابقاً في عدة مواضع وملخص ذلك أن السلف موقفهم من الصفات واضح لا غموض فيه. فهم يفهمون معاني الصفات العامة ويفوضون الكيفية فقط فليسوا بالمتأولين المحرفين وليسوا بالمشبهين المجسمين ولا بالمفوضين الجاهلين، ولا الواقفين الحائرين بل هم أصحاب فهم دقيق، وقد توسطوا بين نفي النفاة وتشبيه المشبهة فموقفهم إيمان بنصوص الصفات وعدم تحريفها وإثبات دون تشبيه وتنـزيه دون تعطيل. ومن العبارات المأثورة عن أئمة السلف في نصوص الصفات: "أمروها كما جاءت" أو "أمروها كما جاءت بلا كيف" وهكذا. ثم تحدثت عن موقف غريب يقفه بعضهم حيث يتظاهرون بمحبة السلف ويثنون عليهم ومع ذلك يجهلون مذهبهم ومنهجهم وهو موقف كثير من الكتاب المعاصرين (المتسلفين). الباب السابع: في نهاية الرسالة تحدثت عن آثار صفات الله تعالى في النفس البشرية، وفي العبودية وفي حياة الإنسان وتصرفاته وفي الكون كله، حيث يجد المرء إذا فكر جيداً في نفسه وفي كل شيء حوله في أطوار حياته بل في حياته اليومية ثم في الكون كله، يجد آثار أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى وأوضحت أن أبرز تلك الآثار هي آثار الرحمة التي يعيشها كل مخلوق "وسعت رحمته كل شيء" ومن آثار صفة الرحمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب والبيان والتبيان، الذي جاءت به الكتب. وتحدثت عن آثار أسمائه: الملك، الودود، اللطيف، الغفار، التواب، العفو، بنوع من الإسهاب حتى اتضح رجوع العبودية كلها إلى موجب أسمائه وصفاته بل ارتباط جميع شئون الخلق بها والعلم عند الله. هذه النقاط التي سطرنا هنا هي خلاصة نتائج الدراسة لهذه الرسالة. وبالله التوفيق. وبها تم المراد. وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وإمام المرسلين وآله الطيبين وصحابته أجمعين. ملحق الرسالة: وهو مأخوذ من كلام الإمام الجويني (الأب) في رسالته التي وجهها إلى شيوخه بعد رجوعه إلى مذهب السلف يقول الإمام الجويني (الأب) رحمه الله بعد مقدمة مستفيضة، سرد منها كثيراً من صفات الله وأسمائه: وبعد: فهذه نصيحة كتبتها إلى إخواني في الله أهل الصدق، والصفاء، والإخلاص، والوفاء، لما تعيّن عليّ من محبتهم في الله ونصيحتهم في صفات الله عز وجل، فإنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وفي الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم. وعن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة"ثلاثا، قالوا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". أعرفهم - أيدهم الله بتأييده ووفقهم لطاعته ومزيده - أنني كنت برهة من الدهر متحيراً في ثلاث مسائل: 1- مسألة الصفات 2- ومسألة الفوقية 3- ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد. وكنت متحيراً في الأقوال الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك من تأويل الصفات وتحريفها أو إمرارها والوقوف أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، فأجد النصوص في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ناطقة منبئة لحقائق هذه الصفات، وكذلك في إثبات العلو والفوقية، وكذلك في إثبات الحرف والصوت. ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم منهم من يؤول الاستواء بالقهر والاستيلاء، ويؤول النزول بنزول الأمر، ويؤول اليدين بالقدرتين أو النعمتين، ويؤول القدم بقدَمِ صدق عند ربهم، وأمثال ذلك. ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله تعالى معنى قائماً بالذات بلا حرف ولا صوت، ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم. وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها، قوم لهم في صدري منزلة مثل طائفة من فقهاء الأشعرية الشافعيين، لأني على مذهب الشافعي رضي الله عنه. وعرفت فرائض الدين وأحكامه على هذا المذهب، فأجد مثل هؤلاء الشيوخ الأجلة، يذهبون إلى مثل هذه الأقوال، وهم شيوخي ولي فيهم الاعتقاد التام لفضلهم وعلمهم. ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات (حزازات) لا يطمئن قلبي إليها، وأجد الكدر والظلمة منها، وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها، فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره، المتململ في تقلبه وتغيره، وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول، مخافة الحصر والتشبيه، ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أجدها نصوصاً تشير إلى حقائق هذه المعاني، وأجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بها مخبراً عن ربه واصفاً له بها، وأعلم بالاضطرار أنه صلى الله عليه وسلم كان يحضر في مجلسه الشريف العالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي. ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان يصف ربه بها، لا نصاً ولا ظاهراً مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء - مشايخي الفقهاء- المتكلمون، مثل تأويلهم الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر، وغير ذلك. ولم أجد عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه، من الفوقية واليدين وغيرهما، ولم تنقل عنه مقالة تدل على أن لهذه الصفات معاني أُخَر باطنة غير ما يظهر من مدلولها، مثل الفوقية القهرية، ويد النعمة، وغير ذلك. وأجد الله عز وجل يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} ، {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ، {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ} ، {أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} . فسرد آيات كثيرة كلها تدل على فوقية الله وعلوه على خلقه، إلى أن قال: ثم أجد الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد الله أن يخصه بقربه عرج به من سماء إلى سماء، حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ثم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث للجارية: "أين الله؟" فقالت: في السماء . فلم ينكر عليها بحضرة أصحابه، فلا يتوهمون أن الأمر على خلاف ما هو عليه، بل أقرها وقال: "اعتقها فإنها مؤمنة". وفي حديث جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله فوق عرشه فوق سماواته، وسماواته فوق أرضه مثل القبة" وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده إلى القبة. وساق عدة أحاديث وسيأتي ذكرها في موضعها. إلى أن قال: لا ريب إننا نحن وإياهم متفقون على إثبات صفات الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام لله، ونحن قطعا لا نعقل عن الحياة إلا هذا العرض الذي يقوم بأجسامنا، وكذلك لا نعقل من السمع والبصر إلا أعراضاً تقوم بجوارحنا، فكما أنهم يقولون حياته ليست بعرض وعلمه كذلك وبصره كذلك، هي صفات كما تليق به، لا كما تليق بنا، فكذلك نقول نحن: حياته معلومة وليست مكيفة، وعلمه معلوم وليس مكيفاً، وكذلك سمعه وبصره معلومان وليس جميع ذلك أعراضاً بل هو كما يليق به. ومثل ذلك بعينه: فوقيته واستواؤه ونزوله، ففوقيته معلومة، أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر، فإنهما معلومان ولا يكيفان. وكذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما تليق به، واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق، بل كما يليق بعظمته وجلاله. وصفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد. فيكون المؤمن بها مبصراً من وجه أعمى من وجه، مبصراً من حيث الإثبات والوجود. أعمى من حيث التكييف والتحديد، وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف، وذلك هو مراد الرب تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه بها ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل. ولا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر، الكل ورد فيه النص. فإن قالوا لنا في الاستواء: شبهتم. نقول لهم: في السمع شبهتم، ووصفتم ربكم بالعرض. وإن قالوا: لا عرض، بل كما يليق به.قلنا في الاستواء والفوقية: لا عرض، بل كما يليق به. فجميع ما يلزموننا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب، نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم، فكما لا يجعلونها أعراضاً كذلك نحن لا نجعلها جوارح، ولا مما يوصف به المخلوق. وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين، فيحتاجون إلى التأويل والتحريف. فإن فهموا من هذه الصفات ذلك، فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع، صفات المخلوقين من الأعراض، فما يلزموننا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية نلزمهم في هذه الصفات من العرضية، وما ينـزهون ربهم به في الصفات السبع وينفونه عنه من عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبوننا فيها إلى التشبيه سواء بسواء. ومن أنصف عرف ما قلناه واعتقده، وقبل نصيحتنا ودان الله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك، ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف، وهذا مراد الله تعالى منا في ذلك، لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد، وهو الكتاب والسنة. فإذا أثبتنا تلك، وحرفنا هذه وأولنا، كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، وفي ذلك بلاغ وكفاية إن شاء الله تعالى. هكذا نصح هذا الإمام الصادق في نصحه الإمام الجويني شيوخه الذين عاش معهم برهة من الزمن في التأويل والتحريف في صفات الله تعالى كلها، أو التصرف فيها بإثبات بعضها وتأويل البعض الآخر، ثم تاب الله عليه فتاب، وكتب هذه (النصحية) التي انتخبنا منها بعض النقاط من أولها ومن آخرها، وقد ناقشهم فيها بالأدلة النقلية والعقلية معاً، وطالبهم بالإنصاف - والإنصاف من الإيمان - وأوضح لهم أنه لا يوجد ما يفرق بين ما أولوه وحرفوا فيه الكلام، وبين ما أثبتوه من الصفات، لأن هذه وتلك جاءت في موضع واحد وهو الوحي من كتاب أو سنة، ودرج على عدم التفريق بينها سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وعلماء الحديث. ثم أوضح السبب الذي حمل علماء الكلام على تأويلهم صفات الله تعالى عامة، والصفات الخبرية السمعية خاصة. وهو أنهم فهموا منها خطأ المعاني التي تليق بالمخلوق، ثم أرادوا تصحيح ذلك المفهوم الخاطئ فوقعوا في التأويل، أي شبهوا أولاً ثم عطلوا ثانياً، هذه هي حقيقة القوم وعقيدتهم. فنسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة لهذا الإمام وأمثاله على هذه النصحية الهادئة والصادقة، إنه سميع قريب. فليهنأ أبو محمد الجويني بهذا التوفيق وهذه الهداية، ولعل الله علم من الرجل الإخلاص في علمه وجهاده الذي بذله في البحث عن الحق في فترة (حيرته وتردده) تلك الفترة الصعبة على قصرها - فيما أحسب - فهداه الله ووفقه مصداقاً لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، ولقد كاد حبه وتقديره لشيوخه أن يخلداه إلى أرض التقليد ليحولا بينه وبين رؤية الحق واتباعه {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} ووفقه بيده إلى بر السلامة، فسلم ونحمد الله على ذلك. إذ قارن الإمام بين ما يخوض فيه شيوخه من التأويل، وبين ما ينطق به الكتاب المبين والسنة المطهرة من إثبات حقائق الصفات، فتأكد أن شيوخه لم يفهموا نصوص الصفات الفهم الصحيح، لا سيما الصفات الخبرية، بل لم يفهموا منها إلا ما يليق بالمخلوق، ولذلك تورطوا في التحريف والتعطيل أو الوقوف دون محاولة للفهم، لذا بادر الإمام أبو محمد بتوجيه تلك النصيحة فور توبته وسلوكه مسلك السلف على بصيرة من ربه . المراجع والمصادر القرآن الكريم: 1) الإبانة: للإمام أبي الحسن الأشعري المتوفى 322هـ، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -الرياض. 2) اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية: ابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ، تصحيح ومراجعة عبد الله حسن آل الشيخ وإبراهيم الشورى، إدارة الطباعة المنيرية 1351هـ. 3) إرشاد الفحول إلى علم الأصول: الشوكاني: محمد بن علي المتوفى 1250هـ طباعة مصر. 4) الأسماء والصفات: للبيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين المتوفى 458هـ، دار إحياء التراث الإسلامي -ببيروت. 5) أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن: للشنقيطي: محمد الأمين بن محمد المختار المتوفى 1393هـ، المؤسسة السعودية مؤسسة الصبحي. 6) الاعتقاد: للبيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين المتوفى 458هـ، تحقيق أحمد عصام الطالب، دار الأوقاف الجديدة -ببيروت. 7) إعلام الموقعين: ابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ. 8) الأعلام: خير الدين الزركلي. 9) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: أحمد أبو جمال الدين بن يوسف بن أحمد بن عبد الله هشام الأنصاري المتوفى 761، تحقيق محي الدين عبد الحميد. 10) البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي، أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر المتوفى سنة 774هـ، طبعة مكتبة المعارف - ببيروت ط 2 سنة 1971م. 11) بدائع الفوائد: لابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ، مكتبة القاهرة، ط2 392هـ. 12) البدع والنهي عنها: محمد بن وضاح القرطبي سنة 286هـ، تحقيق محمد أحمد الدهمان، دار البصائر دمشق 1402هـ. 13) بغية المريد في رسائل التوحيد: للغزالي محمد بن محمد أبو حامد، المتوفى 606هـ، المطبعة المحمودية التجارية بمصر. 14) تاج العروس: للزبيدي محمد مرتضى المتوفى 1205هـ، دار مكتبة الحياة -ببيروت. 15) تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم المتوفى (ت276هـ)، دار الجيل - ببيروت عام 1393هـ. 16) التدمرية: لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية المتوفى 728هـ. 17) تذكرة الحفاظ: للذهبي محمد بن أحمد بن عثمان المتوفى 748هـ، مصورة ببيروت عن الطبعة العثمانية الهندية. 18) الترغيب والترهيب: للمنذري عبد العظيم بن عبد القوي المتوفى 656هـ، تحقيق مصطفى محمد عمارة، دار إحياء التراث العربي -ببيروت طبع سنة 1388هـ. 19) تقريب التهذيب: لابن حجر أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى 852هـ، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار المعرفة -ببيروت. 20) تلخيص المستدرك (على هامش المستدرك): للذهبي المتوفى 748هـ، مصورة ببيروت عن الطبعة العثمانية الهندية. 21) التلخيص الحبير: لابن حجر العسقلاني المتوفى 852هـ، تحقيق عبد الله هاشم اليماني، طبعة مصر. 22) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: لابن عبد البر المتوفى 463هـ، تحقيق عبد الله بن الصديق، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب. 23) التوحيد: لابن خزيمة محمد بن إسحاق المتوفى 311هـ، تحقيق خليل هراس، دار الكتب العلمية 1398هـ/ 1978م. 24) تهذيب الأسماء واللغات: للنووي أبو زكريا محي الدين بن شرف النووي توفي 676هـ، دار الكتب العلمية - ببيروت. 25) ترجمة محمد بن عبد الوهاب: الشيخ أحمد بن حجر قاضي المحكمة بقطر. 26) رد الدارمي على بشر المريسي: للدارمي عثمان بن سعيد المتوفى 262هـ (ضمن عقائد السلف). 27) جامع بيان العلم وفضله: لابن عبد البر المتوفى 463هـ، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. 28) جامع البيان في تفسير القرآن: للطبري أبو جعفر محمد بن جرير المتوفى 310هـ، دار المعرفة للطباعة والنشر -ببيروت ط3 1398هـ/1978م. 29) الجامع الصحيح: للبخاري، المتوفى 256هـ، (أ) الطبعة السلفية بمصر بتحقيق فؤاد عبد الباقي مع فتح الباري، (ب) طبعة الحلبي (مع الفتح)، (ج) طباعة مع حاشية السندي. 30) الجامع الصحيح: لمسلم بن الحجاج القشيري المتوفى 261هـ، (أ) بتحقيق فؤاد عبد الباقي المصور عن الطبعة السلفية بمصر، (ب) مع شرح النووي. 31) الجامع الصغير (مع فيض القدير): للسيوطي المتوفى 911هـ ط 2 ببيروت، دار المعرفة 1391هـ. 32) الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم الرازي المتوفى 327هـ، مصورة ببيروت عن الطبعة الهندية العثمانية. 33) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح: لابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ، المكتبة الإسلامية التجارية بمصر. 34) حاشية الباجوري المسماة بتحقيق المقام على كفاية العوام في علم الكلام: للشيخ محمد الفضالى، طبعة مصطفى الحلبي بمصر 1341هـ. 35) حاشية الجمل على الجلالين. 36) حاشية الشرقاوي على السنوسية: المطبعة الأزهرية المصرية 1311هـ. 37) حاشية الفضالى على كفاية العوام: طباعة مصطفى الحلبي. 38) حل الرموز ومفتاح الكنوز لشارح الفصوص. 39) حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني المتوفى 430هـ، دار الكتاب العربي -ببيروت ط 2، 1967هـ. 40) حياة شيخ الإسلام ابن تيمية: بهجت البيطار، طباعة المكتب الإسلامي -دمشق. 41) الخطط: للمقريزي: الجزء الثاني، المتوفى سنة 845هـ ط دار صادر -ببيروت. 42) خلق أفعال العباد: للبخاري محمد بن إسماعيل المتوفى 256هـ، تحقيق علي سامي النشار وعمار الطالبي، الناشر منشأة المعارف بالإسكندرية 1971م. 43) دراسة حديث نضر الله رواية ودراية: لعبد المحسن بن حمد العباد، مطابع الرشيد، المدينة المنورة طبعت سنة 1402هـ. 44) درء تعارض العقل والنقل: ابن تيمية 728هـ، تحقيق د. محمد رشاد سالم طبع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. 45) الرد على الزنادقة والجهمية: أحمد بن حنبل المتوفى 241هـ، تحقيق علي سامي النشار، عمار الطالبي، ضمن عقائد السلف، منشأة المعارف بالإسكندرية. 46) الرد على لاجهمية: للدارمي عثمان بن سعيد المتوفى 262هـ، تحقيق علي سامي النشار، وعمار الطالبي (ضمن عقائد السلف طباعة مصر). 47) الرسالة: للشافعي المتوفى 204هـ، تحقيق أحمد شاكر، ط 1 مصطفى البابي الحلبي 1358هـ. 48) الرسائل والمسائل: ابن تيمية المتوفى 728هـ، تحقيق رشيد رضا. 49) الزهد: أحمد بن حنبل المتوفى 241هـ، دار الكتب العلمية -ببيروت. 50) الزبد (الخاتمة): أحمد بن رسلان الشافعي. 51) سلسلة الأحاديث الصحيحة: للألباني محمد ناصر الدين، ط المكتب الإسلامي -ببيروت. 52) السنة: لابن أبي عاصم أبو بكر المتوفى 287هـ، تحقيق وتخريج محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي -ببيروت. 53) السنة: للمروزي أبو عبد الله محمد بن نصر المتوفى 294هـ، مطابع دار الفكر بدمشق. 54) سنن الترمذي: للترمذي محمد بن عيسى بن سورة المتوفى 279هـ، تحقيق أحمد شاكر وإبراهيم عطوة، تصوير المكتبة الإسلامية - ببيروت عن النسخة المصرية. 55) سنن الدارمي: للدارمي أبو عبد الله عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى 255هـ، مصورة -ببيروت. 56) سنن أبي داود: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى 275هـ، تحقيق عزت عبيد الدعاس، نشر وتوزيع محمد علي حمص، ط 1، 1388هـ. 57) سنن ابن ماجه: لابن ماجه محمد بن يزيد القزويني المتوفى 273هـ، تحقيق فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. 58) سنن النسائي (مع التعليقات السلفية): للنسائي أحمد بن شعيب، المتوفى 303هـ، المكتبة السلفية بلاهور باكستان 1396هـ. 59) سير أعلام النبلاء: للذهبي المتوفى 748هـ، تحقيق لجنة من المحققين مؤسسة الرسالة -ببيروت. 60) شرح أسماء الله الحسنى: للرازي فخر الدين محمد بن عمر المتوفى 606هـ، تعليق طه عبد الرؤوف سنة 1396هـ، طباعة مكتبة الكليات الأزهرية. 61) شرح حديث النـزول: ابن تيمية المتوفى 728هـ، ضمن مجموعة الفتاوى، طبع الرياض. 62) شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي، تخريج الألباني، ط المكتب الإسلامي - ببيروت. 63) شرح مسلم: للنووي، المطبعة المصرية الأزهرية 1347هـ. 64) الشريعة: للآجري أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد الله المتوفى 360هـ، تحقيق محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية 1369هـ. 65) شفاء العليل: لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ، دار الفكر -ببيروت 1398هـ. 66) صحيح الجامع الصغير: للألباني محمد ناصر الدين، طبعة المكتب الإسلامي -ببيروت. 67) صور المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام: لجلال الدين السيوطي المتوفى 911هـ. 68) كتاب الصفات: للدارقطني المتوفى سنة 350هـ، تعليق عبد الله الغنيمان، ط مكتبة الدار -المدينة المنورة. 69) عقائد السلف: لعلي سامي النشار، عمر جمعه الطالبي، منشأة المعارف بالإسكندرية -مصر. 70) العلم: لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي المتوفى 234هـ، ضمن رسائل من كنوز السنة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المطبعة العمومية -دمشق. 71) الغياثي: (غياث الأمم في التياث الظلم) لإمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني المتوفى 478هـ، تحقيق د. مصطفى حلمي د. فؤاد عبد المنعم، دار الدعوة بالإسكندرية. 72) فتح الباري في شرح صحيح البخاري: لابن حجر العسقلاني المتوفى 852هـ (أ) ط، مصطفى الحلبي بمصر، (ب) ط المكتبة السلفية بمصر تحقيق فؤاد عبد الباقي. 73) فتح القدير: للشوكاني محمد بن علي المتوفى 1250هـ، ط مصطفى البابي الحلبي 1351هـ. 74) الفتوى الحموية الكبرى: لابن تيمية المتوفى 728هـ، تحقيق حامد الفقي، ط مكتبة السنة المحمدية -مصر. 75) الفرق بين الفرق: للبغدادي عبد القاهر بن طاهر بن محمد المتوفى 429هـ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني - القاهرة. 76) الفقه الأكبر: للإمام أبي حنفية مع شرحه لملا علي القاري المتوفى سنة 1001هـ، ط مصطفى البابي الحلبي -مصر. 77) فلسفة ابن رشد: لابن رشد الأندلسي المتوفى 595هـ تحقيق مصطفى عبد الجواد عمران، المكتبة المحمدية التجارية -مصر ط3، 1388هـ. 78) القاموس المحيط: للفيروزآبادي مجد الدين محمد بن يعقوب المتوفى 817هـ، ط الباب -مصر. 79) قواعد المنهج السلفي في الفكر الإسلامي د. مصطفى حلمي، دار الأنصار بالقاهرة 1396هـ. 80) كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: للعجلوني إسماعيل بن محمد المتوفى 1162هـ، دار إحياء التراث العربي -بيروت ط 3، 1351هـ. 81) الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة: لابن رشد 595هـ تحقيق مصطفى عبد الجواد عمران، المكتبة المحمدية التجارية، الطبعة الثالثة 1388هـ. 82) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ترتيب عبد الرحمن بن محمد ابن قاسم ط الرياض. 83) مجموعة تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية: ترتيب وتحقيق عبد الصمد شرف الدين، الدار القيمة بهيوندي الهند 1374هـ. 84) مختار الصحاح. 85) مختصر الصواعق المرسلة: لابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ، اختصره الشيخ محمد بن الموصلي -تصحيح زكريا علي يوسف، مطبعة الإمام -مصر. 86) مختصر العلو: للألباني محمد ناصر الدين، ط المكتب الإسلامي. 87) مدارج السالكين: لابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ، طبعة الشيخ محمد سرور الصبان - مصر. 88) المستدرك على الصحيحين: للحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله المتوفى 405هـ، مصورة ببيروت عن المطبعة العثمانية الهندية. 89) المسند: لأحمد بن حنبل المتوفى 241هـ، تصوير المكتب الإسلامية -ببيروت. 90) مسند الشهاب (مخطوط) للقضاعي المتوفى 454هـ، مصورة عن النسخة الخطية بمخطوطات الجامعة الإسلامية-بالمدينة المنورة. 91) مشكاة المصابيح: للخطيب التبريزي: لمحمد بن عبد الله، بتحقيق الألباني محمد ناصر الدين، ط المكتب الإسلامي - ببيروت. 92) المعارضة والرد: لسهل بن عبد الله التستري - تحقيقد. كما جعفر، ط مصر. 93) معجم المؤلفين: عمر رضا كحالة، مكتبة المثنى ودار إحياء التراث العربي -ببيروت. 94) المعجم الكبير: للطبراني أحمد بن سليمان المتوفى 360هـ تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط بغداد. 95) مفتاح دار السعادة: لابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ، دار الكتب العلمية -ببيروت. 96) مقالات الإسلاميين: لأبي الحسن الأشعري، تحقيق محي الدين عبد الحميد، ط مصر. 97) مقدمة علوم الحديث: ابن الصلاح أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المتوفى 642هـ، دار الكتب العلمية - ببيروت. 98) مقدمة ابن خلدون: عبد الرحمن بن خلدون، ط مصر. 99) الملل والنحل: للشهرستاني المتوفى 548هـ، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة. 100) مناقب الإمام أحمد: لابن الجوزي المتوفى 597هـ. 101) مناقب الشافعي: للبيهقي ت 458هـ، تحقيق سيد أحمد صقر، ط بمصر. 102) المنتقى في مختصر منهاج السنة: للذهبي ت 748هـ، تحقيق محب الدين الخطيب، المكتبة السلفية بمصر. 103) منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع: للشيخ سليمان بن سحمان، دار مروان للطباعة والنشر، القاهرة سنة 1401هـ. 104) منهاج علماء الحديث والسنة من أصول الدين (علم الكلام) مصطفى حلمي، دار الدعوة بالإسكندرية 1402هـ. 105) موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: لابن تيمية ت728هـ، تحقيق محي الدين عبد الحميد، ودرء تعارض العقل والنقل: تحقيق د. محمد رشاد سالم، ط جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. 1399هـ/1979هـ. 106) المواقف في علم الكلام: للإيجي القاضي عبد الرحمن بن أحمد، ط عالم الكتب ببيروت. 107) الموطأ (مع تنوير الحوالك) للإمام مالك ت179هـ، ط عيسى البابي الحلبي -مصر. 108) ميزان الاعتدال: للذهبي ت 748هـ تحقيق علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر - ببيروت ط 1. 109) المنار المنيف: ابن قيم الجوزية. 110) النصيحة: الجويني (الأب) ط المكتب الإسلامي- ببيروت. 111) نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع: للمستشرق هنري لاووست، ترجمة: محمد عبد العظيم علي، وتقديم وتعليق: د. مصطفى حلمي، دار الأنصار - القاهرة. 112) نقض المنطق: لابن تيمية ت 728هـ، تعليق حامد الفقي، ط مصر. 113) النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، المتوفى 606هـ تحقيق طاهر أحمد الزاوي، ومحمود الطناحي، المكتبة الإسلامية، ببيروت. 114) هدي الساري مقدمة فتح الباري: لابن حجر ت 852هـ، تحقيق فؤاد عبد الباقي، ط السلفية - مصر. 115) الوضع في الحديث د. عمر حسن عثمان فلاته، مكتبة الغزالي دمشق ببيروت. 116) وفيات الأعيان: لابن خلكان ت 681هـ تحقيق محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط 1376هـ.
شارك الموضوع على :    Facebook Twitter Google+ Stumble Digg
إرسال تعليق

ابحث بكل أمان في المواقع العلمية و الإسلامية الموثوقة

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

هذا الموقع آمن و لا يوجد به اشهار و لن يوجد