لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة , للشيخ محمد العربي الهلالي :

لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة   دعوة الحق 144 العدد  إن الله تعالى أنزل الكتب، وسن النظم التي رضيها للناس، ولم يرض لهم الخروج عنها أو التهاون بها قليلا أو كثيرا، فأرسل بها رسله، وفرضها فرضا، وألزم الناس بالثبات عليها والعمل بمقتضاها حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، دون تغيير أو تبديل، ودون زيادة أو نقص، من غير زيغ ولا انحراف. وأوجب الإيمان بها إيمانا كاملا مخلصا، عقيدة وقولا وعملا، كما أوجب اتباعها ورفض ما عداها من سائر الخلق، أيا كانوا وكيفما كانوا. فكل تبعية في الدين يجب أن يكون مصدرها ومستندها كتاب الله وسنة رسوله (ص) وإلا كانت تبعية باطلة مردودة على التابع، لا يقبلها الله ولا عباده المخلصون، الذين يحبون ما أحب الله ويكرهون ما يكره الله عملا بقوله تعالى من سورة الأعراف (3): (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ3). ومما نريد أن نتنبه إليه في هذه الآية أن لفظ ((أولياء)) نكرة مطلقة تشمل كل شيء، سواء في ذلك الملائكة والبشر والجن وأنواع الحيوان والنبات والجماد وكل مخلوق يتبع أو يعبد من دون الله. ومتى علمنا – حسب  ما دلت عليه اللغة – أن الولي هو الناصر والمتصرف أدركنا شدة تحذير الآية من اتخاذ الأولياء المتبوعين من دون الله، وأن ذلك شرك في العبادة، لأن اتخاذ الأولياء المتبعين في الدين يعني أنهم يتصرفون بالنفع والضر، والنصر والخذلان، فينشأ عن ذلك رجاؤهم والتوكل عليهم والخوف منهم وحبهم كحب الله، وتعظيمهم ودعاؤهم في الشدائد والاستغاثة والاستعانة بهم.. إلى غير ما هناك من العبادات التي نصت آيات القرآن العديدة أنها مختصة بالله تعالى، ولا تصح إلا له، وصرف شيء منها لأي متبوع أو مطاع من الخلق شرك بالخالق سبحانه، ومن أجل ذلك كان لزاما للمتبوعين - على مختلف مشاربهم وأهدافهم - أن يتبرأوا من التابعين أمام المتبوع الحق سبحانه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله، وفي ذلك يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ؛ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.) [البقرة: 166-167]. فهناك تتبرأ الملائكة من متبعيهم وعابديهم كما حكى الله عنهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ)‏ [سبأ:40-41] . وعندئذ يجيب الجبار العظيم بقوله: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سبأ:42].  وكما تبرأ الملائكة يتبرأ الأنبياء ممن عبدوهم ظنا منهم أن ذلك تعظيم وتكريم لهم، فقد أخبر الله تعالى عن عيسى وبراءته بقوله: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 116-117]. هذا موقف أحد أولي العزم من أتباعه الذين اتبعوه اتباعا خاطئا وانحرفوا عن رسالته الصحيحة، فكيف كانت مجابهته لهم صريحة أمام الله، وخيب ظنهم وخسروا كل ما عملوا لأنهم في الحقيقة لم يتبعوا عيسى وما أوحى الله إليه، بل اتبعوا أهواءهم الجامحة التي أدت بهم إلى الغلو في الدين ثم إلى الضلال المبين من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعا، فكانت أعمالهم حسرات عليهم، وعضوا على بنان الندم ولات حين مندم.
دعوة الحق: لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة ;للشيخ محمد العربي الهلالي - الأخ الأصغر للشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي -

هكذا يسأل الله سبحانه جميع التابعين المبطلين عن تبعيتهم ومتبوعيهم، ويسأل المتبوعين بدورهم عن تلك التبعية الباطلة، وعن رضاهم وتقبلهم لها، ومقدار حظهم منها، فإن لم يكن لهم شرك فيها ولاحظ منها وأنكروها ولم يرضوا عنها وعن أهلها خلصوا نجيا وقبلت معذرتهم بعد إعلان براءتهم منها وممن فعلها، يقول الله تعالى في سورة يونس (28 - 30): (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  (أي فرقنا بينهم) وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ. فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ. هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ). فلنتأمل كيف كذب هؤلاء تابعيهم مقيمين البرهان القاطع بشهادة الله بينهم، أنهم لم يكونوا يعلمون شيئا من أعمالهم، ولا أمروا بها ولا كانوا راضين عنها - هكذا ذكر الحافظ ابن كثير - وهذا غاية في الرد والإنكار والبراءة، زيادة على ما فيه من التبكيت والتقريع للتابعين، مع الإذلال والتخجيل أمام من لا تخفى عليه الخفايا. ومثل هذا قوله في سورة الفرقان، (17 - 18): (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ.‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا)، وعندئذ يقول الله تبارك وتعالى للتابعين: (فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) [الفرقان: 19]. وهذا يدل على أن المتبوعين ينكرون عمل التابعين ويرفضونه بشدة وغضب، وهم محقون في ذلك لأن التابعين اعتدوا اعتداء عظيما فصرفوا حق الخالق للمخلوق، مخالفين لكل النظم والشرائع والرسالات من وحي الله وصراطه المستقيم، وبذلك استحقوا تلك الإهانات والتكذيب والتحقير، بل وأشد الكراهة والعداوة، كما دلت عليه الآية في سورة الأحقاف (5 - 6): (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ.‏‏ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين)َ. ومثل هذا ما جاء في سورة مريم ( 81 - 82): (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا.‏ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا). هذا ما يكون من الذين لم يوافقوا على التبعية لغير الله، وهكذا يكون موقفهم من تابعيهم يوم الجزاء أمام الله سبحانه. أما الذين نصبوا أنفسهم كالآلهة للناس وشرعوا لهم من العبادات والشرائع ما لم يأذن به الله لا في كتاب ولا سنة، بل كان مصادما صراحة للكتاب والسنة، وما عرف عن الأيمة وسلف الأمة، وزينوا للناس اتباع الأهواء وسلكوا بهم التعاريج والمنعطفات حتى شطوا عن الصراط المستقيم إلى السبل المتفرقة التي سلكها من كان قبلهم من الأمم الضالة المنحرفة، غير مبالين بقوله تعالى في سورة الأنعام (153): ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). كما لم يلتفتوا إلى ما جاء في صحيح البخاري في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة) حين قال: (باب) «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ثم ذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع»، فقيل يا رسول الله كفارس والروم، فقال: «ومن الناس إلا أولئك»، ومثله عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».
دعوة الحق: لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة ;للشيخ محمد العربي الهلالي - الأخ الأصغر للشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي -
http://minhajcanal.blogspot.jp/
هذه الطوائف هي التي أخبر الله سبحانه عنها بأنها تتخاصم وتتلاعن يوم القيامة بعدما يتحقق لديها بجميع الوسائل والمشاهدة أن المتبوعين غروا تابعيهم، وكذبوهم ما وعدوهم ومنوهم فضيعوا عليهم فرصة الحياة وأوردوهم موارد الهلاك بعد ما قضوا بهم مآربهم الدنيوية ثم تبرأوا منهم حينما كانوا في أشد حاجة إلى المعونة والغوث. قال تعالى في سورة سبأ (31 - 33): (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم؟ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ.‏ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ). ومثله ما جاء في سورة غافر ( 47 - 48): (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ.‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ).  وقال سبحانه في سورة إبراهيم (21): (وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ؟ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ). فيا لها من تبعية ضالة كانت وبالا على أصحابها جميعا، ويا لهم من تابعين مساكين عاشوا في الدنيا عبيدا أذلاء مسخرين للمخلوق ثم صاروا في الآخرة وقودا للنار! ويا لهم من متبوعين أغبياء نصبوا أنفسهم طواغيت وأندادا، فباعوا نصيبهم من الله بثمن بخس، فباءوا بالخسران المبين، والعذاب المهين! فانظر في نفسك أيها القارئ هل نجوت أن تكون من أحد الفريقين؟  (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا؛ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].
دعوة الحق: لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة ;للشيخ محمد العربي الهلالي - الأخ الأصغر للشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي -

دعوة الحق: لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة ;للشيخ محمد العربي الهلالي - الأخ الأصغر للشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي -

لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة

  دعوة الحق
144 العدد
    إن الله تعالى أنزل الكتب، وسن النظم التي رضيها للناس، ولم يرض لهم الخروج عنها أو التهاون بها قليلا أو كثيرا، فأرسل بها رسله، وفرضها فرضا، وألزم الناس بالثبات عليها والعمل بمقتضاها حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، دون تغيير أو تبديل، ودون زيادة أو نقص، من غير زيغ ولا انحراف. وأوجب الإيمان بها إيمانا كاملا مخلصا، عقيدة وقولا وعملا، كما أوجب اتباعها ورفض ما عداها من سائر الخلق، أيا كانوا وكيفما كانوا. فكل تبعية في الدين يجب أن يكون مصدرها ومستندها كتاب الله وسنة رسوله (ص) وإلا كانت تبعية باطلة مردودة على التابع، لا يقبلها الله ولا عباده المخلصون، الذين يحبون ما أحب الله ويكرهون ما يكره الله عملا بقوله تعالى من سورة الأعراف (3): (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ3).
    ومما نريد أن نتنبه إليه في هذه الآية أن لفظ ((أولياء)) نكرة مطلقة تشمل كل شيء، سواء في ذلك الملائكة والبشر والجن وأنواع الحيوان والنبات والجماد وكل مخلوق يتبع أو يعبد من دون الله. ومتى علمنا – حسب  ما دلت عليه اللغة – أن الولي هو الناصر والمتصرف أدركنا شدة تحذير الآية من اتخاذ الأولياء المتبوعين من دون الله، وأن ذلك شرك في العبادة، لأن اتخاذ الأولياء المتبعين في الدين يعني أنهم يتصرفون بالنفع والضر، والنصر والخذلان، فينشأ عن ذلك رجاؤهم والتوكل عليهم والخوف منهم وحبهم كحب الله، وتعظيمهم ودعاؤهم في الشدائد والاستغاثة والاستعانة بهم.. إلى غير ما هناك من العبادات التي نصت آيات القرآن العديدة أنها مختصة بالله تعالى، ولا تصح إلا له، وصرف شيء منها لأي متبوع أو مطاع من الخلق شرك بالخالق سبحانه، ومن أجل ذلك كان لزاما للمتبوعين - على مختلف مشاربهم وأهدافهم - أن يتبرأوا من التابعين أمام المتبوع الحق سبحانه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله، وفي ذلك يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ؛ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.) [البقرة: 166-167]. فهناك تتبرأ الملائكة من متبعيهم وعابديهم كما حكى الله عنهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ)‏ [سبأ:40-41] . وعندئذ يجيب الجبار العظيم بقوله: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سبأ:42].
     
    وكما تبرأ الملائكة يتبرأ الأنبياء ممن عبدوهم ظنا منهم أن ذلك تعظيم وتكريم لهم، فقد أخبر الله تعالى عن عيسى وبراءته بقوله: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 116-117]. هذا موقف أحد أولي العزم من أتباعه الذين اتبعوه اتباعا خاطئا وانحرفوا عن رسالته الصحيحة، فكيف كانت مجابهته لهم صريحة أمام الله، وخيب ظنهم وخسروا كل ما عملوا لأنهم في الحقيقة لم يتبعوا عيسى وما أوحى الله إليه، بل اتبعوا أهواءهم الجامحة التي أدت بهم إلى الغلو في الدين ثم إلى الضلال المبين من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعا، فكانت أعمالهم حسرات عليهم، وعضوا على بنان الندم ولات حين مندم.
    وهكذا يسأل الله سبحانه جميع التابعين المبطلين عن تبعيتهم ومتبوعيهم، ويسأل المتبوعين بدورهم عن تلك التبعية الباطلة، وعن رضاهم وتقبلهم لها، ومقدار حظهم منها، فإن لم يكن لهم شرك فيها ولاحظ منها وأنكروها ولم يرضوا عنها وعن أهلها خلصوا نجيا وقبلت معذرتهم بعد إعلان براءتهم منها وممن فعلها، يقول الله تعالى في سورة يونس (28 - 30): (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  (أي فرقنا بينهم) وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ. فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ. هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ). فلنتأمل كيف كذب هؤلاء تابعيهم مقيمين البرهان القاطع بشهادة الله بينهم، أنهم لم يكونوا يعلمون شيئا من أعمالهم، ولا أمروا بها ولا كانوا راضين عنها - هكذا ذكر الحافظ ابن كثير - وهذا غاية في الرد والإنكار والبراءة، زيادة على ما فيه من التبكيت والتقريع للتابعين، مع الإذلال والتخجيل أمام من لا تخفى عليه الخفايا.
    ومثل هذا قوله في سورة الفرقان، (17 - 18): (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ.‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا)، وعندئذ يقول الله تبارك وتعالى للتابعين: (فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) [الفرقان: 19]. وهذا يدل على أن المتبوعين ينكرون عمل التابعين ويرفضونه بشدة وغضب، وهم محقون في ذلك لأن التابعين اعتدوا اعتداء عظيما فصرفوا حق الخالق للمخلوق، مخالفين لكل النظم والشرائع والرسالات من وحي الله وصراطه المستقيم، وبذلك استحقوا تلك الإهانات والتكذيب والتحقير، بل وأشد الكراهة والعداوة، كما دلت عليه الآية في سورة الأحقاف (5 - 6): (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ.‏‏ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين)َ. ومثل هذا ما جاء في سورة مريم ( 81 - 82): (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا.‏ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا).
    هذا ما يكون من الذين لم يوافقوا على التبعية لغير الله، وهكذا يكون موقفهم من تابعيهم يوم الجزاء أمام الله سبحانه. أما الذين نصبوا أنفسهم كالآلهة للناس وشرعوا لهم من العبادات والشرائع ما لم يأذن به الله لا في كتاب ولا سنة، بل كان مصادما صراحة للكتاب والسنة، وما عرف عن الأيمة وسلف الأمة، وزينوا للناس اتباع الأهواء وسلكوا بهم التعاريج والمنعطفات حتى شطوا عن الصراط المستقيم إلى السبل المتفرقة التي سلكها من كان قبلهم من الأمم الضالة المنحرفة، غير مبالين بقوله تعالى في سورة الأنعام (153): ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). كما لم يلتفتوا إلى ما جاء في صحيح البخاري في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة) حين قال: (باب) «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ثم ذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع»، فقيل يا رسول الله كفارس والروم، فقال: «ومن الناس إلا أولئك»، ومثله عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».
    وهذه الطوائف هي التي أخبر الله سبحانه عنها بأنها تتخاصم وتتلاعن يوم القيامة بعدما يتحقق لديها بجميع الوسائل والمشاهدة أن المتبوعين غروا تابعيهم، وكذبوهم ما وعدوهم ومنوهم فضيعوا عليهم فرصة الحياة وأوردوهم موارد الهلاك بعد ما قضوا بهم مآربهم الدنيوية ثم تبرأوا منهم حينما كانوا في أشد حاجة إلى المعونة والغوث. قال تعالى في سورة سبأ (31 - 33): (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم؟ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ.‏ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).
    ومثله ما جاء في سورة غافر ( 47 - 48): (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ.‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ). 
    وقال سبحانه في سورة إبراهيم (21): (وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ؟ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ). فيا لها من تبعية ضالة كانت وبالا على أصحابها جميعا، ويا لهم من تابعين مساكين عاشوا في الدنيا عبيدا أذلاء مسخرين للمخلوق ثم صاروا في الآخرة وقودا للنار! ويا لهم من متبوعين أغبياء نصبوا أنفسهم طواغيت وأندادا، فباعوا نصيبهم من الله بثمن بخس، فباءوا بالخسران المبين، والعذاب المهين! فانظر في نفسك أيها القارئ هل نجوت أن تكون من أحد الفريقين؟ 
    (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا؛ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].
    دعوة الحق: لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة ;للشيخ محمد العربي الهلالي - الأخ الأصغر للشيخ العلامة محمد تقي الدين الهلالي -  لا تبعية في الدين إلا ما وافق الكتاب والسنة   دعوة الحق 144 العدد إن الله تعالى أنزل الكتب، وسن النظم التي رضيها للناس، ولم يرض لهم الخروج عنها أو التهاون بها قليلا أو كثيرا، فأرسل بها رسله، وفرضها فرضا، وألزم الناس بالثبات عليها والعمل بمقتضاها حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، دون تغيير أو تبديل، ودون زيادة أو نقص، من غير زيغ ولا انحراف. وأوجب الإيمان بها إيمانا كاملا مخلصا، عقيدة وقولا وعملا، كما أوجب اتباعها ورفض ما عداها من سائر الخلق، أيا كانوا وكيفما كانوا. فكل تبعية في الدين يجب أن يكون مصدرها ومستندها كتاب الله وسنة رسوله (ص) وإلا كانت تبعية باطلة مردودة على التابع، لا يقبلها الله ولا عباده المخلصون، الذين يحبون ما أحب الله ويكرهون ما يكره الله عملا بقوله تعالى من سورة الأعراف (3): (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ3). ومما نريد أن نتنبه إليه في هذه الآية أن لفظ ((أولياء)) نكرة مطلقة تشمل كل شيء، سواء في ذلك الملائكة والبشر والجن وأنواع الحيوان والنبات والجماد وكل مخلوق يتبع أو يعبد من دون الله. ومتى علمنا – حسب  ما دلت عليه اللغة – أن الولي هو الناصر والمتصرف أدركنا شدة تحذير الآية من اتخاذ الأولياء المتبوعين من دون الله، وأن ذلك شرك في العبادة، لأن اتخاذ الأولياء المتبعين في الدين يعني أنهم يتصرفون بالنفع والضر، والنصر والخذلان، فينشأ عن ذلك رجاؤهم والتوكل عليهم والخوف منهم وحبهم كحب الله، وتعظيمهم ودعاؤهم في الشدائد والاستغاثة والاستعانة بهم.. إلى غير ما هناك من العبادات التي نصت آيات القرآن العديدة أنها مختصة بالله تعالى، ولا تصح إلا له، وصرف شيء منها لأي متبوع أو مطاع من الخلق شرك بالخالق سبحانه، ومن أجل ذلك كان لزاما للمتبوعين - على مختلف مشاربهم وأهدافهم - أن يتبرأوا من التابعين أمام المتبوع الحق سبحانه يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله، وفي ذلك يقول سبحانه: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ؛ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.) [البقرة: 166-167]. فهناك تتبرأ الملائكة من متبعيهم وعابديهم كما حكى الله عنهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ)‏ [سبأ:40-41] . وعندئذ يجيب الجبار العظيم بقوله: (فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) [سبأ:42].  وكما تبرأ الملائكة يتبرأ الأنبياء ممن عبدوهم ظنا منهم أن ذلك تعظيم وتكريم لهم، فقد أخبر الله تعالى عن عيسى وبراءته بقوله: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 116-117]. هذا موقف أحد أولي العزم من أتباعه الذين اتبعوه اتباعا خاطئا وانحرفوا عن رسالته الصحيحة، فكيف كانت مجابهته لهم صريحة أمام الله، وخيب ظنهم وخسروا كل ما عملوا لأنهم في الحقيقة لم يتبعوا عيسى وما أوحى الله إليه، بل اتبعوا أهواءهم الجامحة التي أدت بهم إلى الغلو في الدين ثم إلى الضلال المبين من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعا، فكانت أعمالهم حسرات عليهم، وعضوا على بنان الندم ولات حين مندم. وهكذا يسأل الله سبحانه جميع التابعين المبطلين عن تبعيتهم ومتبوعيهم، ويسأل المتبوعين بدورهم عن تلك التبعية الباطلة، وعن رضاهم وتقبلهم لها، ومقدار حظهم منها، فإن لم يكن لهم شرك فيها ولاحظ منها وأنكروها ولم يرضوا عنها وعن أهلها خلصوا نجيا وقبلت معذرتهم بعد إعلان براءتهم منها وممن فعلها، يقول الله تعالى في سورة يونس (28 - 30): (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ  (أي فرقنا بينهم) وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ. فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ. هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ). فلنتأمل كيف كذب هؤلاء تابعيهم مقيمين البرهان القاطع بشهادة الله بينهم، أنهم لم يكونوا يعلمون شيئا من أعمالهم، ولا أمروا بها ولا كانوا راضين عنها - هكذا ذكر الحافظ ابن كثير - وهذا غاية في الرد والإنكار والبراءة، زيادة على ما فيه من التبكيت والتقريع للتابعين، مع الإذلال والتخجيل أمام من لا تخفى عليه الخفايا. ومثل هذا قوله في سورة الفرقان، (17 - 18): (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ.‏ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا)، وعندئذ يقول الله تبارك وتعالى للتابعين: (فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا) [الفرقان: 19]. وهذا يدل على أن المتبوعين ينكرون عمل التابعين ويرفضونه بشدة وغضب، وهم محقون في ذلك لأن التابعين اعتدوا اعتداء عظيما فصرفوا حق الخالق للمخلوق، مخالفين لكل النظم والشرائع والرسالات من وحي الله وصراطه المستقيم، وبذلك استحقوا تلك الإهانات والتكذيب والتحقير، بل وأشد الكراهة والعداوة، كما دلت عليه الآية في سورة الأحقاف (5 - 6): (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ.‏‏ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين)َ. ومثل هذا ما جاء في سورة مريم ( 81 - 82): (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا.‏ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا). هذا ما يكون من الذين لم يوافقوا على التبعية لغير الله، وهكذا يكون موقفهم من تابعيهم يوم الجزاء أمام الله سبحانه. أما الذين نصبوا أنفسهم كالآلهة للناس وشرعوا لهم من العبادات والشرائع ما لم يأذن به الله لا في كتاب ولا سنة، بل كان مصادما صراحة للكتاب والسنة، وما عرف عن الأيمة وسلف الأمة، وزينوا للناس اتباع الأهواء وسلكوا بهم التعاريج والمنعطفات حتى شطوا عن الصراط المستقيم إلى السبل المتفرقة التي سلكها من كان قبلهم من الأمم الضالة المنحرفة، غير مبالين بقوله تعالى في سورة الأنعام (153): ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). كما لم يلتفتوا إلى ما جاء في صحيح البخاري في كتاب (الاعتصام بالكتاب والسنة) حين قال: (باب) «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، ثم ذكر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع»، فقيل يا رسول الله كفارس والروم، فقال: «ومن الناس إلا أولئك»، ومثله عن أبي سعيد الخدري عن النبي (ص) قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». وهذه الطوائف هي التي أخبر الله سبحانه عنها بأنها تتخاصم وتتلاعن يوم القيامة بعدما يتحقق لديها بجميع الوسائل والمشاهدة أن المتبوعين غروا تابعيهم، وكذبوهم ما وعدوهم ومنوهم فضيعوا عليهم فرصة الحياة وأوردوهم موارد الهلاك بعد ما قضوا بهم مآربهم الدنيوية ثم تبرأوا منهم حينما كانوا في أشد حاجة إلى المعونة والغوث. قال تعالى في سورة سبأ (31 - 33): (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم؟ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ.‏ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ). ومثله ما جاء في سورة غافر ( 47 - 48): (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ.‏ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ).  وقال سبحانه في سورة إبراهيم (21): (وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ؟ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ). فيا لها من تبعية ضالة كانت وبالا على أصحابها جميعا، ويا لهم من تابعين مساكين عاشوا في الدنيا عبيدا أذلاء مسخرين للمخلوق ثم صاروا في الآخرة وقودا للنار! ويا لهم من متبوعين أغبياء نصبوا أنفسهم طواغيت وأندادا، فباعوا نصيبهم من الله بثمن بخس، فباءوا بالخسران المبين، والعذاب المهين! فانظر في نفسك أيها القارئ هل نجوت أن تكون من أحد الفريقين؟  (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا؛ وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].  محمد العربي الهلالي
    minhajcanal.blogspot.jp
    http://minhajcanal.blogspot.jp/
    شارك الموضوع على :    Facebook Twitter Google+ Stumble Digg

    ابحث بكل أمان في المواقع العلمية و الإسلامية الموثوقة

    ابحث بكل أمان في المواقع العلمية و الإسلامية الموثوقة
    لا تنس أن تجعل رابط الموقع في المفضلة ـ Favoris

    إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

    هذا الموقع آمن و لا يوجد به اشهار و لن يوجد